مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

حسين بن محمد المهدي
{فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالآخرة وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا}.

​هذه الآية القرآنية تدل على أن الأُمَّــة الإسلامية مكلفة بتحقيق العدالة في الأرض وحماية المستضعفين، وأنه يجب على المسلمين أن يكافحوا الظلم حيثما كان ويزيلوا أسبابه؛

فكُلُّ قتال لأجل الدين والدفاع عنه هو في سبيل الله، وكل قتال لدفع الظلم ومعاونة المظلومين ضد الظالمين ونصرة الحق هو من القتال في سبيل الله،

وكل طريق للوصول إلى الحق أَو حمايته أَو الدفاع عنه هو في سبيل الله.

​وإذا كان التاريخُ الإنساني والبشري قد شهد مآسيَ عديدةً، فإن مأساة الشعب الفلسطيني تظل الجرح الأكثر نزفًا للضمير العالمي؛ فمنذ عقود يرزح الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، ولا يزال يعيش أبشع صوره من تشريد وقتل واحتلال القدس الشريف، والتدمير للبنية التحتية بغرض طمس الهُوية العربية والإسلامية في فلسطين وعلى رأسها المسجد الأقصى، ورغم صدور عشرات القرارات من مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة التي تطالب بإنهاء الاحتلال والانسحاب إلى حدود 1967، إلا أن كِيان الاحتلال الصهيوني يضرب بها عرض الحائط، مدعومًا بغطاء دبلوماسي وعسكري أمريكي يصادم القانون الدولي ويخدم الصلف الصهيوني، وبما يدل على العجز الذي يبديه المجتمع الدولي -بما في ذلك المنظومة العربية والإسلامية- عن رفع هذا الظلم التاريخي، وإنهاء الحصار الجائر والشامل على قطاع غزة، وإجبار الاحتلال على الانسحاب الكامل من غزة والقدس والضفة الغربية.

إنها مظلومية لم تعد مُجَـرّد قضية سياسية، وإنما هي اختبار ساقط للعدالة الدولية المدعاة.

​والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: ما هي مصلحة الشعب الأمريكي في استمرار الدعم الأعمى للصهيونية؟ في الواقع لا شيء يستفيده الشعب الأمريكي، وإنما يترتب على ذلك هو توسيع رقعة الصراع ومحاصرة الجمهورية الإسلامية في إيران، والذي لا يخدم المواطن الأمريكي البتة.

إن الغالبيةَ العظمى من الشعب الأمريكي -والتي تصلُ إلى نحو 67 %- تعارِضُ الدخولَ في مغامرات عسكرية أَو حروب ضد إيران، إذن فالسياسةُ التي ينتهجها الرئيس ترامب تمثل خطأً استراتيجيًّا فادحًا يضر بالشعب الأمريكي أولًا قبل غيره، وتلويح ترامب باستخدام القوة العسكرية ضد إيران يمثل تجاوزًا صارخًا للدستور الأمريكي الذي منح الصلاحية للكونجرس، ويشكل إعلان حرب يضرب أسس الديمقراطية الأمريكية ويكشف هشاشتها؛ لأنه يستنزف قدرة الأمريكيين في حروب لا ناقة لأمريكا فيها ولا جمل، ويضعف مكانتها السياسية والعسكرية بشكل مباشر، وإن خدم الصهيونية فإنه يواجه المواطن الأمريكي بأزمة اقتصادية، منها ارتفاع أسعار الوقود والنفط، ويشكل سببًا رئيسًا في تعطيل الخطوط التجارية والملاحية؛ مما يثقل كاهل المواطن الغربي بصفة عامة والأمريكي بصفة خَاصَّة؛ لأن الاقتصاد الأمريكي يصاب بالتضخم والركود.

​إن الضعف الأمريكي اليوم لم يعد عسكريًّا فحسب بالمنظور العلمي وبالمعنى التقليدي، وإنما هو ضعف يسبب عجزًا عن التحمل؛ فحصار إيران لعقود لم يثمر -رغم مرور عقود من الزمن- شيئًا، وإشعال أمريكا للحرب ضد إيران أظهر ضعفها للعالم، وأكبر دليل على ذلك طلبها للمصالحة والتوقيع والتماسها لذلك، مما يشعر المتابعين في العالم بعدم تحقيقها لأي نصر وأن ذلك مستبعد.

وفي هذا السياق تكون الصهيونية قد جنت على نفسها وعلى اليهود في فلسطين؛ لأن المراهنة على مِظلة الحماية الأمريكية ستتراجع فهي تتآكل، وهذا ما سيتسبب في زوال الهيمنة الأمريكية، واعتمادها على الدعم من الحلفاء العرب لن يدوم ولن يكتب له النصر أبدًا.

​فالواجب الأخلاقي والسياسي يتطلب من الحزب الديمقراطي السعي لرفع ظلم واضطهاد الشعب الفلسطيني المظلوم ودعم حقوقه المشروعة، وإنهاء سياسة الحصار والعقوبات المفروضة على الشعب الإيراني منذ عقود، وهي السياسات التي ثبت فشلها؛ فإذا كان في أمريكا أهل عقول راجحة وسياسة ناجحة، فعليهم أن يعيدوا ترامب والتوجّـه الصهيوني عن هذه السياسات التصادمية قبل أن تتحول أمريكا إلى أضحوكة سياسية على مسرح السياسات الدولية، وقبل أن تكتشف الشعوب والشعب الأمريكي نفسه أن شعاراته البراقة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في أمريكا ليست سوى أوهام وشكوك تخفي وراءها هشاشتها؛ فالعودة إلى صوت العقل والقانون الدولي وإعطاء الشعوب حقوقها هو المخرج الوحيد قبل أن يصير هناك انهيار استراتيجي شامل.

وعلى الدول الغربية والإسلامية أن يتدبروا قول الحق سبحانه وتعالى: {وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا}.

​الشعب الفلسطيني يعيش تحت واحد من أطول وأقسى أشكال الاحتلال للأرض الإسلامية، ولم يكتفِ ذلك الاحتلال بحصار الأرض، وإنما تجاوز ذلك إلى محاولة اقتلاع الإنسان الفلسطيني من تاريخه وهُويته ووجوده، تحت صمت عربي وإسلامي مؤلم، وتواطؤ سياسي من قوى كبرى جعلت من حقوق الإنسان شعارًا يرفع، حَيثُ تقتضي المصالح ويدفن، حَيثُ تكون الضحية فلسطينيًّا.

فعلى العرب والمسلمين كافة أن يرفعوا راية الجهاد وأن يعلنوا ذلك في عرفات في هذا العام كما رفع النبي البراءة من المشركين.

وتفعيل سلاح المقاطعة الاقتصادية الشاملة، قطع العلاقات الدبلوماسية والتطبيعية، واستخدام أوراق القوة الاقتصادية (كالنفط والممرات المائية) التي تمتلكها المنظومة العربية والإسلامية للضغط على الغرب.

​يا رافعًا رايةَ الإسلام مُحْتَسِبَا ** جَاهِدْ فَمَا ضَاعَ حَقٌّ بَعْدَمَا طُلِبَا

تَمْسِي وَتُصْبِحُ فِي هَمٍّ وَفِي نَصَبٍ ** لٰكِنَّ رَبَّكَ لَمْ يَتْرُكْكَ مُغْتَرِبَا

شَرِيعَةُ اللهِ نُورٌ فِي بَصَائِرِنَا ** نَفِيءُ لِلْحَقِّ لا شَكًّا وَلا رِيَبَا

أَمَادَ جَيْشُ العِدَا أَرْضًا بِمَظْلَمَةٍ ** وَأَشْعَلَ البَغْيُ فِي سَاحَاتِهَا لَهَبَا؟

فِي غَزَّةَ الجُرْحُ أَقْلَامٌ مُعَبِّرَةٌ ** تَخُطُّ مَجْدًا، وَتَسْقِي عِزَّةً شُهَبَا

ظَنَّ الطُّغَاةُ بِأَنَّ الأرضَ مِلْكُهُمُ ** وَأَنَّ سُلْطَانَهُمْ قَدْ طَاوَلَ السُّحُبَا

يَقُولُ زُورًا كَذُوبُ القَوْمِ فِي عَلَنٍ ** وَالفِعْلُ يَفْضَحُ مَا صَاغُوا وَمَا كَتَبَا

لٰكِنَّ أَسْدَ الشَّرَى هَبُّوا لِنُصْرَتِهَا ** بِعَزْمِ مَنْ لَا يَرَى فِي دِينِهِ تَعَبَا

تَخَالُهُمْ مِنْ ثَبَاتِ الأرض جَلْمَدَةً ** بَلْ رَاسِيَاتٍ تَهُدُّ المَارِقَ العَرِبَا

فَاصْبِرْ فَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ خَالِقِنَا ** يُعِيدُ حَقًّا لِمَنْ عَانَى وَمَنْ غُلِبَا

​لقد تحوَّلت فلسطين، ولا سيَّما غزَّة، إلى ساحةٍ مفتوحةٍ للمجازرِ والحصارِ والتجويعِ والتدمير، حتى باتت صورُ الأطفال تحتَ الأنقاض، والأُمهات الثكالى، والمستشفياتِ المدمّـرة، مشاهدَ يوميَّةً تهزُّ ضميرَ كُـلّ حرٍّ في العالم.

عشراتُ الآلاف من القتلى والجرحى والمعاقين، وملايينُ المشردين الذين حُرموا من أبسطِ حقوقِ الحياة، في ظلِّ حصارٍ خانقٍ يخالفُ كُـلّ القوانينِ والمواثيقِ الدوليَّةِ.

وما يزيدُ المأساةَ فداحةً أنَّ الاحتلال الصهيونيَّ لم يكتفِ بقتلِ الأبرياء وتدميرِ البيوت، بل استمرَّ في تدنيسِ المقدَّسات، وعلى رأسِها المسجد الأقصى، الذي يتعرَّضُ لاقتحاماتٍ متكرّرةٍ ومحاولاتِ تهويدٍ ممنهجة، في انتهاك صارخٍ لكلِّ القوانينِ الدوليَّةِ والإنسانيَّةِ.

​يفوزُ بالعِزِّ والإحسان مَن نَهَضا ** للهِ يحملُ سيفَ الحقِّ محتسبا

لا يبتغي غيرَ وجهِ اللهِ منزلةً ** ولا يُريدُ منَ الدُّنيا بها رُتَبا

قد أيقنَ الأمرَ حقًّا لا التواءَ بهِ ** وأنَّ شرعَ الهدى يؤازر النجبا

وأنَّ خيرَ الورى الهادي محمّدَ قد ** أرسى منَ العدلِ نهجًا يَصدَعُ الحُجُبا

وأمرَ الأُمَّــة الغرّاءَ أن تقفَ الـ ** وقفةَ العُظمى إذَا باغٍ بنا غضبا

كمنْ بغى في فلسطينَ الجريحةِ؛ إذ ** أضحى يريقُ دمَ الأطفال مُغتصبا

كم هدَّ دُورًا وكم أفنى منازلَها ** وكمْ أثارَ منَ الآلامِ والكُرُبا

حتى غدتْ ألسنُ التاريخِ شاهدةً ** بأنَّهُ جاوزَ الطغيانَ والحقَبا

فأطلق الظلمَ في الآفاقِ منتفشًا ** كأنَّهُ لم يخفْ يومًا ولا حِسَبا

وينفثُ الزورَ والتضليلَ في صلفٍ ** ويزرعُ الإفكَ في الأذهان مُنتشبا

والناسُ بينَ مُضلٍّ قد أطاعَ هوىً ** وبينَ حرٍّ رأى في الحقِّ ما وجبا

لكنَّ أنصار دينِ اللهِ قد نهضوا ** كالسيلِ لمّا رأى الطوفانَ مُقتربا

قومٌ إذَا ذُكرَ الإقدامُ كدتَ ترى ** في حَــدّ عزمِهِمُ التاريخَ قد كُتِبا

هيهاتَ يَذهبُ المعروفُ مُندثرًا ** أَو يتركُ اللهُ سعيَ المخلصينَ هَبى

​فالنصرُ بإذن الله قادم، والتلويحُ بالحرب باستخدام القوة العسكرية ضد إيران لن يجديَ الصهيونيةَ نفعًا، وإنما سيصيب أُسُسَ الديمقراطية الأمريكية ليرمي بها في مقتل، وسيكون عاقبة أمرهم خسرًا {لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}.

{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}

 

* عضو رابطة علماء اليمن


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر