عبد القوي السباعي
الأحداث الإرهابية التخريبية الأخيرة التي حاولت استهداف قلب جمهورية إيران الإسلامية، لم تكن مجرد محاولة لزعزعة الاستقرار الداخلي العابر باسم المطالب الحقوقية، وإنّما كانت اختبارًا نهائيًّا لإرادة القوة في زمن التحولات الكبرى، وأثبتت طهران بوضوحٍ لا لبس فيه أنّ زمن الغزو من الداخل قد ووري الثرى.
إحباط هذا المخطط المركب والكبير تحت الرؤية الثاقبة لقائد الثورة الإسلامية في إيران السيد علي الخامنئي، كان نصرًا أمنيًّا وتحطيمًا استراتيجيًا لسمعة التكنولوجيا والذكاء الاستخباراتي الأمريكي الصهيوني الذي عملت واشنطن وكل قوى الهيمنة عليه لسنواتٍ طويلة، والذي وقف عاجزًا أمام يقظة الجبهة الداخلية وتلاحم الشعب مع قيادته.
في هذه المواجهة تجلى إخفاقٌ أمريكي مدوٍّ أربك حسابات البيت الأبيض، وجعل من ترامب أسير غضبه المعهود وغطرسته الزائفة المدفوعة صهيونيًّا؛ ممّا يدفعه اليوم نحو سلوكيات انتقامية متخبطة تعكس حجم الانكسار، ومنها التصريحات المتشنجة والحديث عن وصول حاملات الطائرات التي كان يهدد بها العالم إلى المنطقة، في وقتٍ يصفه الأمريكيين أنفسهم أنّ ترامب يقود مغامرة محسومة نتائجها، إذ يزج بجنود وعتاد بلادهم إلى المحرقة الحتمية.
هُنا يجب أنّ يدرك العالم، والمخدوعون بأوهام التدخل الأمريكي، أنّ ترامب الذي وعد العملاء والمخربين بالدعم ثم تركهم لمصيرهم الأسود ليس إلا تاجرًا للأزمات، يتخلى عن أدواته فور انكشافها أو انتهاء صلاحيتها، وهو سلوك متأصل في شخصيته التقلبية التي باتت تشكّل خطرًا داهمًا حتى على مصالح واشنطن نفسها ومصداقيتها الدولية المتهالكة.
نحن اليوم أمام واقع جديد، حيث تقف إيران قائدًا وجيشًا وشعبًا، في مسار النصر، وتوجيه بوصلة ما بعد العدوان والمؤامرة نحو ترسيخ استقرار مجتمعي صلب وتوسيع معادلات الردع لتشمل حماية السيادة في أدق تفاصيلها، وأثبت الشعب الإيراني في الـ 15 من يناير وما تلاه، أنّ الرهان على فصل القاعدة الشعبية عن نظامها هو رهان انتحاري؛ فالوعي التراكمي لدى الإيرانيين حوّل التهديد إلى فرصة لتمتين الجبهة الداخلية.
لكن.. ومع استمرار قرع طبول الحرب وتلوّيح ترامب بضربات انتقامية، تبرز الجهوزية العسكرية الإيرانية المستندة إلى دروس "حرب الأيام الـ 12" كحائط صد منيع يبدد أيّ قلق، حيث انتقلت طهران من الدفاع إلى إعلان الرد المضاعف كقاعدة اشتباك ثابتة ومقدسة.
هذا التحول في موازين القوى، يتزامن مع تصدّع تاريخي في المحور الغربي والإقليمي، كقضية "غرينلاند" والإضافات الجمركية وغيرها؛ إذ بدأت الخلافات تنهش جسد التحالفات التي أنهكتها سياسات ترامب الرعناء، ليصبح زوال الظلم والطغيان ليس مجرد نبوءة قرآنية فقط، وإنّما حتمية سياسية وميدانية يسطرها الإيمان العميق والصمود الواعي.
ورغم أنّ احتمالات التصعيد الأمريكي الصهيوني الغربي تظل قائمة، لكنها في قاموس الجهاد والمقاومة ليست إلا بوابة لترسيخ الهزيمة النهائية لقوى الكفر والنفاق والاستكبار، وتأكيدًا على أنّ فجر العدالة والسيادة والتحرر المطلق قد بزغ ولن تستطيع أيّة قوة على الأرض إطفاء نوره، لأنّ الله مُتم نوره ولو كره الكافرون.

.jpg)




.png)
