عبدالله علي هاشم الذارحي
كلما ظن العالم أن آلة القتل الصهيوأمريكية قد بلغت أقصى درجات إجرامها، يأتي تصعيد جديد ليؤكد أن الاحتلال لا يرى في العهود والمواثيق والقرارات الدولية سوى أوراق يمكن تجاوزها متى تعارضت مع أهدافه.
وما يجري في غزة لم يعد مجرد جولة عسكرية عابرة، وإنما هو مشهد متواصل يكشف طبيعة المشروع الصهيوأمريكي الإجرامي الاحتلالي، الذي يقوم على القوة والإخضاع وفرض الأمر الواقع في المنطقة.
عن هذا قال السيد القائد: "الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين بكله قام على أساس الاغتصاب والظلم والقتل والإجرام والنهب من يومه الأول"، وقال: "منذ الاحتلال لفلسطين وإلى اليوم والكيان الصهيوني يسعى إلى التوسع والسيطرة على المزيد من البلدان في أمتنا الإسلامية".
لقد أثبتت القضية الفلسطينية أن المشكلة ليست في غياب الاتفاقات والمواثيق، وإنما في غياب الإرادة الدولية القادرة على إلزام الاحتلال بها، فكم من هدنة أُعلنت، وكم من تفاهم جرى التوصل إليه، ثم ما تلبث أن تعود آلة الحرب الصهيونية إلى القصف والقتل والحصار، وكأن حياة الفلسطينيين ليست سوى تفصيل يمكن التضحية به في سبيل أهداف الاحتلال.
ومن هنا؛ فإن الحديث عن نقض اليهود للعهود صار سلوكًا سياسيًا وعسكريًا لكيان العدو الصهيوني المحتل، والتاريخ يعيد نفسه؛ فكما نقض اليهود العهود والمواثيق التي عقدوها مع رسول -صلى الله عليه وآله وسلم- قال تعالى ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ صدق الله العظيم.
وبالتالي؛ فإن استمرار الجرائم في غزة لا يفضح الاحتلال وحده، إنما يضع المنظومة الدولية أمام اختبار أخلاقي وسياسي غير مسبوق؛ وحين تُستهدف الأحياء والمنشآت المدنية، ويُحاصر السكان، ويُمنع عنهم ما يحتاجون إليه من مقومات الحياة؛ فإن الصمت لا يعود حيادًا، وإنما يتحول عمليًا إلى غطاء لاستمرار جرائم الكيان اللقيط بدعم أمريكي.
والأخطر من الجريمة نفسها هو محاولة إعادة صياغة صورتها إعلاميًا؛ فكيان الاحتلال يسعى دائمًا إلى تقديم نفسه باعتباره الطرف الذي يدافع عن نفسه، بينما يريد للضحية الفلسطينية أن تبقى بلا صوت ولا حق ولا إغاثة ولا حتى إدانة لجرائم الاستباحة لكل شيء، ولم يقدم شيء للفلسطينيين منذ نشأته الى اليوم سوى القتل والدمار والحصار.
لهذا قال قائد الثورة: "ما لدى الأمريكي، ما لدى الإسرائيلي، ما لدى اليهود، ما لدى الصهيونية هو الإفساد في الأرض والضلال الباطل"، ولا شك أن غزة أسقطت كثيرًا من الأقنعة، وأظهرت للعالم أن القضية الفلسطينية قضية شعب يواجه احتلالًا يسعى إلى إخضاعه وتهجيره ومحو إرادته بالقوة.
إن تصعيد العدوان على غزة، مهما بلغت شدته، لا يستطيع إلغاء حقيقة الصراع؛ فالقوة العسكرية قد تدمر البيوت، لكنها لا تستطيع تدمير ذاكرة شعب، ولا اقتلاع حق، ولا صناعة شرعية بالقصف، وكل جريمة جديدة تترك في الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي والإنساني دليلًا إضافيًا على أن كيان الاحتلال لا يستطيع الاستمرار بالقوة وحدها ونقض العهود إلى ما لا نهاية.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست على الأرض وحدها، لكنها أيضًا معركة دين ووجود ووعي وإرادة وصمود وثبات ومواجهة والمعركة مستمرة حتى النصر، ومن يراهن على نقض العهود، وعلى أن كثرة الدماء ستجعل الفلسطينيين ينسون أرضهم، وأن الحصار سيجعلهم يتخلون عن حقوقهم، أو أن الصمت الدولي سيحوّل الاحتلال إلى أمر طبيعي، إنما يراهن على المستحيل.
لقد أثبتت غزة أن الشعوب قد تُحاصر، لكنها لا تُحاصر إرادتها، وقد تُدمّر منازلها، لكن لا يمكن بسهولة تدمير هويتها وذاكرتها وحقها في الوجود والتحرر والحرية والعزة والكرامة، وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: كلما بالغ الاحتلال في استخدام القوة، ازداد انكشاف حقيقته أمام العالم، وكلما حاول الاحتماء بالمواثيق ثم نقضها عندما لا تخدم أهدافه، ازدادت الأسئلة حول عدم شرعيته، وعلى عدم مصداقية داعميه.
عن هذا قال سيد القول والفعل، إن النظرة الصهيونية لمن يتجهون بالولاء لهم هي بالازدراء، بالاستخفاف، لأنهم مجرد أدوات يستغلها الأعداء حتى يستغنوا عنها ومن ثم يتم القضاء عليها، وإن غزة اليوم لا تواجه الاحتلال وحده، إنما تواجه أيضًا منظومة من المعايير المزدوجة، ومع ذلك؛ فإن صوتها بقي حاضرًا، ودماء شهدائها تحولت إلى شاهد تاريخي على مرحلة لن يكون من السهل محوها من ذاكرة احرار الأمة والعالم.
مما سبق وغيره نجد التاريخ يعلمنا أن قوى الاحتلال مهما طال عمرها لا تستطيع إلى الأبد إخضاع الشعوب التي تتمسك بأرضها وحقها وكرامتها.
وستبقى غزة، رغم الجراح، شاهدة على أن إرادة الشعوب أقوى من كل محاولات الإخضاع، وأن الجرائم لا تصنع سلامًا، ونقض العهود لا يصنع شرعية، والاحتلال الباطل لا يتحول إلى حق مهما طال الزمن او قصر.






.jpg)
