حسين بن محمد المهدي
بين نور العقل وظلمات الغفلة يؤمن الموحدون بقول الحق سبحانه وتعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
لقد وهب اللهُ الإنسانَ عقلًا ليهتديَ به في دياجير الحياة، وجعله الميزانَ الذي توزن به الأمور، فما ضلَّ قومٌ إلا حين عطّلوا عقولَهم واتبعوا أهواءَهم.
ومن أعظم البصائر أن يميّز المرء بين من أحيا الله قلبه بنور الإيمان والحكمة، ومن تركه في غياهب الغرور والقسوة يتخبط.
وإن مما يستوقف المتأمل في واقعنا المعاصر، ذلك التناقض الصارخ بين منطق القوة المادية الغاشمة ومنطق الإيمان الواعي؛ الأول يقوده طغاة عُمْيُ البصائر، والثاني يقوده مؤمنون أنار الله بصائرهم.
و"نور العقل" متاح لكل مسلم، والغفلة التي يعيشها البعض هي نتيجة الانبهار بالقوة الصهيونية، فندعو الجميع إلى "الثقة بالله" كمدخل لوحدة الصف.
إن صراع "النور" و"الظلمة" ينتهي دائمًا بتبدد الظلام، وإن ما نراه اليوم من غطرسة هو "رقصة الموت" الأخيرة لنظام عالمي يفقد بصيرته وأخلاقه.
القوة المهزومة: قسوة القلوب وخِذلان العقل
مَن يُعمْلْ عقله يُبصِرْ، ومن يُهملْه يُخذَلْ.
وقد أخبرنا القرآن عن أقوام كانوا يأمرون الناس بالبر وينسَون أنفسهم، فقال جل شأنه: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أنفسكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.
وكأننا نرى اليوم في سياسات الصهيونية بقيادة ترامب ونتنياهو صورةً طبق الأصل عن تلك النماذج التي حكاها القرآن، حَيثُ يُمارَس القتل والعدوان ثم تُرفَع شعارات السلام المزعومة.
إنهم بإمعانهم في الحرب على الجمهورية الإسلامية في إيران، وبعد أن صبّوا حِمَمَ الموت على الفلسطينيين لعشرات الآلاف من الشيوخ والنساء والأطفال، يجسّدون قوله تعالى عن أهل النار: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَو نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أصحاب السَّعِيرِ}.
إن القسوة التي أبداها ترامب وفريقُ تفاوُضِه ليست دليل قوة، بل هي أمارة خِذلان وعمى بصيرة.
فقَسَاوةُ القلب تُعمِي عن رؤية الحق، وتجعل صاحبها كالحجارة أَو أشد قسوة.
وفي الحديث النبوي: "ألا أخبركم بأهل النار؟ كُـلّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مستكبر".
فالتجبر والغلظة شؤم على صاحبها، ومآلُها إلى الخُسران كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أرسلنَا إلى أمم مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
القوة المنتصرة: عزة الإيمان وبصيرة العقل
في مقابل هذا المشهد المظلم، يقف أبناء الجمهورية الإسلامية في إيران ومحور المقاومة موقفَ العزيز بالله، المتوكل عليه وحدَه.
إنهم يدركون أن ما يجري في غزة وبيروت والعراق وصنعاء وطهران ليس مُجَـرّد معركة عسكرية عابرة، إنه موقف مصيري عنوانه قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ} وقوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ}.
فقد عاد وفدُ الجمهورية الإسلامية من مفاوضات باكستان رافعًا هامتَه، حاملًا مشروعَ أُمَّـة عظيمة لا يرضى بالضيم.
وَلسان حالهم يردّد:
عَزِيزٌ إذَا مَا شِئْتُ كُنْتُ لِصَاحِبِي
سَحَابًا تَمُدُّ الْمَكْرُمَاتِ غَوَادِيَا
وَلَكِنَّنِي إِنْ سِيْمَ خَسْفٌ بِمَنْزِلِي
جَعَلْتُ فِجَاجَ الأرض دُونِيَ مَرَاقِيَا
إنهم يعلمون أن نَقْضَ العهود والغدر من شيم الضعفاء والمخذولين، وقد قال رب العزة: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ}.
وإن القوة التي يمتلكها هذا المحور ليست مادية فحسب، إنها قوة معنوية جبارة أَسَاسها الإيمان الصادق بأن النصر من عند الله.
هذه القوة هي التي تجعل الأُمَّــة تثبُتُ في وجه الأعاصير، كما قال تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}.
وَحدة الصف سبيل النصر
إن ما يؤكَّـدُ للمسلمين كافة أن وَحدةَ الصف والاعتماد على الله بقوة الإيمان والانضباط تحت راية واحدة هي التي يتحقّق بها النصر.
وإن تجاوز الخلافات بين أبناء الأُمَّــة الإسلامية هو صمام الأمان من تشتت القوى.
لقد أثبتت الجمهورية الإسلامية وحلفاؤها في ميدان الجهاد أنهم أصحاب القرار الرشيد، وأن الخيار العسكري بإذن الله هو السبيل لعزة المؤمنين بعد أن جرّبوا طاولاتِ الدبلوماسية فلم تزِدْهم إلا غدرًا.
وقد أوضح قائدُ المسيرة القرآنية أن الخيارات مع شطب الجهاد في سبيل الله لا تحق حقًّا ولا تبطل باطلًا وهي كذلك.
وها هو لسانُ الحال ينطق بفخر المؤمن المتوكل:
فَلَسْتُ بِمَنْ يَرْجُو الْوِصَالَ تَذَلُّلًا
وَلَسْتُ لِمَنْ خَانَ الْعُهُودَ بِرَاعِيَا
نَعِيشُ كِرَامًا وَالْيَقِينُ شِعَارُنَا
وَأَمْضِي إلى الرَّحْمَنِ أُحَيِّي جِهَادِيَا
إن ثباتَ وفد الجمهورية الإسلامية في إيران على المبادئ في تلك المفاوضات كان ردًّا عمليًّا على "قسوة" وغطرسة الطرف الآخر، ممَّا حوَّل العملَ الدبلوماسي إلى "جهاد سياسي" لا يقلُّ أهميّةً عن الميدان.
{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
* عضو رابطة علماء اليمن







