مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

شاهر أحمد عمير
لم يعد الصراعُ بين أمريكا والجمهورية الإسلامية الإيرانية حدثًا سياسيًّا عابرًا أَو مواجهة عسكرية محدودة، فقد بات يعكس صراعًا أعمقَ يتصل بطبيعة الهيمنة ومنطق القوة في النظام الدولي.

فالعدوان الأمريكي–الإسرائيلي الأخير كشف خلال فترة زمنية قصيرة حجم التحولات الجارية في موازين القوة، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الدور الأمريكي في المنطقة، وحدود قدرة واشنطن على فرض إرادتها بالقوة كما اعتادت خلال العقود الماضية.

منذ اللحظات الأولى للتصعيد، اتّسم الخطاب الأمريكي بنبرة تهديد عالية، عكست عقلية تقوم على استعراض القوة والضغط النفسي أكثر من اعتمادها على قراءة واقعية لمآلات الصراع.

غير أن هذا الخطاب سَرعانَ ما اصطدم بواقع ميداني وسياسي أكثر تعقيدًا؛ ما أَدَّى إلى تراجع مفاجئ تُرجم بإعلان وقف إطلاق النار، وتراجع الشروط الأمريكية في مشهد كشف التناقض بين سقف التهديدات والنتائج الفعلية.

هذا النمط من السلوك ليس جديدًا في سياق الصراعات التي يكون كَيان الاحتلال الصهيوني طرفًا فيها، حَيثُ يعتمد على منطق الغدر ونقض العهود كلما تغيّرت موازين القوة.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه السمة في قوله تعالى: ﴿ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ ۚ بَلْ أكثرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾.

اللافت في هذه الجولة أن ارتداداتها لم تقتصر على الإقليم، فقد امتدت إلى الداخل الأمريكي نفسه؛ إذ عكست نقاشات سياسية ودستورية حادة حجم القلق داخل مؤسّسات القرار من الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة النتائج.

هذا الانقسام كشف أن قرار التصعيد لم يكن محل إجماع، وأن كلفته السياسية باتت مرتفعة داخليًّا.

في المقابل، أظهرت إيران قدرة واضحة على إدارة المواجهة ضمن معادلة مدروسة.

فقد اعتمدت سياسة الردع المحسوب، واستهدفت المصالح الأمريكية دون الانجرار إلى فوضى شاملة، ما وضع واشنطن أمام كلفة مرتفعة يصعب التحكم بها.

هذا النهج يعكس فهمًا لسنن الصراع، حَيثُ لا يكون الحسم بتفوق السلاح فقط، بل بحسن إدارة المواجهة، كما في قوله تعالى:

﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾.

ومن أبرز عناصر القوة أوراق الضغط الإقليمية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي شكّل عامل توازن دقيق.

فقد جرى التعاطي معه ضمن سقف محسوب أبقى الأسواق العالمية في حالة ترقب، وأرسل رسائل بأن أمن الطاقة مرتبط بسلوك القوى الكبرى.

وفي السياق نفسه، يبرز البعد الإيماني بوصفه عنصرًا أَسَاسيًّا في الصمود والثبات، وهو ما تؤكّـده التجارب التاريخية، ويعبّر عنه قوله تعالى:

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾.

فالثبات لا ينبع فقط من الإمْكَانات المادية، بل من وضوح القضية واليقين بعدالتها.

سياسيًّا، فشلت أمريكا في تحويل تفوقها العسكري إلى مكاسب استراتيجية.

فلم تُفرض الشروط ولم تُكسر الإرادَة، بل خرجت إيران وقد ثبّتت معادلات ردع جديدة، مؤكّـدة أن أي استهداف سيقابل بكلفة حقيقية.

أما على المستوى الأوسع، فقد أعادت هذه الجولة طرح سؤال جوهري حول مستقبل الهيمنة الأمريكية.

فالتصعيد الأخير أظهر أن هذه الهيمنة لم تعد مطلقة، وأن القرارات الأحادية تواجه تحديات متزايدة في ظل صعود قوى قادرة على الصمود وإدارة الصراع.

وفي ظل التحولات المتسارعة، تبرز أهميّة استعادة مفهوم التضامن داخل العالم الإسلامي بوصفه إطارا يمكن أن يسهم في تخفيف الاستقطاب وتعزيز الاستقرار، عبر علاقات تقوم على احترام السيادة والمصالح المتبادلة.

لم تكن هذه المواجهة مُجَـرّد جولة عسكرية، بل محطة كاشفة لحدود القوة الأمريكية، ولقدرة إيران على تحويل الضغط إلى فرصة سياسية واستراتيجية، لتؤكّـد أن الثبات حين يستند إلى وعي وإيمان وإدارة حكيمة قادر على كسر الغطرسة الأمريكية مهما بلغ حجمها.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر