متابعات../
سجلت التطورات الميدانية الأخيرة في الساحل الغربي لليمن نقطة تحول استراتيجية غير مسبوقة، تمثلت في السقوط الدراماتيكي للمليشيا الموالية للعدو السعودي أمام تقدم القوات المسلحة اليمنية، وهو ما أحدث حالة من الصدمة والقلق البالغ داخل الأوساط العسكرية والاستخباراتية الصهيونية.
لم تعد قراءة المشهد من منظار إسرائيلي تقتصر على كونها مواجهات إقليمية أو داخل الجغرافيا اليمنية، وإنّما أضحت تطورًا خطيرًا يهدد بإعادة رسم معادلة الأمن البحري في البحر الأحمر، ونقل الإعلام العبري مخاوف مشتركة للكيان والسعودية، مؤكّدًا أن انتهاء نفوذ الرياض باليمن هو تهديدٌ مباشر لأمن (إسرائيل)، وتغيير قواعد اللعبة في واحد من أهم الممرات المائية حول العالم.
وعكست الصحافة الصهيونية، اليوم الخميس، وفي مقدمتها صحيفتا "يديعوت أحرونوت" و"معاريف"، حساسية الموقف عبر تقارير مطولة أظهرت تقاطع المصالح والمخاوف بين كيان العدو الإسرائيلي والنظام السعودي بصورةٍ غير مسبوقة.
وأطرت هذه التقارير الأحداث بوصفها تهديدًا يضع النظامين في كفةٍ واحدة وكأنهما كيان واحد؛ إذ أن إضعاف نفوذ السعودية وسيطرتها في اليمن ينعكس مباشرةً كتهديدٍ حقيقي لأمن (إسرائيل)، وتتجسد المخاوف الاستراتيجية الأبرز في اقتراب قوات صنعاء من جزيرة "ميون" الواقعة في قلب مضيق باب المندب، وسيطرتها على مناطق ساحلية وجزر قريبة، ما يعزز سطوتها البحرية ويفرض واقعًا يشبه سيناريو "مضيق هرمز"، لكنه أكثر رعبًا للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، كون "الحوثيين" يربطون عملياتهم ومواجهاتهم بشكّلٍ مباشر بهدف الوصول إلى (إسرائيل)، وفقًا للصحافة العبرية.
ميدانيّاً، تتسارع خطوط التحرك بنمط هجومي متصاعد، حيث أوردت "القناة 12 العبرية" ووسائل إعلام أخرى نجاح "الحوثيين في السيطرة على مدينة المخا الساحلية والميناء الاستراتيجي"، ولم تتوقف القوات عند هذا الحد، بل واصلت التمدد جنوبًا على طول ساحل البحر الأحمر لتسيطر على قرى "واهية" و"كودام" و"جبل"، إضافة إلى السيطرة على مناطق مرتفعة استراتيجية تضم قاعدة "الحوبمري" ومنطقة إقلاع مطار "زوبير".
وأشارت وسائل الإعلام الصهيونية إلى أن سطوة القوات المسلحة اليمنية "صنعاء" امتدت شرقًا وجنوب غرب مدينة تعز ليدخلوا مدينة "الضباب"، مع السيطرة على بلدتي "الحسيب" و"المزاك"، واستمرار المعارك المحتدة في منطقة "دار كشمية"، وهذا التمدد الجغرافي -بحسب وسائل الإعلام العبرية- يمنح صنعاء قدرة عالية على الإشراف الناري والميداني، ويمهد لفرض قيود صارمة على حركة الملاحة وناقلات النفط العابرة للمضيق، ما يعيد للواجهة سيناريو "الحصار البحري" المحتمل.
على الصعيد العسكري والميداني الموازي، انعكست هذه التحولات فورًا على جاهزية أجهزة كيان العدو الصهيوني وتحركاته الدفاعية؛ حيث أنهى جيش الاحتلال مناورة عسكرية واسعة في منطقة أم الرشراش "إيلات" ووادي عربة بمشاركة الفرقة 80 وسلاح الجو والقوات البحرية.
وقالت القناة 12 الصهيونية: إن هذه المناورة "صُمّمت للتعامل مع سيناريوهات معقدة استلهمت دروس هجوم الـ 7 من أكتوبر، وافترضت هجومًا متعدّدًا الجبهات يتضمن تسلل عشرات المقاتلين "الحوثيين" ومئات العناصر من ميليشيات موالية لإيران عبر البحر والبر والجو إلى إيلات باستخدام دراجات مائية وقوارب سريعة، وهجمات برية من اتجاه الحدود المصرية والأردنية، إلى جانب التدرب على التعامل مع عمليات خطف، إطلاق قذائف، اقتحام قواعد عسكرية ومنشآت مدنية وشواطئ، وأحداث متعددة الإصابات".
توازياً مع ذلك، تحركت الأبعاد الإقليمية والدولية لاحتواء أزمة الساحل؛ إذ أفادت شبكة "مفزاكي راعام" بأن "باكستان تدرس إمكانية الانضمام إلى عملية عسكرية لمهاجمة قوات صنعاء بناءً على طلب سعودي"، فيما عبر الصحفي "روعي كايس" عن أسفه من "تفعيل صفارات الإنذار في أبها وخميس مشيط جنوب غرب السعودية إثر هجمات حوثية متزامنة".
بدورها، سلّطت القناةُ الـ 14 الصهيونية الأضواء على ما وصفته بالتقدم "المثير للقلق" الذي حقّقه اليمنيون عقب سيطرتِهم على مدينة المخاء الساحلية، معتبرةً أن هذه الخطوة تقرّبهم أكثر من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.
وأوضح مراسل القناة "عُمري حاييم" أن "السيطرةَ على المخاء تأتي ضمن تحرك أوسعَ للحوثيين على امتداد الساحل الغربي لليمن"، مشيرًا إلى أن أهمية التطور لا تقتصر على أبعاده في الصراع اليمني الداخلي، فستمتد إلى الموقع الجغرافي للمدينة وقُربها من المضيق الحيوي.
وبحسب القناة؛ فإن اقتراب قوات صنعاء من باب المندب قد يفتحُ الباب أمام تداعيات تتجاوز حدود اليمن وتمس حركة الملاحة الإسرائيلية.
وأشار "حاييم" إلى أن اليمنيين يمتلكون أصلًا قدرات نارية تمكّنهم من تهديد حركة الملاحة في باب المندب، لافتًا إلى سيطرتهم على الحديدة شمالًا، بالتزامن مع توسع نفوذهم في مناطق تقع جنوبًا بالقرب من المضيق.
كما تطرقت القناة إلى تقارير تتحدَّثُ عن سيطرة اليمنيين على عدد من الجزر الواقعة في جنوب البحر الأحمر، معتبرةً أن وجودهم في هذه المواقع، إلى جانب سيطرتهم على مناطق ساحلية متقدمة، يعزز مخاوفَ كيان الاحتلال من تنامي قدرتهم على التأثير في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية على المستوى العالمي.
ويعكس تناول القناة الصهيونية لهذه التطورات حجمَ الأهمية التي يوليها كيان العدو لتمدد نفوذ صنعاء على الساحل الغربي، في ظل ارتباط باب المندب بحركة السفن وناقلات النفط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.







