مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 13 صفر 1448هـ
لا يمكن للأرقام وحدها أن تختصر مأساة شعب، لكنها أحياناً تكون الشاهد الوحيد حين يعجز العالم عن النظر في عيون الضحايا، لأن المجرم سعودي متخم بالنفط وأمريكي مهيمن على القرار الدولي.
في مؤتمر صحفي عقده "مركز عين الإنسانية للحقوق والتنمية" بصنعاء تحت شعار "عدوان وحصار مستمر"، انكشف الستار عن تقرير حقوقي بمثابة وثيقة تؤرخ تدميراً ممنهجاً طال اليمن أرضاً وإنساناً، في حرب دخلت عامها الثاني عشر دون أن تلوح في أفقها نهاية.
التقرير -وهو خلاصة رصدٍ وتوثيقٍ دؤوب- يعرض الأرقام ويحيلها إلى حكايا ملايين البشر الذين فقدوا أحبابهم وأرزاقهم وصحتهم وأحلامهم، ليرسم صورة مكتملة لبلد تعرض لأبشع عدوان في العصر الحديث.
-
الاقتصاد: شريان حياة قُطع عمداً
لا تقتصر الحرب على صوت المدافع والغارات الجوية؛ فهناك حرب أخرى أخطر تُشن بصمت، تستهدف أنفاس الاقتصاد كي تزهق أرواح الناس بعيداً عن ضجيج المعارك. يوثق التقرير كيف تحول العدوان والحصار إلى أداة تدمير ممنهج للبنية الاقتصادية اليمنية برمتها، من المصانع والمنشآت التجارية إلى الموانئ والمطارات وشبكات النقل والطاقة والاتصالات، وحتى الموارد النفطية والغازية التي كانت ذات يوم أملاً لنهضة البلاد.
الأرقام في هذا الجانب صادمة في ضخامتها، لكن الأخطر أنها تمثل أرزاقاً جُففت وبيوتاً أُظلمت وأطفالاً جاعوا. تكبد قطاع الثروة الزراعية والحيوانية (العمود الفقري لمعيشة ملايين الأسر الريفية) خسائر جراء العدوان السعودي الأمريكي تجاوزت (111.2) مليار دولار، في وقت خسر فيه قطاع الثروة السمكية (ملاذ سكان السواحل) أكثر من (12.6) مليار دولار. أما قطاع النقل الذي يربط شرايين البلاد فقد بلغت خسائره (13.6 ) مليار دولار، فيما تكبد قطاع الكهرباء (عصب الحياة اليومية والمستشفيات والمدارس) خسائر فادحة بلغت( 23.7 ) مليار دولار. ولم يسلم قطاع الاتصالات الذي تجاوزت خسائره (6.7) مليارات دولار حتى عام 2022، ما زاد من عزل اليمنيين عن العالم في وقت كانوا بأمس الحاجة لمن يسمع صوتهم.
أما القطاع الصناعي والقطاع الخاص فقد تعمد العدو السعودي الأمريكي تدميرهما بشكل كامل، حيث بلغت الخسائر نحو ( 75 )مليار دولار لكل منهما، بينما خسر قطاع النفط والغاز (ثروة الأجيال القادمة) أكثر من ( 57) مليار دولار، أضف إلى ذلك خسائر مباشرة وغير مباشرة تجاوزت ( 123 ) مليار دولار وفق التقديرات الرسمية، إلى جانب عائدات النفط والغاز المنهوب التي كان يفترض أن تمول رواتب الموظفين وأدوية المرضى ودفاتر التلاميذ.
هذه الأرقام الفلكية لم تبق حبيسة الدفاتر المحاسبية، بل تسربت إلى لقمة العيش، فترجمت نفسها إلى إيرادات عامة منهارة بلغت خسائرها نحو( 8 ) تريليون ريال (ما يعادل 30 مليار دولار)، وإجمالي ناتج محلي فقد ( 59.4 ) تريليون ريال (نحو 276.5 مليار دولار). النتيجة المباشرة: فقر طال أكثر من 85% من السكان، وبطالة قفزت بين الفئات الأكثر تضرراً إلى ما يتجاوز 90%، مع توقف مئات المشاريع التنموية، وتعطل عشرات الشركات الهندسية وآلاف العاملين فيها، في مشهدٍ يلخص تحول بلد بأكمله من طموح البناء إلى دوامة البقاء، ودون سبب سوى إشباع غريزة الإجرام السعودية الأمريكية.
أما الإجراءات المالية والمصرفية، التي بدأت بنقل البنك المركزي، فقد شكلت فصلاً مؤلماً آخر من فصول الحرب الاقتصادية، إذ جمدت الاحتياطيات الأجنبية وحرمت الاقتصاد من تمويل الواردات الأساسية، وأطلقت العنان للمضاربة بالعملات الأجنبية، وأغرقت الموازنة العامة في عجزٍ معتم، بينما غرق القطاع المصرفي في أزمةٍ خانقة بفعل توقف صادرات النفط والغاز وتضاؤل التحويلات المالية والمنح الخارجية، واكتملت الصورة باتساع الفجوة في أسعار الصرف، وارتفاع الرسوم الجمركية، وطباعة كميات كبيرة من العملة دون غطاء اقتصادي، وارتفاع عمولات التحويلات المالية بين المحافظات إلى أكثر من 150%، في مؤشرٍ على أن اليمني صار غريباً في وطنه حتى وهو يتناقل ما تبقى له من مال.
-
الضحايا: حين يصبح الموت وجوهاً وأسماءً وأعماراً صغيرة
لكن الأرقام الاقتصادية -على فداحتها- تظل باهتة حين نقترب من دائرة الضحايا البشرية، حيث تتحول الإحصاءات إلى وجوهٍ لأطفالٍ كانوا يحلمون، ونساءٍ كن يربين أجيالاً، ورجالٍ كانوا يعيلون أسراً. يقدم التقرير حصيلة مفزعة: أكثر من (61 ) ألف مدني سقطوا بنيران الحقد السعودي الأمريكي، بينهم ما يزيد على ( 24,700 ) شهيد و36,200 جريح، تحملوا أوجاع الحرب في أجسادهم وأرواحهم. وفي هذه الأرقام الموحشة يبرز وجه الطفولة والأنوثة المكلوم، حيث ارتقى 4,365 طفلاً و2,653 امرأة خلال سنوات العدوان الأمريكي السعودي.
وإذا كانت هذه حصيلة الموت المباشر، فإن الموت البطيء الصامت كان أكثر توحشاً. يوثق التقرير أكثر من (1.5) مليون حالة وفاة غير مباشرة حتى مارس 2026، وهي وفيات لم تحدث تحت القصف السعودي المباشر، بل على أسرة المستشفيات الخاوية من الدواء، وفي أكواخ الجوعى الذين لا يجدون ما يسدون به رمق أطفالهم. من بين هؤلاء، يسجل التقرير نحو (835) ألف طفل ماتوا بصمت، ضحايا سوء التغذية والأمراض المزمنة وانهيار الخدمات الصحية، أطفال لم يعرفوا من الحياة إلا أنفاسها الأولى، ثم غادروها قبل أن يتعلموا النطق بأسماء الأشياء. هكذا أتقن العدو السعودي صناعة المشهد اليمني.
ثمة وجه آخر للمأساة، وجه المرضى الذين علقوا بين الموت والحياة. أكثر من 120 ألف مريض توفوا لأنهم ببساطة لم يتمكنوا من السفر للعلاج، في بلد أغلق العدو السعودي منافذه الجوية والبرية والبحرية، محولاً حاجة المرضى إلى رحلة محفوفة بالمستحيل، ولا يزال (1.2) مليون مريض ينتظرون معجزة السفر للخارج، يعدون الأيام فيما تتآكل أجسادهم، رهائن لجغرافيا الموت.
في زاوية أخرى من هذه المأساة المركبة، يتحدث التقرير عن معاناة ( 2.9 ) مليون طفل يعانون سوء التغذية، فيما توفي نحو ( 400 ) ألف طفل دون سن الخامسة بسبب سوء التغذية الحاد، أولئك الذين كان يفترض أن يمثلوا مستقبل اليمن، دفنوا في مقابر جماعية صغيرة لأن أجسادهم لم تحتمل غياب الحليب والدواء، وتمتد المعاناة لتطال ( 5.5 ) ملايين امرأة حامل ومرضع يعانين سوء التغذية، في دائرة مفرغة تلد فيها الأمهات المنهكات أطفالاً يحملون إرث الجوع منذ اللحظة الأولى. وقد سجل التقرير( 350 ) ألف حالة إجهاض وأكثر من ( 22 ) ألف حالة تشوه للأجنة. هكذا أفنى العدو السعودي الأمريكي الحرث والنسل في يمن الإيمان.
-
قطاع الصحة: انهيار حيث الحاجة ماسة
في زمن الحرب، تكون المستشفيات ملاذ الحياة الأخير، لكنها في اليمن أصبحت -بفعل الإجرام السعودي الأمريكي- جزءاً من المشهد المدمر. يكشف التقرير عن تضرر أو توقف أكثر من (1,500) مستشفى ومرفق صحي عن العمل، بما فيها مراكز غسيل الكلى وبنوك الدم التي تشكل خط الدفاع الأخير لآلاف الأرواح. اليوم، تعمل نحو 45% فقط من المرافق الصحية بالحد الأدنى من خدماتها، بينما توقف 55% منها بشكل كامل، وكأن البلاد كلها تتحول إلى غرفة إنعاش معطلة.
في هذا الواقع الكارثي، يواجه مرضى الأمراض المزمنة مصيراً مأساوياً، حيث صارت حياة أكثر من (40) ألف مريض بالثلاسيميا و5 آلاف مريض بالفشل الكلوي مهددة في كل لحظة، ليس بسبب أمراضهم، بل لأن أدويتهم مفقودة وماكينات الغسيل الكلوي صامتة. وإذا كانت هذه الأمراض تحصد الأرواح بصمت، فإن الأوبئة عادت لتجتاح اليمن كضيف الموت الثقيل، حيث سُجلت أكثر من (22.7) ألف حالة اشتباه بأمراض وبائية نتج عنها أكثر من 11 ألف حالة وفاة.
-
رحلة البحث عن لقمة العيش
يقف الأمن الغذائي في قلب المأساة الإنسانية التي صنعها تحالف العدوان الأمريكي السعودي في اليمن. يوثق التقرير الصادر عن مركز عين الإنسانية أن أكثر من 24 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، أي ما يقارب ثلاثة أرباع السكان، بينهم 13.4 مليوناً في احتياج شديد للغذاء، فيما يحتاج 20.6 مليون شخص إلى مساعدات غذائية عاجلة. في بعض المناطق، وصلت المجاعة إلى مراحل متقدمة، حيث بات الأهالي يأكلون أوراق الشجر ويقتسمون كسرة الخبز اليابسة. وفي الخلفية، تروي الحقول الزراعية المدمرة قصة موازية، فقد تضررت مئات آلاف المزارع، وانخفض إنتاج الحبوب بنسبة تقترب من 60%، بينما تراجع إنتاج البن والعسل اللذين كانا رمزاً للجودة اليمنية، في وقت تلوثت فيه مساحات زراعية شاسعة بالألغام والذخائر، لتحرم الأرض من قدرتها على الإنبات، والإنسان من حقه في الزراعة.
وينسحب مشهد الخراب على البحر، حيث توثق صفحات التقرير توقف أكثر من (4,500) قارب صيد، ما حرم أكثر من (50) ألف صياد من مصدر دخلهم الذي توارثوه أباً عن جد، بينما تلوثت البيئة البحرية وتضررت الموانئ وفقد معظم العاملين فيها وظائفهم، في مشهد يحول الصيادين من منتجين إلى محتاجين.
-
الماء والتعليم: حق الحياة وحق المعرفة تحت الحصار
في بلد تعصف به مكائد الحقد السعودي الأمريكي، يصبح الماء حلماً بعيد المنال. أكثر من ( 20.5) مليون شخص يحتاجون إلى خدمات المياه والإصحاح البيئي، مع تضرر شبكات المياه وخزاناتها، وارتفاع نسبة الاحتياج إلى ما يزيد عن 80%، ما يدفع النساء والأطفال لقطع مسافات شاقة بحثاً عن وعاء ماء ملوث في كثير من الأحيان. وقد دفع هذا الواقع المأساوي أكثر من 6 ملايين شخص إلى النزوح، تاركين خلفهم ذكرياتهم وبيوتهم وأحلامهم، ليعيشوا في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
أما في قطاع التعليم، فقد سرقت الحرب أحلام جيل بأكمله. أكثر من مليوني طفل خرجوا من المدارس، فيما توقف 4.4 ملايين طالب وطالبة عن الدراسة، حاملين معهم صمت الأمية وصخب العمل المبكر. ومنذ عام 2016، لا يزال 196,197 معلماً ومعلمة ينتظرون رواتبهم المنقطعة، في الوقت الذي تحولت فيه مئات المدارس والمنشآت الجامعية إلى ركام، وعجز النظام التعليمي عن طباعة الكتاب المدرسي، وبما يؤكد حرص السعودي الأمريكي على إعادة اليمن إلى مربع الجهل والتخلف.
-
البنية التحتية: إمعان سعودي في تدمير كل مقومات الحياة
يمكن للقارئ أن يلمح خريطة الدمار وهي تتشكل عبر أرقام التقرير، (16) مطاراً قصفها طيران العدو السعودي الأمريكي، (17) ميناءً دُمرت، أكثر من (9) آلاف طريق وجسر قطعت،( 492 ) محطة كهرباء أُطفئت، (720 ) منشأة اتصالات أُسكتت، ( 3,609 ) منشآت مياه خرجت عن الخدمة. في المشهد السكني، بلغت الوحشية مداها بتدمير أو تضرر أكثر من ( 623 ) ألف منزل، تاركة عائلات بأكملها في العراء. ولم تسلم المصانع (470 مصنعاً دُمر)، ولا المنشآت التجارية (16,798 منشأة تضررت)، ولا الأسواق (739 سوقاً باتت خاوية)، ولا حتى شاحنات الغذاء ومحطات الوقود وآلاف الحقول الزراعية ووسائل النقل، في استهداف ممنهج لكل ما له صلة بحياة المواطن اليمني.
-
الحصار: سياسة عقاب جماعي بثلاث مراحل
يرى التقرير أن الحصار الذي فرضه العدو السعودي الأمريكي على اليمن، تطور عبر ثلاث مراحل متعاقبة، بدأت كأداة ضغط عسكرية، ثم تحولت إلى وسيلة ممنهجة لاستهداف الاقتصاد والقطاع المالي والخدمات العامة، قبل أن تستقر كسياسة مستمرة تهدف إلى إدامة الضغوط الاقتصادية والإنسانية عبر تقييد المنافذ وحركة التجارة والسفر وإدخال الأدوية والمستلزمات الأساسية. بهذا التوصيف، يتحول الحصار من إجراء حرب إلى عقاب جماعي يطال المدنيين في لقمتهم ودوائهم وهوائهم، ويتعمد خنق الحياة اليومية لملايين البشر.
-
جرائم لا تسقط بالتقادم
في ختام هذا السِفر الإنساني، يؤكد "مركز عين الإنسانية" بأن الجرائم الناجمة عن الحرب والحصار جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، مطالباً بمساءلة جميع المتسببين فيها قانونياً. ويحمّل المركز المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية ودول التحالف المسؤولية عن تداعيات الحصار، داعياً وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية إلى تكثيف جهودها في توثيق الانتهاكات وإبراز آثارها الإنسانية والاقتصادية.
تبقى هذه الأرقام والشهادات وحدها شاهدة على مأساة طالت جميع فئات الشعب اليمني. ارتكب العدو السعودي الأمريكي كل هذه الجرائم دون رادع، وطوال 12 عاما لم تستطع الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن إيقاف هذه المأساة، بل عملوا على شرعنتها. ولكن في قاموس الشعب اليمني لن تبقى هذه الجرائم دون رد وعقاب ومسائلة، وها هو الشعب اليمني بدأ التحرك الفعلي والجاد لانتزاع حقوقه من يد الجلاد، وبدأ تنفيذ العمليات العسكرية ضمن مسار طويل، أولى خطواته كسر الحصار المفروض على البلد عبر فرض الحصار البحري والجوي على العدو السعودي، وتنفيذ العمليات العسكرية ضمن منشآته النفطية والحيوية. وفي ذات الوقت يرسل الشعب اليمني لكل المنظمات والهيئات الأممية أن تظل على موقفها في التزام الصمت، وإن أرادت الاستمرار في مساندة المعتدين على اليمن فهذا شأنها وسلوكها طوال تاريخها، لكن عليها أن تعي أنه لا يمكن لأحد في هذه الدنيا الحيلولةُ دون انتزاع الشعب اليمني كامل حقوقه دون نقصان.






