حيَّاكم الله يا شعب الإيمان، وأحفاد الأنصار، وطوبى لكم وهنيئاً بهذا الإحياء العظيم لهذه المناسبة المباركة.
نفسي لكم الفداء يا شعب الوفاء.
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين، وَرَحمَة اللهِ لِلعَالَمِين، أَرسَلَه اللهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَق، بَشِيراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذنِه وَسِرَاجاً مُنِيراً، فَبَلَّغَ رِسَالاتِ الله، وَأَرسَى دَعَائِمَ الحَقِّ وَالعَدلِ، صَابِراً ثَابِتاً مُحتَسِباً حَتَّى أَتَاهُ اليَقِين.
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[الأحزاب : 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات في كلِّ ساحات الاحتفال: السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
ومباركٌ لكم ولكل شعبنا العزيز، ولكلِّ أمَّتنا الإسلامية، بحلول هذه المناسبة المجيدة، والذكرى المباركة العزيزة: ذكرى مولد خاتم النبيين، وسيِّد المرسلين، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم "صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ".
إنَّ شعبنا العزيز، يمن الإيمان والحكمة والجهاد، لهو في صدارة الشعوب الإسلامية، في إحيائه لهذه المناسبة المباركة:
- تعظيمًا لشعائر الله.
- وفرحًا بفضل الله.
- وتوقيرًا لرسول الله "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِه".
- وترسيخًا للانتماء الإيماني، والهوية الإيمانية.
- وتذكيرًا بسيرة رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم".
- واستلهامًا للدروس منها في مقام التأسي والاقتداء.
- وتعزيزًا للارتباط الإيماني برسول الله، من موقعه في الهداية والقيادة، والقدوة والأسوة، كما قال الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب:21].
- وفي إطار نهضة شعبنا العزيز الإيمانية التحررية، وحركته على أساس القرآن الكريم، وسعيه للتَّوجه نحو بناء النموذج الحضاري الإسلامي، وفق تعليمات الله تعالى، ورسالته المباركة.
وقد تبوَّأت هذه المناسبة المباركة المنزلة العليا، والمكانة الأسمى بين كلِّ المناسبات، في إحياء شعبنا العزيز لها بالفعاليات والأنشطة التثقيفية والخيرية، وإظهار الابتهاج والسرور؛ اعترافًا لله تعالى بعظيم منَّته وفضله، وجعل شعبنا العزيز منها موسمًا سنويًا، يسعى فيه للارتقاء الإيماني والأخلاقي، ولاكتساب المزيد من الوعي والبصيرة، ويزداد بذلك عزمًا وثباتًا في مواصلة السير في طريق الحق، ومواجهة التَّحديات والمخاطر.
كما أنَّ الحضور الشعبي في هذه المناسبة المباركة، في يمن الإيمان، لا مثيل له في كلِّ أنحاء الأرض قاطبة، وهو:
- من مصاديق الحديث النبوي الشريف: ((الْإِيْمَانُ يَمَان، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّة)).
- ومن تجليات التقوى، كما في الآية الكريمة: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}[الحج:32].
- ومن مظاهر الفرح بفضل الله وبرحمته، كما قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}[يونس:58].
إنَّ هذه المناسبة المباركة، وهي مرتبطةٌ برسول الله، وخاتم أنبيائه "صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، تذكِّرنا به، وبالرسالة الإلهية، لهي عظيمة الشأن، وهي مناسبةٌ عظيمة العطاء، فيما يستفاد منها، ومن نورها وبركاتها التي أودعها الله فيها، في مرحلةٍ نحن- كأُمَّةٍ مسلمة- أحوج ما نكون إلى إعادة التقييم لواقعنا، والسعي لترسيخ صلتنا الإيمانية الواعية بالرسالة الإلهية منهجًا لحياتنا في كلِّ المجالات، وبالرسول "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم" قدوةً، وقائدًا، وهاديًا، وأسوةً لنا، وأن نسعى للخلاص من كلِّ أشكال التَّبعية لقوى الشر الظلامية المضلِّة المفسدة في الأرض، والمنحرفة عن رسالة الله تعالى، والتي يقودها اليهود، وتحمل رايتها في عصرنا وزماننا: الحركة الصهيونية، وأتباعها في الغرب الكافر، بأهدافهم الشيطانية، وهجمتهم الوحشية الإجرامية، التي يستهدفون بها أمَّتنا الإسلامية، ويسعون للسيطرة على شعوبنا، واستعبادها، وإذلالها، واحتلال أوطانها، ونهب ثرواتها.
إنَّ قوى الطاغوت الظلامية الظالمة المجرمة، وعلى رأسها: أمريكا وإسرائيل، باتت في هذه المرحلة مكشوفةً ومفضوحةً لشعوب أمَّتنا الإسلامية، ولشعوب العالم أجمع، فيما هي عليه من طغيانٍ وإجرام، وظلمٍ ووحشيةٍ، وانسلاخٍ عن القيم والأخلاق الفطرية، وبأنها الامتداد الظلامي للمنحرفين عن رسالة الله تعالى إلى موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، وعيسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، والمحاربين لامتدادها الأصيل، المتمثل بالدين الإسلامي الحنيف، وخاتم النبيين: محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، وكتاب الله المجيد: القرآن الكريم.
إننا في هذه المناسبة المباركة، نذكِّر أنفسنا وأمَّتنا بعظيم نعمة الله علينا، برسوله ورسالته وكتابه، ودينه الحق: الإسلام العظيم، النعمة التي أنقذنا بها من ظلمات الجاهلية، ورجسها، ومفاسدها، وضلالها، والنعمة التي جعلت من الأميين البدائيين، الضائعين في المتاهات، أمةً عظيمة، تتحرك برسالة الله تعالى، وتحمل أقدس هدف، وأعظم راية، بقيادة خاتم الأنبياء والمرسلين: محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، ونقلتهم من حالة الجهل والبدائية، إلى معارف القرآن الكريم: كتاب الله المجيد، ونوره وهديه العظيم، وإلى التَّزكِّي بمكارم الأخلاق، والارتقاء الإيماني، كما قال الله "تَبَارك وَتَعَالَى": {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}[الجمعة:2-4].
ما قبل بعثة الرسول الخاتم محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، كانت ظلمات الجاهلية قد أطبقت على المجتمعات البشرية؛ نتيجةً لانحراف الناس عن رسالة الله تعالى، وتحريفهم لتعاليمها ومعارفها، ففي الفترة الممتدة ما بعد نبي الله عيسى بن مريم "عَلَيْهِ السَّلَام"، إلى ما قبل مولد خاتم الأنبياء محمد "صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، كان أهل الكتاب (اليهود والنصارى)، قد تعاظم مع الزمن انحرافهم عن رسالة الله تعالى، ومخالفتهم لتعاليم الله، وتحريفهم لكتب الله، وتحوَّلوا إلى ضالين مضلِّين، ومفسدين ظالمين، واندمجوا مع الطاغوت، وكانت النماذج المستقيمة حالةً نادرةً فيهم، ومنعزلةً عن موقع التأثير، وكان غيرهم من المجتمعات الوثنية في ضلالٍ مبين، كما هي حالة العرب آنذاك.
وفي تلك الوضعية، تفاقم الشر، وعظم الطغيان، وانتشر الفساد، وعمَّ الظلم، وتناقص الخير، وتضاءلت القيم الفطرية، وأصبح الواقع البشري مأساويًا وكارثيًا، وكان المجتمع البشري أحوج ما يكون إلى منقذٍ ربَّاني، يعيد للإنسانية اعتبارها، ويضيء للبشرية دربها بنور الله تعالى، ويهديها إلى الصراط المستقيم.
وكان من أعظم الإرهاصات لمولد رسول الله محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، الحادثة العجيبة: هلاك أصحاب الفيل، الجيش الموالي للروم، والذي كان يريد غزو مكَّة، وهدم الكعبة المشرَّفة، والحيلولة دون قدوم الخلاص، حينما كانت العلامات والمؤشرات والبشارات تدل على اقتراب موعد الرسول الخاتم، واقتراب موعد الفرج والخلاص للبشرية، اتَّجه جيش أبرهة بقوَّته وإمكاناته، التي أخافت العرب وأرهبتهم، فلم يجرؤوا على التصدي له، بالرغم من مكانة الكعبة المشرَّفة في أنفسهم، وحينما اقترب من مكَّة، أرسل الله الطير الأبابيل عليهم، كما قال تعالى: {تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}[الفيل:4-5].
في ذلك العام، المعروف بـ (عام الفيل)، في شهر ربيعٍ الأول منه، وُلِدَ خاتم النبيين، وسيِّد المرسلين، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، من نسل نبي الله إسماعيل بن إبراهيم "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا".
وتحققت دعوة نبي الله إبراهيم "عَلَيْهِ السَّلَام"، وابنه إسماعيل، التي تضمَّنت البشارة بقدوم هذا المولود المبارك، في حقبةٍ من الزمان المتأخر، كما في قول الله "تَبَارك وَتَعَالَى"، وهو يذكر دعاءهما وهما يبنيان الكعبة المشرَّفة: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[البقرة:129].
كما تحققت بشارة نبي الله موسى، ونبيه عيسى "عَلَيْهِمَا السَّلَام" به، وقد كان من البشارات العظيمة، التي وردت في كتاب الله (التوراة)، وبشَّر بها نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، تلك البشارة، التي تضمَّنت المواصفات المهمة، البارزة، للنبي محمدٍ "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، ولأتباعه الحقيقيين الصادقين، كما أخبر الله عن ذلك في القرآن الكريم، قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ}[الفتح:29].
إنَّ هذه البشارة، التي ذكرها الله في التوراة، وبشَّر بها نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَام"، تبيِّن المنهج الحقيقي لامتداد المسيرة الرسالية الإلهية، وتقدِّم المعالم الواضحة، والمواصفات الدقيقة، التي تشخِّص الاتِّجاه الصحيح، والامتداد الأصيل لرسالة الله ورسله وأنبيائه.
{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ}[الفتح:29]، اصطفاه الله، واختاره، وأعده لأقدس وأعظم وأشرف مهمةٍ ومسؤولية، وأرسله رحمةً للعالمين، {بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}- كما قال في القرآن الكريم- {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا}[الفتح:28]، فهو امتدادٌ لرحمة الله تعالى، وعزَّته، وحكمته، وملكه.
وكما جعل الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لختام النبوَّة والرسالة أكمل وأعظم رسله وأنبيائه، جعل ختام كتبه، ومحتوى رسالته، القرآن الكريم، أعظم كتب الله:
- وهو كما قال عنه: {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ}[المائدة:48].
- وهو في منزلته العالية كما قال عنه: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}[الواقعة:75-79].
- وهو في سعة معارفه كما قال عنه: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ}[لقمان:27].
- إنَّه الحق الخالص الذي قال عنه: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[فصلت:42].
- وهو المعجزة الخالدة، التي قال عنها: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء:88].
- إنَّه النور الذي أنزله الله إلى عبده ورسوله محمد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، لإخراج الناس به من الظلمات، كما قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}[إبراهيم:1].
- وتحرَّك به رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ" مبلِّغًا، وهاديًا، ومبشِّرًا، ونذيرًا، تحرَّك به مجاهدًا، {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا}[الأحزاب:46].
- وحفظه الله للأجيال إلى قيام الساعة، كما قال "تَبَارك وَتَعَالَى": {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر:9].
{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ}[الفتح:29]، ولأنه رسول الله؛ فهو القدوة والأسوة، وهو في موضع الهداية والقيادة، وهو حُجَّةٌ لله على عباده، {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[النساء:80].
{وَالَّذِينَ مَعَهُ}[الفتح:29]، بكل ما تعنيه الكلمة:
- {مَعَهُ}: متَّبعين له.
- {مَعَهُ}: متمسِّكين برسالة الله.
- {مَعَهُ}: مهتدين بكتاب الله.
- {مَعَهُ}: في مسيرته ومنهجه وموقفه.
- و{مَعَهُ}: في المواصفات المذكورة في بشارة الله به وبهم.
- {مَعَهُ}: لا تعني مجرَّد الانتماء العام، بل الانتماء الصادق، القائم على الاتِّباع والولاء والموقف.
{أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ}[الفتح:29]، الكفار هم أعداء الرسالة الإلهية، الصَّادون عنها، والمعارضون لها، وهم الطاغوت المستكبر، الذي يسعى لاستعباد الناس من دون الله، وهم أولياء الشيطان، يعملون على إغواء وإفساد الناس؛ ليتمكَّنوا بذلك من السيطرة عليهم، والتحكم بهم، والاستغلال لهم، إنَّهم منبع الشر والفساد، ومنبع الإجرام والظلم، ومصدر الضلال، يسعون لتقديم بدائل عن رسالة الله وتعاليمه، وفق أهوائهم، لتحقيق أهدافهم الشيطانية، وهم يمارسون الجبروت بكل شدَّةٍ وقسوة، ويسحقون الشعوب المستضعفة بكل شدَّة، ويرتكبون أبشع الجرائم، دون أي اعتبارٍ ولا اكتراثٍ للضمير الإنساني، إنَّ الشدَّة سِمَةٌ أساسيةٌ في سلوكهم الإجرامي والظالم، وفي طغيانهم وجبروتهم، وهم على الدوام في موقع العدوان والطغيان، بمثل ما عَرَف العالم عن جرائم العدو الصهيوني، في عدوانه على الشعب الفلسطيني في قطاع غزَّة.
ولذلك لابدَّ من الشدَّة؛ لوضع حدٍّ لإجرامهم، وإيقاف ظلمهم، ومنعهم من محاولة فرض باطلهم على الناس، إذ لا يتهيَّأ التمسُّك بالرسالة الإلهية، والالتزام بتعاليمها، والثبات على منهجها، إلَّا بالصمود في وجههم، والتصدِّي لعدوانهم وشرِّهم، والتحرر من هيمنتهم، والامتناع من التَّبعية لهم.
إنَّ الشدَّة عليهم تتجلَّى موقفًا قويًا، ثابتًا، صريحًا، معلنًا، وتتجلى ثباتًا على الحق والرسالة الإلهية، وتمسُّكًا بها، وإباءً وصلابةً، وتتجلى جهادًا في سبيل الله، وتضحيةً وصمودًا، مهما كانت وحشية الكفار، ومستوى جبروتهم، إنَّها شدَّة المقت للفساد، والكراهية للظلم، والاشمئزاز الفطري من الطغيان، والغضب لله على أعدائه، إنَّها شدَّةٌ نابعةٌ من إيمانهم بعظمة الحق، وسوء الباطل، وآثاره الوخيمة والكارثية على الناس في حياتهم في الدنيا، وعلى مستقبلهم في الآخرة.
{رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}[الفتح:29]، وهم رحماء؛ لأن شدَّتهم ليست نزعةً إجرامية، ولا انفعالًا مزاجيًا، ولا حالةً عدوانية؛ وإنما هي شدَّةٌ بالحق وللحق، بضوابط الأخلاق والقيم، وبمقتضى الحكمة، وتحت سقف العدل.
{رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}[الفتح:29]، إنَّها الرحمة التي تجسِّد تعاليم الله في رسالته، رحمة يتجلَّى أثرها في وجدانهم ومشاعرهم، وفي إحسانهم وتعاملهم، وفي علاقاتهم واهتماماتهم، وهي عاملٌ عظيمٌ من عوامل إخائهم ووحدتهم وتعاونهم؛ وبالتالي قوَّتهم.
{تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا}[الفتح:29]، فهم خاضعون لله، وعابدون له، وسليمون من حالة التكبُّر والغرور والأنانية، يعبدون الله، ويعبِّدون أنفسهم له، ويسلِّمون لأمره، وينقادون لتعاليمه، بكل إخلاص، فهم متحررون من الأطماع الدنيئة، والأهداف الرخيصة، والأنانية الشخصية؛ لأن آمالهم ومبتغاهم من الله، {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا}[الفتح:29].
وقد ارتسمت معالم هذه الصفات في حياتهم، كما ارتسمت معالم السجود لله في وجوههم، {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ}[الفتح:29]، وهكذا هي المواصفات، وهكذا كانت مسيرة رسول الله "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم"، وأتباعه الصادقون، امتدادًا لمسيرة الرسل من قبله، وهكذا يبقى امتدادها الأصيل في الأجيال، في مقابل المستقبل الظلامي، الذي يطرأ فيه صعودٌ مؤقَّت، قائمٌ على الظلم والإفساد في الأرض، يؤول حتمًا إلى السقوط، كما ذكر الله في القرآن الكريم وفي التوراة عن بني إسرائيل: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا}[الإسراء:4-7].
إنَّ الدلائل الواضحة أنَّهم يتَّجهون نحو الانهيار، وإلى نهاية عتوهم، والتمكين لهم، إنَّه إلى نهايةٍ، وإلى زوال، وإنَّ المستقبل الحقيقي، والتمكين الإلهي، والظهور المحتوم، هو للإسلام، وللرسالة الإلهية، كما قال الله "تَبَارك وَتَعَالَى": {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}[التوبة:33].
إنَّ الأمة الإسلامية تتحمَّل مسؤوليةً عظيمة، في تفريطها بمسؤولياتها المقدَّسة، التي تحظى من خلال النهوض بها بتأييد الله ونصره، وإنَّ معاناة الشعب الفلسطيني الرهيبة من الطغيان والإجرام الصهيوني في قطاع غزَّة، وفي الضِّفَّة الغربية والقدس، وفي سائر فلسطين، والانتهاك المستمر والمتكرر لحرمة المسجد الأقصى، والمسجد الإبراهيمي في الخليل، هو من نتائج ذلك التفريط، وكذلك المخاطر التي تهدد الأمة بكلها، نتيجةً لأطماع الصهيونية، وتحرُّكها تحت عنوان: [تغيير الشرق الأوسط]، و[إقامة إسرائيل الكبرى]، والمؤامرات الأمريكية والإسرائيلية على أمَّتنا الإسلامية بشكلٍ عام، والتي أتى في إطارها العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران، والاعتداءات المستمرة على لبنان، والاستباحة المستمرة لسوريا، والاستهداف المستمر لليمن، كل ذلك يدل بشكلٍ قاطع، على أنَّ الخيار الصحيح لأمَّتنا، هو التَّحرك وفق تعاليم الله تعالى، بحمل راية الجهاد في سبيل الله تعالى، والأخذ بأسباب النصر، والتَّمَسُّك بالقرآن الكريم، كما قال الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى": {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}[المائدة:54].
وقد تجلَّت ثمرة الثَّبات على هذا الخيار الصحيح:
- في الانتصار العظيم الذي تحقق للجمهورية الإسلامية في إيران، في مواجهة العدوان الأمريكي الإسرائيلي.
- وفي ثبات محور الجهاد والمقاومة في مختلف جبهاته: في لبنان، وغزَّة، واليمن، والعراق، بالرغم من جبروت الأعداء.
- وفي نهضة شعبنا اليمني التحررية، وجهاده في سبيل الله تعالى.
وإننا في هذه المناسبة المباركة لنؤكِّد على التالي:
- أولاً: نؤكِّد على ثبات شعبنا العزيز في توجُّهه الإيماني، ونهضته التحررية الجهادية، ومسيرته القرآنية، وسعيه لتحقيق الاستقلال التام على أساسٍ من هويته الإيمانية، وانتمائه للإسلام، وأنَّه لن يقبل أبدًا بمصادرة هذا الحق، مهما كان حجم التحديات، ومستوى التضحيات.
- ثانياً: نؤكِّد ثباتنا على موقفنا المبدئي الإيماني، في نصرة الشعب الفلسطيني المظلوم، وقضيته العادلة، التي هي قضية كل الأمة، وفي الموقف من العدو الصهيوني، الذي هو عدوٌ للإسلام والمسلمين، ولن نألو جهدًا في مساندة الشعب الفلسطيني ومجاهديه، حتى يتحقق الوعد الإلهي المحتوم بسقوط الكيان الصهيوني، واستعادة المقدَّسات، وعلى رأسها: المسجد الأقصى الشريف، وتحرير فلسطين كلِّ فلسطين.
- ثالثاً: نؤكِّد على ثبات موقفنا ضد الطغيان الأمريكي والإسرائيلي الصهيوني، الذي يستهدف أمَّتنا جميعًا، تحت عنوان: [تغيير الشرق الأوسط]، و[إقامة إسرائيل الكبرى]، ويشن منذ ستة أشهر عدوانًا متواصلًا على الجمهورية الإسلامية في إيران، ونؤكِّد أننا إلى جانب الشعب الإيراني المسلم، ونظامه الإسلامي، ونواصل العمل على ترسيخ مبدأ وحدة الساحات، وتعزيز التعاون بين محور الجهاد، ومساندة المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين... وفي سائر جبهات المحور، وندعو الأمة جميعًا إلى الالتحاق بمحور الجهاد والمقاومة.
- رابعاً: نؤكِّد على حقِّ شعبنا العزيز في موقفه الحق، وقضيته العادلة، ومطالبه المشروعة، في إنهاء الحصار الظالم، والاحتلال الغاشم، الذي ينفِّذه المعتدي السعودي، بإشرافٍ أمريكي، منذ اثني عشر عامًا، ويحرم فيه شعبنا العزيز من ثروته الوطنية، ويغلق عليه المطارات، حتى على مستوى الرحلات الجوية للمرضى والمسافرين، في الوقت الذي يفتح فيه أجواء بلاد الحرمين، وأجواء مكَّة والمدينة، لليهود الصهاينة.
إنَّ إصرار النظام السعودي على مواصلة الحصار، وسعيه لتشديده، واستمراره في نهجه العدائي ضد شعبنا، وما يقوم به من تحشيدٍ عسكريٍ للتصعيد، ومساعيه المستمرة في تفكيك الشعب اليمني، لهو ظلمٌ وطغيانٌ لا مبرر له، وخدمةٌ للصهيونية واليهود، ضد شعبٍ مسلمٍ وجار، ويدل ذلك على ضرورة التحرك الجاد بكل السبل المشروعة لوضع حدٍ لذلك الطغيان والظلم، كما يدلُّ على صوابية خيار شعبنا العزيز، في اعتماده لمعادلة الحصار بالحصار، وفي الاستهداف للتحشيد العسكري، ويتحمَّل النظام السعودي المعتدي الظالم، العميل للصهيونية، الخادم لليهود، كامل المسؤولية لكل ما يترتب على ذلك.
وإنني في هذه المناسبة المباركة، أدعو شعبنا العزيز إلى الاستعانة بالله تعالى، والتوكُّل عليه، وتكثيف جهوده، حتى يستعيد حقوقه المشروعة، ويدفع عن نفسه هذا الظلم الذي تمارسه مملكة قرن الشيطان، بدون حقٍ ولا مبرر، وإنَّ الله يقول في القرآن الكريم: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}[الحج:60]، ويقول تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}[الحج:39]، صَدَقَ اللهُ العَلِيُّ العَظِيم.
إِنَّنِي في ختام هذه الكلمة، أسأل الله تعالى أن يكتب أجركم على هذا الحضور العظيم المشرِّف، في هذه المناسبة المباركة، وأن يكتب أجر كلّ الذين عملوا على إحياء هذه المناسبة، وبذلوا الجهود المشكورة في سبيل ذلك، من علماء، وثقافيين، وخطباء، وأمنيين، ومنظِّمين، وتقنيين... وكل العاملين والمساهمين في هذا الإحياء العظيم.
وَنَسْألُ اللهَ أَنْ يُبَارِكَ فِيْكُم جَمِيعًا، وَيُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهَدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَيُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَيَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
رَعَاكُمُ الله، كَتَبَ اللهُ أَجْرَكُم، فِي أَمَانِ الله وَرِعَايَةِ الله.


