عبد القوي السباعي
قرية "الشرية" إحدى قرى مديرية بني حشيش بمحافظة صنعاء، تحتضنها الجبال يسرةً ويمنه، وتمتد على وادٍ هادئ إلا من ضجيج الحياة البسيطة، وضحكات الأطفال، وأهازيج المزارعين، وفي ساعة تجلٍّ قبيل هدوء الظهيرة، حيث تجتمع العائلات تحت سقوف منازلها العتيقة لتقاسم رغيف الخبز والاستعداد لتناول وجبة الغداء بعد يومٍ شاق في العمل وسط الحقول.
غير أن هذا الهدوء التليد استحال في لحظات إلى كابوسٍ مرعب، بعدما صبت طائرات الحقد والعدوان السعودي حممها فوق أكثر من ستة منازل مأهولة، لتدمرها بالكامل على رؤوس ساكنيها، وتحول الأمان الإنساني إلى أشلاء متناثرة وركام ودمار.
في أزقة القرية المنكوبة، تصاعد الغبار ممتزجًا برائحة الموت والدم؛ فهؤلاء هم حصيلة تلك اللحظات القاسية، شهداء وجرحى، جلّهم من الأطفال الذين لم تكتمل ألعابهم بعد، والنساء اللاتي كنّ يلملمن أشتات بيوتهن، تحضيرًا لوجبة الغداء.
شاهدنا أحد الناجين يحدث وعيناه تغرقان بالدموع وهو ينقب بين الأحجار بمقابض يديه الخاليتين إلا من الإيمان: "لم نسمع سوى انشطار الأرض من تحتنا.. خرجنا لنجد منزل أخي قد تساوى بالتراب.. أطفالٌ كانوا قبل دقائق يركضون في الفناء، انتشلناهم اليوم قطعًا مفحمة.. أي ذنب اقترفته هذه الأسر وتلك العائلة حتى تُدفن حية تحت سقوفها؟".
وهُنا أب يودع طفلته التي لم تكمل ربيعها الثالث، ويقبلها بحرارةٍ لم يشأ ثغره أن يفارق وجنتيها، وبصوتٍ امتزج بحزن الوداع وبغضب الانتقام والتوعد بالثأر، يقول: "بعيني يا سعودي لا راحت لك.. لو نأكل تراب الأرض.. ما نفرّط في دماهم وكلنا للجبهات".
لم تكن الفاجعة لتتوقف عند التفجير الأول؛ وإنما امتدت القسوة لتطال الإنسانية في أسمى صورها، حين عاود الطيران السعودي استهداف الفرق الإغاثية والإسعافية والمتطوعين الذين هرعوا من القرى المجاورة لإنقاذ العالقين تحت الأنقاض، في تشابه لا نظير له إلا في كيان العدو الإسرائيلي وكيان العدو السعودي.
وفي مشهد يُدمي القلوب، تعمدت الغارات قصف الطرق المؤدية إلى موقع الجريمة، لمنع وصول سيارات الإسعاف، ومعاودة القصف على كل من حاول الاقتراب لرفع الحجارة عن الضحايا، وفي غمرة هذا الجحيم، تعرض مصورا قناة "المسيرة" لإصابات بالغة أثناء محاولتهما نقل الحقيقة وتوثيق الكارثة للعالم، ليصبح شهود الحقيقة جزءًا من قوائم الضحايا، والذي ما لبث المصور "عباس" أن لملم جراحه ونهض؛ فالواجب أكبر من جراحه النازفة.
شاهد العالم هذه القرية المنكوبة ولحظات الرعب والموت ومحاولات إخراج الأطفال المحتجزين تحت الركام، لكن القصف عاد مجدّدًا ليحصد من جاء لإسعافهم، المتطوعون سقطوا بجانب الضحايا، وأصبح المكان ساحةً للموت المتكرر، ولم يتركوا لهم حتى فرصة توديع أحبتهم أو تضميد جراحهم.
ليخرج من بين الدخان المتداخل بغبار الركام، فتى يمني يصرخ بكل عنفوان وغضب: "كيف لقلوبٍ تشاهد كل هذا الظلم ولا تتحرك.. والله لن نترك العدو السعودي المجرم ولا من يقف معه"، عبارات اختصرت كل معاني الضيم، وكل أبجديات الوعيد بالثأر من طفلٍ يمني؛ فما بالك باليافعين.
اليوم، تقف قرية "الشرية" وشواهد بيوتها المهدمة شاهدةً على فاجعة إنسانية تتجاوز كل الأوصاف، صرخات الثكالى ونشيج الآباء المفجوعين بأبنائهم تتردد بين الجبال الشاهقة، وسط حسرة عميقة تملأ القلوب وصمت دولي يضاعف مرارة الألم، وكأن الدماء اليمنية النازفة ليست رقمًا لدى الأمم المتحدة وهيئاتها الزائفة.
جرائم مرعبة تُضاف إلى سجلات الجرائم التي انتهجها العدو السعودي على مدى 12 عامًا، وتُضاف أيضًا إلى سجلات الضحايا، كونها قصص حياة بُترت، وأحلام أطفال قُطفت قبل أن تزهر، ونساء غُدر بهن في خدورهن الآمنة، لتظل مجزرة "الشرية" في بني حشيش جرحًا غائرًا في ذاكرة الإنسانية، ونداءً صارخًا يبحث عن عدالةٍ تائهة تحت ركام المنازل المحطمة.

.jpg)

.png)
.png)
.jpg)

