مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 16 ذو القعدة 1447هـ
تقرير | يحيى الشامي
في خضم التصعيد الميداني المستمر على الجبهة اللبنانية، تبرز وقائع جديدة تُعيد رسم خريطة المعادلة الأمنية في المنطقة. وعلى وقع المواجهة الأسطورية بين المقاومة والعدو تتوالى الشهادات والاعترافات الصادرة عن أوساط صهيونية رسمية وإعلامية وعسكرية، تُقِرُّ -بشكل غير مسبوق- بفاعلية عمليات حزب الله والمقاومة الإسلامية في لبنان، وبالعجز التقني والاستراتيجي للعدو "الإسرائيلي" أمام تكتيكات المقاومة المتطورة. التقرير المرصود من مواقع العدو الإعلامية وشاشاته وصحافته يرصد -بالتحليل- مجمل هذه الاعترافات في سياقها الزمني والميداني، مع التركيز على التحول النوعي الذي فرضته المقاومة عبر سلاح المسيرات الانقضاضية الموجهة بألياف الضوء، والذي بات يُوصف داخل الكيان بأنه "كابوس استراتيجي" يُهدد نظريته الأمنية برمتها.
-
العدو يعترف بالمعادلة الجديدة
تُجمع المصادر الإسرائيلية على أن المقاومة الإسلامية في لبنان نجحت في فرض معادلة ميدانية معقدة على جيش العدو، تمنع تثبيت وجود دائم له في الجنوب اللبناني، فقد أوردت صحيفة "معاريف" الصهيونية أن هذا الواقع الميداني، وما يسببه من استنزاف متواصل للقوات المحتلة، فرض نفسه كأولوية قصوى على طاولة النقاش في اجتماعات القيادة العسكرية العليا في قاعدة "رامات دافيد"، في ظل تنامي الإحباط الشديد لدى قادة الوحدات القتالية.
وفي تصريح لإذاعة "جيش" العدو، تم الاعتراف -صراحة- بأن التهديد الذي تشكله عمليات المقاومة "يشكل تحدياً يومياً للقوات الصهيونية المنتشرة في جنوب لبنان، في ظل سلسلة هجمات لا تتوقف على مدار الوقت". وهو اعتراف رسمي يأتي في سياق أوسع، حيث يُقر قادة ميدانيون، مثل قائد ما يسمى اللواء 282 مدفعية، بأن "خطر الطائرات المسيّرة يمثل تحدياً عملياتياً كبيراً نواجهه، وعلينا التفكير في كيفية تنظيم أنفسنا بشكل أفضل في مواجهته".
-
الألياف الضوئية وكسر منظومات التشويش
لم يقتصر اعتراف العدو على الجانب التكتيكي فحسب، بل امتد ليشمل الإقرار بالتفوق النوعي في المجال التقني، فقد كشفت تقارير لقناة "12" الصهيونية عن استخدام المقاومة لنوع مطور من المسيرات الانقضاضية، يتم التحكم بها عبر الألياف الضوئية من مسافة تصل إلى 15 كيلومتراً، وتحمل حمولة متفجرة تصل إلى 16 كيلوغراماً.
المحلل العسكري الصهيوني "نوعم أمير" يصف الوضع بقوله: "هناك أهداف -لأسفنا الشديد- ليست قليلة، وحزب الله يفهم هذا ويستغله... تشكل محلقات حزب الله خطراً يصيب قواتنا ولا يستطيعون أخذ الأنفاس". أما المراسل العسكري للقناة نفسها، "نير دفوري"، فيذهب إلى أبعد من ذلك في اعتراف خطير: "لا توجد هنا حلول سحرية وقدرات تحصين أو وسائل تكنولوجية يتم تطويرها لإعطاء الرد... والأخطر أن حزب الله يكتسب الثقة كل يوم، ويتجرأ أكثر".
السبب الجوهري لهذا العجز -وفقاً للأوساط التقنية في الكيان- هو أن تقنية التوجيه بالألياف الضوئية تمنح هذه المسيرات "تفوقاً مطلقاً على منظومات الرصد والتشويش"، وتتيح للموجِّه تحكماً ثابتاً ومستقراً حتى لحظة الاصطدام بالهدف. هذا التطور 'كما يعترف المراسل "نيتسان شابيرا"- يعني أن "حزب الله يدرك أنه ينجح في تحقيق الكثير من الإنجازات... ويبدو أنه لم يتم استخلاص الدروس من الحرب في أوكرانيا، واستهانوا بهذا التهديد بشكل كبير جداً".
-
استنزاف نفسي وميداني
تتجاوز الاعترافات الإسرائيلية الإطارَ العسكري البحت لتلامس الجرح النازف في الصمود الداخلي للمستوطنين في شمال فلسطين المحتلة، فوفقاً لبيانات أكاديمية من جامعة "تل حي" في كريات شمونة، نقلها مراسل القناة "12" غاي فارون، فإن "41% من شباب الجليل الأعلى ليس في نيتهم البقاء في المنطقة، و60% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و30 عاماً يبلغون عن وجود ضرر حقيقي في صمودهم النفسي، و40% يعانون من اضطرابات في النوم".
هذا التآكل في المعنويات -كما يصفه المحلل السياسي "عميت سيغل"- "سيكون له تأثير مباشر على صورة إسرائيل وعلى وضع نتنياهو السياسي... وعلى مكانتنا جميعاً". الاعتراف هنا مزدوج: فشل في توفير الأمن، وفشل في الحفاظ على "النسيج الاجتماعي" للمغتصبات، ما يضع القيادة السياسية في مرمى انتقادات لاذعة.
-
المأزق الاستراتيجي
في بُعد آخر، تتصادم الاعترافات بالعجز مع الإقرار بالقيود السياسية التي تُكبّل يد "الجيش"، فالمحلل "أوهاد حيمو" يلخص المعضلة: "إسرائيل مقيدة... والجيش الإسرائيلي بدلاً من المبادرة يقوم فقط بالرد، وهذا الأمر يجعل إسرائيل تفقد الذخر الأهم الذي كان بين يديها وهو التفوق العسكري وحرية العمل العسكري".
ووفقاً لتقارير متعددة، يأتي هذا القيد نتيجة قلق أمريكي مرتبط بالجبهة الإيرانية والهدنة معها، ويُفرَض بطلب أمريكي صريح. المراسل السياسي "يارون أبراهام" يكشف أن رئيس وزراء الكيان، نتنياهو، هو من بادر بالاتصال بترامب بعد تصاعد خسائر الجنود، لكن الرد الأمريكي كان حاسماً: "أنا لست مستعداً لأن ينكسر وقف إطلاق النار وتعيد المنطقة بأكملها إلى الصراع العنيف". وهو ما يعد اعترافاً ضمنياً بأن الكيان بات رهينة لمعادلات إقليمية ودولية، وأن حريته في العمل العسكري، التي كان يتفاخر بها، أصبحت من الماضي ومقيدة نسبياً بمعادلة وحدة الساحات، وبمعنى آخر أن الأخيرة باتت تؤتي أكلها إثر السقف المرتفع والعمل المنسق الواحد بين جبهات المحور.
-
الكيان في مرآة اعترافاته
مجمل هذه الشهادات والتصريحات، الصادرة عن مصادر "إسرائيلية" متنوعة، ترسم صورة قاتمة للعدو وهو يواجه معادلة جديدة فرضتها إرادة المقاومة. الاعتراف بفاعلية عمليات حزب الله لم يعد مقتصراً على أوساط هامشية، بل بات حديث القيادة العسكرية والإعلام الرئيسي والتحليلات الاستراتيجية.
السياق الذي وردت فيه هذه الاعترافات هو سياق أزمة مركبة: أزمة تقنية أمام سلاح نوعي، وأزمة ميدانية في مواجهة تكتيكات مرنة، وأزمة نفسية تمس صمود المغتصبين، وأزمة سياسية تربط يد "الجيش" بقرارات خارجية. كل هذه الأزمات تتغذى من مصدر واحد: قدرة المقاومة الإسلامية في لبنان على الابتكار، والصمود، وفرض إرادتها.
تُشكل هذه الاعترافات "الإسرائيلية" وثيقة تاريخية تُسجل تحولاً في موازين القوى، فحين يعترف العدو -بلسان قادته وإعلامه- بعجزه عن مواجهة سلاح المقاومة، وبتآكل صمود مجتمعه، وبفقدانه لحرية العمل، فإنه لا يقرّ بالهزيمة التكتيكية فحسب، بل يُعلن عن انهيار جزء جوهري من نظريته الأمنية التي قامت على الردع المطلق والتفوق التقني الكاسح. والمقاومة -من خلال هذه المعادلة الجديدة- تثبت أن الإرادة الحرة، مقترنةً بالابتكار الميداني، قادرةٌ على كسر شوكة أقوى الجيوش في المنطقة، وإعادة رسم الخطوط الحمراء التي تحمي السيادة والكرامة.






