مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله
إصلاحية الجوف.. هكذا يتقرب المجرمون للشيطان بسفك دماء الأبرياء مع تدشين كل حرب

مـوقع دائرة الثقافة القرآنية – تقارير – 27 ربيع الأول 1448هـ
تقرير /  منصور البكالي
مع اندلاع كل حرب، يتقرب الطغاة إلى الشيطان بقرابين من دماء الأبرياء ضمن طقوسهم المعهودة؛ إذ يعتمد هؤلاء المفسدون في استراتيجياتهم العسكرية على سياسة الإبادة لإرهاب الشعوب وإيهامها بأنهم أرباب كل شيء، متجاهلين إرادة الخالق وعظمته، في غطرسة تعكس جحودهم واعتقادهم بأنهم فوق المحاسبة، غير آبهين بأن الله هو المنتقم الجبار

وبأولى مشهدياتهم الدموية، ينجحون في تصدير حربهم النفسية لمحاولة سحر أعين الناس وقذف الرعب في قلوبهم، سلبًا لروحية الجهاد والنفير والمواجهة واستشعار المسؤولية، على غرار ما صنع فرعون بأطفال بني إسرائيل عام ولادة موسى عليه السلام ومن بعد مبعثه.

وفي هذا السياق تأتي جريمة استهداف نزلاء إصلاحية الحزم بمحافظة الجوف—والتي أسفرت عن 17 شهيدًا و7 جرحى وأكثر من 30 مفقودًا تحت الأنقاض حتى اللحظة—ليدشن بها ابن سلمان حربَه العدوانية على الشعب اليمني مجددًا، متقدمًا من خلالها بقربان يظن أنه يقربه إلى الشيطان لتعزيز مشورته ومكره ضد اليمن

فهنا طفل وأمه كانا في زيارة لأحد أقاربهما في إصلاحية الحزم، أخذهم الشوق للقاء والمحبة والقربة والفقد، لزيارة طالما انتظروها وأعدوا لها عدتها من الهدايا والتحضير لمبالغ مالية واختيار الكلمات اللطيفة المخففة من ضنك السجن ومدة البقاء حتى يأتي الإفراج.

منذ الليلة الأولى، كانت ضربات قلب الطفل تزداد مع كل لحظة وثانية وساعة يتخيل أنه سيعانق فيها قريبه المسجون، فتقل ساعات نومه ويزداد حماسه وفرحه لذلك العناق الودود، فيما الأم بدورها قد أجهدت نفسها وجمعت زادها وتدينت من جيرانها لما يمكن لها تقديمه لقريبها في الإصلاحية حين تلقاه، لتخفف من همومه، وتنقل له أخبار البيت والأهل ومحاصيل وثمار الزراعة والأمطار، وتعاطف الجيران مع قضيته، وشوقهم الغامر لفترة الإفراج عنه وانقضاء مدته.

في اليوم ذاته وقبل ساعات من الجريمة الشنيعة، تخرج الأم وطفلها من المنزل بقلوب يسكنها الأمل والشوق، وأيادٍ تحمل في قبضاتها ما زان من الفاكهة والحلوى والخبز البلدي وقليل من النقود وملابس مغسلة معطرة تفوح منها طيب العلاقة وقرب الصلة.

كانت الخطوات في تسابق محموم مع قلوب بريئة لا تعرف ما يخطط له المجرم ابن سلمان، وما يمكن أن ينتظرهم في ساعات اللقاء المرتقب بكل شوق ولهفة، وما أن وصلت الأم وطفلها إلى جوار الإصلاحية حتى ارتفعت زخات الدم في الشرايين وتحضرت الأفواه للابتسامات العريضة الصادقة، وكادت الدموع أن تخرج في حدقات العين المليئة بالفرح والسعد.

تدخل الأم والطفل بوابة المبنى، وتذوب اللحظات وتتزين العبارات، وهي تقدم لشاوش الإصلاحية ورجالات الأمن اسم قريبها وجهوزيتها لزيارته، فيفتش أحد رجال الأمن ما بيدها وبيد طفلها من الأكياس البلاستيكية والعباءة بما لذ وطاب، ولسان حاله يقول: “لا حول ولا قوة إلا بالله، الله يعجل بالفرج عن نزيل هذه المرأة وطفلها”، فيرفع نظرته إليها وعيناه تعكس مستوى التعاطف والدعاء في نفسه، فتخرج منه: “الله يفرج عنه، تفضلي يا أمي”.

ترد عليه بعبارة: “أحسن الله إليكم شكراً لكم”، وهي تمسك بأكياس الهدايا من يده، فيطلب منها الانتظار في صالة الانتظار ولقاء النزلاء بجوار عنابر النزل باتجاه يدها اليمين، حتى ينادي باسمه ويبلغه بأن معه زيارة.

يأخذ الضابط المستلم ورقة عليها اسم النزيل، وينادي باسمه من ميكروفون السماعة على بوابة العنبر، وما أن نطق الاسم الأول حتى اشرأبت أعناق النزلاء وتوجهت وجوههم المبتسمة نحو زميلهم النزيل، مباركين له دورة اليوم في الزيارة، فينهض وكله فرح وشوق ومحبة، وكأنه منح فرصة للحرية المطلقة، وكاد يطير من الفرح لينسى ما كان بيده من القات وعلبة الماء المفتوحة، ويتجه نحو البوابة وهو لا يصدق إن كان هو الاسم المنادى به، فيتأكد من المنادي: “قلت فلان الفلاني؟”، فيجيب: “نعم تفضل”، فيخرج وهو ممسك بيده إلى قرب بوابة صالة انتظار الزيارات، فيفلته ليتجه بمفرده نحو المرأة التي تقرب له وابنه الذي كان في زيارته.

تقع عيون الطرفين على بعضهما وتتحضر القلوب بدقات متسارعة لعناق تخضبه دموع الفقد وطول البقاء خلف قضبان السجن، ويتبادل الحديث عن موعد الإفراج وكيف تسير القضية نحو الحل، والكل في أجواء سعيدة فوق أن نصفها.

وفي تلك اللحظات المبهجة بحنان أم كانت أو زوجة أو أخت لنزيل، وبشوق طفل لوالده ووالد لقرة عينه، كانت طائرة العدو السعودي تعد الخطوات والنبضات ودقات القلوب، وهي على موعد مع ارتكاب جريمة أمر بها ابن سلمان قاد جيشه وعسكريوه في غرفة القيادة والسيطرة.

فكانت الطائرة تمون بالصواريخ الفتاكة والقنابل المدمرة، فيما الزوار يعبون الأكياس بالفاكهة والهدايا، وشتان بين فريقين التقيا: هذا يحمل الأمل بحياة طيبة، وآخَر يحمل الموت الزعاف.

وما إن وصلت الطائرة فوق سماء الحزم حتى حددت موقع الإصلاحية وصوبت الصاروخ الذي حول لحظات اللقاء بين النزيل وزواره إلى غيبوبة دائمة، بعد أن مزقت الغارة أشلاء أجسادهم وخلطت دماءهم بدمار الجدران والسقوف والحديد والبارود والغبار، في جريمة حرب وحشية ومجزرة إبادة جماعية على موقع منشأة مدنية.

وقبل أن تغيب صورة الطائرة من أجواء الجوف وتردد سماع الضربات المتتالية على مبنى الإصلاحية، هرع الأهالي صوب المكان؛ فهذا يلتقط ذراع سجين، وآخر يخرج من بين الدمار أشلاء مقطعة وأجساداً غيبت ملامحها، فهذه جثة الطفل الزائر لوالده بدون جمجمة يلف في خرقة البطانية الزرقاء، وألسنة فرق الإنقاذ ورفع الدمار تردّد: “حسبنا الله ونعم الوكيل، إنا لله وإنا إليه راجعون، يا ابن سلمان، ما ذنب هذا الطفل ليقتل بهذه البشاعة؟ ما ذنب هؤلاء النزلاء لتستهدفهم بغاراتك؟ إنهم مواطنون مدنيون لا علاقة لهم بالمواجهة العسكرية، فلماذا تستهدفون الأبرياء؟”.

تواصل فرق الإنقاذ عملها وسط خوف من تجدد الغارات التي عادة ما كانت تستهدف المسعفين وفرق الإنقاذ بغارات العدو السعودي، الذي حاول طوال سنوات العدوان على الشعب اليمني تعميق الجريمة وزيادة الفجور والغلظة في ارتكاب المجازر وجرائم الحرب المتكررة.

انتشلت فرق الإنقاذ 14 جثة متفرقة الأشلاء وعددًا من الجرحى في اللحظات الأولى، وسط بقاء 35 مفقودًا تحت الأنقاض الإسمنتية الثقيلة التي تتطلب معدات رفع متخصصة. وفي مأساة تجردت فيها آلة الحرب من كل معيار أخلاقي، تحولت السجون من مساحات للإصلاح إلى مقابر جماعية، فيما أعلنت وزارة الصحة والبيئة ارتفاع حصيلة ضحايا استهداف طيران العدوان السعودي للإصلاحية المركزية في محافظة الجوف إلى 17 شهيداً و7 جرحى، مؤكدةً أن الحصيلة غير نهائية في ظل صعوبة الظروف واستمرار جهود انتشال الضحايا من تحت الأنقاض.

ذلك الصغير الذي أمضى أيامه يجمع مصروفه وما جاد به الأقارب ليقدمه لوالده الأسير، حصدت طائرات العدوان ما جمع وخلطت دماءه وعظامه بأشلاء أبيه تحت ركام الدمار؛ فصعدت روحه الطاهرة شاكية إلى باريها ظلم الجناة ووحشيتهم بحق الطفولة في اليمن، واستمرار استهدافهم المنهجي للمدارس، والأسواق، والمنازل، والسجون، وسائر المنشآت المدنية طيلة اثني عشر عامًا.

  • خبر الجريمة يفزع أسر النزلاء

وما إن تداولت المشاهد الأولى لجريمة الحرب البشعة، حتى هبّ أهالي النزلاء من مختلف القرى والمديريات مفزوعين لتفقد مصير ذويهم؛ وما أن بلغوا المكان حتى اصطدموا بسبعة عشر جثمانًا يعيدون نسبتها إلى أبنائهم، وسبعة جرحى يأنون ألمًا ليُنقلوا على عجل نحو المستشفيات خلفهم قلوب مكلومة.

ومن لم يجد قريبه بين الشهداء أو الجرحى وقف مترقبًا بين الأمل والرجاء بأن ينجو من تحت الأنقاض.

فهناك أم تحتضن جثمان ولدها، وهناك أخ يجمع أشلاء أخيه، وصديق يشارك في تشييع رفيقه، ليعم الحزن محافظة الجوف وعموم اليمن إثر جريمة موحشة تدشن بها مرحلة جديدة من العدوانالسعودي على اليمن.

  • من تحت الأنقاض

وتحت الركام، يتساءل العالقون في ليل الأنقاض: كيف يتنفس من بقي فيه وميض روح؟ وكيف يصل نداء خافت لا تسمعه الآذان؟ تخيل هول تلك المقبرة الجماعية المعلقة بين الحياة والموت؛ فهذا يطلب النجدة فيحجزه الردم، وذاك ينزف وحيدًا بلا منقذ، وآخر فارق الحياة متمزقًا بين شظايا البارود والحديد وفوق أجساد رفاقه الذين ما زالوا يصارعون البقاء.

تتوالى الساعات العجاف وتتجاوز الأربع وعشرين وعجز معدات الإنقاذ عن الوصول إليهم يفاقم المرارة؛ لترتفع معها ضراعة الأحياء المفقودين وتضرع أهلهم من نساء وأطفال وشيوخ، مبتهلين إلى الله أن ينجي أحبتهم، وأن ينتقم من الطغاة المستكبرين ليحيا الشعب اليمني وسائر الشعوب بسلام وأمان.

  • غياب العدالة والمتاجرة بمعاناة الشعوب

وأمام مجزرة الحزم، يقف القانون الدولي الإنساني عاجزًا وشاهدًا على انهيار قيمه أمام صفقات المصالح والمال؛ فاستهداف السجون جريمة حرب كاملة الأركان وفق أدق معايير الشرعية الدولية.

فمبدأ التمييز—بحسب المادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول—يصنف السجن أعيانًا مدنية محظورًا مسها أو قصفها، فالنزلاء أشخاص عاجزون عن القتال ولا تفقد المنشأة حمايتها إلا بتحولها لثكنة عسكرية، وهو ما ينتفي تمامًا في السجون المركزية المكتظة بالمدنيين والموقوفين.

كما تنتهك هذه الجريمة اتفاقيات جنيف، ومخالفتها صريحة للمادة الثالثة المشتركة، ولاتفاقية جنيف الرابعة وفق المادتين 83 و88 اللتين توجبان حماية المعتقلين في أماكن آمنة، فضلاً عن خرقها لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في مادته الثامنة التي تجرم تعمد توجيه الهجمات ضد الأعيان المدنية.

لكن المأساة الكبرى تكمن في السؤال المرير الذي يطرحه أهالي الضحايا: عن أي عدالة يتحدث العالم حين يصبح من يدفع أكثر ناجيًا من العقاب؟ وأي قانون إنساني هذا الذي يتشدق به العالم اليوم، بينما الهيمنة العسكرية والمالية والاستخباراتية تقود البشرية نحو محرقة كبرى؟ إن ما يحدث في اليمن منذ سنين، وما يمارسه الاحتلال في فلسطين، امتداد لتاريخ طويل من الإبادة المنهجية التي استباحت مقدرات الشعوب وسلبت إنسانيتها ومبادئها.

ومع صمت الهيئات الدولية وتواطؤ الأنظمة المرتهنة، يقف الشعب اليمني المحاصر بلا ممثل حقيقي في أروقة الأمم المتحدة، ليدرك يقيناً أن العدالة الدولية أداة بيد القوى المهيمنة على العالم، وأن لا انتصار للدم المظلوم إلا بوعي الشعوب الحية وصمودها وجهادها، في وجه الطغاة والفراعنة، وأن النصر مع الصبر والجهاد والتحرك لإنهاء هيمنة الاستكبار وتجفيف منابع الشيطان.

ومع كل جريمة ترتكب في اليمن أو فلسطين أو إيران أو لبنان أو في أي شعب من الشعوب، تعاد للذاكرة صراع أولياء الله مع الشيطان الرجيم، وكيف يزين للمجرمين والطغاة أعمالهم ليفسدوا في الأرض بعد إصلاحها.

وهنا تقف الشعوب عاجزة عن الانتصار لمظلومية بني جلدتها في أي شعب كانوا ومهما كانت معاناتهم، لأن من يدعي حماية حقوق الإنسان بات مسيطراً عليه ومشترًى من قبل المجرم ذاته، ما لم يكن مهدداً في حياته وعمله وهو ما حدث في محكمة الجنايات الدولية التي تعرضت للتهديد من قبل المجرم السفاح ترامب وشريكه نتنياهو، حين وقفت بجانب الشعب الفلسطيني في غزة، واصرت أحكام فورية بتحويل مجرمي الحرب الصهاينة للمحاكمة الدولية.

ومن بعدها تحول عمل المنظمات الإنسانية والحقوقية إلى تجارة، سبقت خاشقجي وتنعمت من وحشية الجريمة المرتكبة بحقة، ولحقت به ، وهي تستثمر في ملفات جرائم الحرب والإبادة من فلسطين إلى اليمن والسودان وسوريا والعراق … والكثير من الأقطار ، فتعرض سلعها على مناقصات المستكبرين، وليس للمواثيق غير الحبر والورق ولشعوب المزيد من الإحباط واليأس، ما لم تعُد لله وتحركت في ميادين الجهاد وأخذت بزمام المبادرة لتنقذ نفسها والناس من حولها، وتذيق الظالمين بأس العدالة إن طبقت شرائعه السماوية بعد عدم جدوائية الشرائع الوضعية.

وفي عالم كهذا، لا يستبعد ممن غرقوا في وحل منظومة الإجرام الأبستينية، وتخرجوا منها، أن يعيدوا ويكرروا جريمة إصلاحية الحزم في بقية المحافظات اليمنية، وغيرها من المناطق والشعوب.

وليس أمام من يؤمن بقداسة روح الإنسان وحرمة دمه، وقيم الكرامة الإنسانية، إلا أن ينهض في وجه الطغاة والمجرمين، ويدق ناقوس الخطر مبكراً لنحفظ للإنسانية ما بقي لها من الحقوق


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر