سند الصيادي
مثّل إغلاقُ مطار صنعاء الدولي والحصار على الموانئ ونهب الموارد السيادية، حكمَ إعدام مؤجل يُنفذ بحق ملايين اليمنيين يوميًا، وسور عازل يطبق على رقاب السكان، يحرمهم حقهم الإنساني في التواصل مع العالم، ويقطع أوصال العائلات، ويحول السفر إلى حلم بعيد المنال.
الضحايا الأكثرُ هشاشةً يقفون في الصفوف الأمامية لهذه المأساة: مرضى السرطان والفشل الكلوي يتوسدون الموت على أعتاب مطار مغلق، طلاب الابتعاث الذين تحطمت أحلامهم، وعائلات مزقتها الجغرافيا والحدود، وشيوخ عاجزون عن الحركة، حتى المنظمات الإنسانية ذاتها باتت مقيدة الأيدي، عاجزة عن إيصال كوادرها وإغاثتها.
اختنقت المنافذُ الجوية، فمات معها شريان الدواء، الأدوية المنقذة للحياة والمستلزمات الطبية التي تعجزُ المنافذُ البرية والوعرة عن نقلها باتت حبيسةَ المستودعات خارج البلاد، والنتيجة: قطاعُ صحي يلفُظُ أنفاسَه، ومعدلات وفاة ترتفعُ بصمت بعيدًا عن ضجيج الإعلام.
ونتيجةَ إغلاق المطار بَرَزَ عَبْءُ الرحلات القسرية البرية الملغومة بالمخاطر، حيث يُدفع بالمواطنين إلى قطع مئات الكيلومترات عبر طرق مميتة للوصول إلى مطارات بديلة، تحت رحمة الاستغلال والحوادث ونقاط التفتيش، في رحلة تثقل كاهل الأسرة ماديًّا ونفسيًّا بما لا طاقة لإنسان على احتماله.
أما حصارُ موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى، فهو حصار للحياة ذاتها، هي رئة اليمن التي يستنشق من خلالها غذائه ودوائه ووقوده، وبتقييد السفن ومنع البضائع، تحوّلت لقمة العيش إلى سلعة نادرة، وانفجرت أسعار المواد الأساسية، على أنقاض جياع يكافحون للبقاء.
الوقودُ الذي كان يشغل مولداتِ المستشفيات ومضخات مياه الشرب أصبح شحيحًا، فصمتت أجهزةٌ طبيةٌ حيويةٌ فوق صدور مرضى، وأُظلمت غُرَفُ العمليات، وجفّت الحنفيات، وسائل النقل والإسعاف توقفت عن الحركة، تاركة ملايين الأطفال والمرضى وكبار السن يواجهون مصيرهم وحدهم.
اقتصاديًّا، تعطَّلت المصانع، وأُغلقت المخابز، وماتت المزارع، فقد مئات الآلاف مصادر أرزاقهم، وانهارت قدرة الدولة على تقديم أبسط الخدمات، لتغرق أُسَرٌ بأكملها في مستنقع الفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي.
وإذا كان الحصار قد منع الدواء والغذاء، فإن قطع رواتب الموظفين قد سلب القدرة على شرائها، ودفع بملايين الأسر من حافة الكفاف إلى هاوية الجوع.
عجز عن توفير السكن أو التعليم، وتأمين رغيف الخبز معركة يومية، ديون خانقة، أطفال يُسحبون من مدارسهم إلى سوق العمل، أُسَرٌ تبيع أثاثها وكرامتها لتعيشَ يومًا آخر.
المؤسَّسات العامة، من مستشفيات ومدارس، أصيبت في الصميم، العاملون الذين يستمرون في أداء واجبهم دون أجر فيما أسرهم تنامُ جائعة، تداعت الخدمات الأساسية، وتوقفت قطاعات الصحة والتعليم والنظافة، وتضاعف بؤس المناطق النائية التي كانت تعاني أصلًا من التهميش.
نفسيًّا واجتماعيًّا، زرع هذا الواقعُ المريرُ شعورًا بالغضب الشعبي المطلق نتيجة انسداد الأفق، تحول فقدان الدخل والقدرة على السفر إلى قنابل موقوتة تنفجر في جدران البيوت، ضغوطًا أسرية ونزاعات، وموجات نزوح وهجرة يائسة، وأيضًا شعور ساحق بفقدان الكرامة الإنسانية.
منظومةُ حصار شامل وممنهج يتحمل كُلّ آثاره وتداعياته النظام السعودي المجرم، بين القتل والتدمير وإغلاق المطار الوحيد وخنق الموانئ وتجفيف رواتب الموظفين، حصار يقيّد حركة الناس، ويمنع وصول الغذاء والدواء والوقود، ثم يسلب القدرةَ المالية على الصمود، سياسة متكاملة تقتل ببطء، وتفتت نسيج المجتمع، وتدفع 30 مليون إنسان نحو هاوية الانهيار.
بعد كل هذا العذاب الممنهج، وبعد سنوات من استنفاد كل جهود السلام، نقولُها صريحةً مدويةً: لقيادتنا الحَقُّ الكاملُ في اتخاذ ما تراه من إجراءات تنهي هذا الحصار عن شعبنا العظيم، وليس من حق أحد في هذه الدنيا، لا نظام آل سعود ولا غيره، أن يشرعن حالةَ حصار ظالم تُجوّع وتمرض وتذل ثلاثين مليون إنسان.
آن الأوانُ ليكسر هذا الحصار، بقوةٍ تحمي الكرامة بعد أن أُغلقت الأبواب، ويدٍ امتدت للسلام لم يستجَب لها.

.jpg)





.png)