عبدالله علي هاشم الذارحي
لا تُقاس الشخصيات السياسية بمدة وجودها في الحياة، وإنما بحجم الأثر الذي تتركه في حاضر الأمة ومستقبلها؛ فهناك قادة يتحول رحيلهم إلى محطة فاصلة تعيد رسم موازين القوى وتمنح مشاريعهم زخماً جديداً.
ومن هذا المنطلق، جاءت تصريحات عضو المجلس السياسي الأعلى محمد صالح النعيمي لتقدم قراءة تتجاوز الحدث، مؤكداً أن استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي لم يكن نهاية لمسيرة، بل بداية لمرحلة أكثر تماسكاً وصلابة في الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة.
لقد كان الإمام الشهيد قائداً استثنائياً نجح في قيادة إيران خلال أكثر المراحل تعقيداً، وترسيخ معادلات استقلال القرار الوطني ومساندة المقاومة في مواجهة المشروع الصهيوأمريكي.
وقد جاء المشهد الإيراني معاكساً لرهانات الأعداء الذين ظنوا أن اغتيال القادة سيحدث فراغاً سياسياً؛ إذ أثبتت الحشود المليونية في مراسم التشييع والاصطفاف الشعبي أن الشعوب التي تؤمن بقضيتها لا تهزمها الاغتيالات، بل تتحول دماء قادتها إلى وقود لتعزيز الوحدة الوطنية وتجديد العهد؛ انسجاماً مع مقولة الشهيد القائد بأن الطغاة يراهنون على قتل الرجال ويعجزون عن قتل المبادئ؛ فالمشروع القائم على العقيدة والوعي يزداد حضوراً واتساعاً برحيل قائده.
وتكشف المتغيرات الدولية تراجع الهيمنة الأمريكية ومحدودية نفوذ سياسة العقوبات والحصار، في مقابل مواجهة كيان العدو الصهيوني لمرحلة غير مسبوقة من الاستنزاف العسكري والاقتصادي بفضل صمود الشعب الفلسطيني وتصاعد قدرات قوى المقاومة في أكثر من ساحة.
وفي الشأن اليمني، حملت تصريحات النعيمي رسائل بالغة الأهمية، تجسدت خطوتها العملية في كسر الحصار عبر وصول الطائرة الإيرانية إلى مطار صنعاء، بما يؤكد أن إرادة الشعوب قادرة على فرض وقائع جديدة مهما بلغت الضغوط.
إن ملف الحقوق اليمنية لا يزال يحظى بالأولوية القصوى، وصنعاء وإن كانت تمنح الفرصة للمسار الدبلوماسي لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، إلا أنها لن تتخلى عن حقها المشروع في انتزاع حقوق الشعب اليمني بالقوة إذا تعثرت الجهود السياسية، وهو موقف يجمع بين الحكمة والجاهزية العالية؛ تنفيذاً لمبدأ أن الحقوق لا تُمنح بل تُنتزع بالإرادة والثبات.
إن المنطقة تشهد مخاضاً لتحولات استراتيجية كبرى تتراجع فيها مشاريع الهيمنة تدريجياً لصالح الشعوب الرافضة للوصاية، لتؤكد معركة الكرامة أن النظام الإقليمي الجديد تصنعه السواعد التي تؤمن بالله وتتحرك بشعار يد تحمي ويد تبني.





.jpg)

