عبد القوي السباعي
مرةً أخرى يعود البحر الأحمر إلى صدارة المشهد العالمي، كساحةٍ تجلّت فيها هزيمة الرهانات القديمة والحديثة وسقطت معها أوهام الهيمنة الصهيونية الأمريكية الغربية.
وباتت السعودية تقف في خضم هذه المتغيرات، متخبِّطةً في محاولات بائسة لانتزاع شرعية دولية ترقِّعُ بها منظومتَها السلطوية المتهالكة، وتستجدي بها غطاءً يحمي نفطها الذي بات يتلظّى تحت المرمى المباشر للنيران اليمنية الحارقة.
لكن الأدهى من ذلك بالنسبة لسادة الشيكات المفتوحة لم يكن وصول الصواريخ إلى عمق أراضيهم فحسب، وإنّما ذلك الصفيع السياسي والنفور الدولي والإقليمي المهين من دعواتهم لتشكيل تحالفات جديدة؛ حيث اكتشف الجميع أن الأموالَ والمغريات الخليجية لم تعد كافيةً لشراء الانتحار في مياه البحر الأحمر وعلى عتبات باب المندب.
تتجلَّى خيبةُ بن سلمان بوضوح في ذلك الاستعراض الهزيل الأسبوع الماضي، حين توهَّمَ أن بإمكانه جمع 50 دولةً في الرياض لتوقِّعَ على وثيقة تحالف جديدة تحت قيادته "الرشيدة"، كما يحبُّ إعلامُ المرتزقة الترويجَ له.
غير أن الاستكبارَ السعودي المترهِّــل المعتمد على انتفاخ أرصدة البنوك يُصدم بشرر الواقع؛ إذ تبدِّدُ هذا التحالفَ الموعودُ وتلاشى في الهواء قبل أن يجفَّ حبرُ الدعوات، ومات من قبل أن يولد.
ولم يتبقَّ للرياض في هذا المهرجان الفارغ سوى بقايا ميليشيات مفككة ومتناحرة تقتتل في أزقة اليمن والسودان وسوريا، مع كومة من الاستعراضات الشكلية من جزر غارقةٍ في المالديف؛ في مشهدٍ ساخر يختصر القيمةَ الفتية لما يُسمى القيادةَ السعودية الشابة.
الانتشاء الأمريكي كان قد بلغ أوجَهُ عقبَ لقاءٍ خادع جمع خالد بن سلمان بقادة واشنطن، حيث روجت إدارة ترامب بثقة لجمع 50 دولة تحت اللواء السعودي، على أمل إعادة سيناريو مارس 2015م، حين توهم النظام السعودي أنه قادر على حشد مرتزقة الأرض بماله النفطي.
لكن السؤال الذي يصفعُ هؤلاء المراهقين اليوم: ما الذي تغيّر؟ لقد تغيّر كل شيء! وسقطت الأسطورةُ الأمريكية والهالة النفطية أمام إرادة سيادية لا تُشترى بالدولار، ووعي فولاذي راسخ، وأدرك العالم أن الأمس ليس كاليوم، وأن من كان يظن نفسه ممسكًا بالمنطقة ليس سوى خادم لأوهامه.
السببُ الحقيقي الذي جعل تلك الدول تطيرُ فرارًا من لقاء الرياض، أو تتلكأ بنفاق متمرس، يكمُنُ في المعادلة الحديدية التي فرضتها القوات المسلحة اليمنية بكل اقتدار؛ معادلةٌ أثبتت أن أية سفينة أو تحرك يخدم العدو لم ولن يكون بمأمن في أية نقطة بالمنطقة.
التاريخ القريب يشهد كيف ذاقت أمريكا وبريطانيا، ومعهما كيان العدو الإسرائيلي، طعم الجحيم اليمني في باب المندب والبحر الأحمر، وتلقتا دروسًا قاسية جعلتهما يجران أذيال الخيبة ويتفاديان المواجهة المباشرة.
وحين رأت الدول الأوروبية سادتها الكبار يتجرعون الهزيمة والبأس اليمني، كان طبيعيًّا أن تهرب بأقل الخسائر رافضة المغامرة بأمنها البحري من أجل نفط بني سعود.
لقد توهمت السعودية يومًا أن براميل النفط كفيلة بإنشائها كقوة إقليمية تجبر الجميع على الركوع، غير أن الواقع الجديد أثبت أنها مجرد كرت محترق، وأن نفطها الذي يسيح بين مضيق هرمز وباب المندب لن يشتري لها أمانًا ولا كرامة.
نعم.. انقلب السحر على الساحر، وغدا اليمن الذي ظنوا أنه بلا حيلة؛ هو الرقم الأصعب، واللاعب المتمكِّن والقادر على قلب المعادلة رأسًا على عقب، ورسم خطوط المياه بمداد من عزيمته ونصرٍ يماني حتمي لا مفر منه.







.jpg)