د/ عبدالرحمن المختار
تردد ويتردد كثيرًا، ومنذ سنوات، وبألسنة غير سوية، مصطلح (الشرعية) كصفة لمسمى حكومة، لا يصح وصفها إلا بأنها دنيئة دونية، امتهنت الانحطاط والتبعية والعبودية، متقهقرة لعصور ما قبل الحرية، وما قبل الرسالة المحمدية، التي حلت علينا ذكرى ميلاد صاحبها العطرة الزكية، فكان شعبنا الموصوف من نبي الرحمة، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام وعلى آله، بالحكمة والإيمان، في طليعة شعوب الأمة المحمدية احتفاءً بهذه الذكرى.
ولقد اختارت تلك الفئة الموصوفة زورًا وبهتانًا بالحكومة الشرعية أن تكون مطية لقوى النفاق والكفر الإجرامية، التي تربصت ولا تزال تتربص بشعب الإيمان والحكمة، لثنيه عن غاياته النبيلة الدينية والإنسانية والوطنية.
ولا تزال قوى النفاق الأعرابية، وقوى الكفر الصهيوغربية، ومنذ أكثر من عقد من الزمان، تتنقل بين محطات مخططاتها الإجرامية، تحت عنوان دعم مسمى (الحكومة الشرعية)، وهذا العنوان المضلل، لا تخجل تلك القوى من الاستمرار في ترديده، ليس حبًا في مسمى تلك الحكومة الفندقية، بل من أجل استمرار تدخل تلك القوى في شؤون شعبنا الداخلية، أملًا منها في استعادة ما أسقطه الشعب عنها في الحادي والعشرين من سبتمبر، مما كانت تتمتع به من نفوذ وهيمنة ووصاية على كامل الجغرافيا والديموغرافيا اليمنية.
ولم تيأس تلك القوى الظلامية، ولم تتخلَّ عن مخططاتها الإجرامية، ولا تزال تعمل جاهدة لتحقيقها مستخدمة أدواتها المحلية، الموصوفة بـ(الحكومة الشرعية)، وتلك القوى لا تجد حرجًا، ولا تخجل، وهي تنعت أدواتها المحلية بـ(الشرعية)، ولا تضع اعتبارًا للتساؤلات المثارة عن سند ومصدر تلك الشرعية، إن صح أساسًا النعت بها لمن لا تشوب وطنيته شائبة، اعتمادًا من تلك القوى الإجرامية على سابق تضليلها وترويجها وتسويقها للعملاء بأنهم يتصفون بهذه الصفة.
ولا تتردد القوى الإجرامية في إسباغ صفة (الشرعية) على من ترى من أدواتها جدارته وإخلاصه في تبني مخططاتها، والعمل بكل جد على تحقيقها، فقد كان هادي يوصف بأنه (الرئيس الشرعي)، وكان يقال حينها (شرعية الرئيس هادي)، وبعد تصفيته، وتنصيب ما يسمى بـ(مجلس القيادة الرئاسي)، أصبحت الصفة المتداولة والمروج لها (الحكومة الشرعية).
وقد ساهمت عدد من العوامل، من ضمنها ضعف الدور السياسي والإعلامي المواجه لفضح ذلك الترويج والتضليل، لتلك الحكومة الموصوفة بـ(الشرعية).
وإذا ما تساءلنا هنا عن مدى صحة وسلامة وصف أخلص الحكام والحكومات لشعوبهم بصفة (الشرعية)، ناهيك عن وصف العملاء والأدوات بهذه الصفة؟
لا يصح بحال من الأحوال وصف رئيس دولة، مهما بلغ رصيده من النزاهة والاستقلالية والوطنية، بصفة (الشرعية)! ولا يصح كذلك وصف أي حكومة من الحكومات بأنها حكومة (شرعية)، مهما بلغ رصيدها من المهنية والكفاءة والنزاهة والوطنية!
قد يعتقد البعض أن في هذا الطرح نوعًا من التطرف، وقد يمثل ردة فعل على ترويج القوى الإجرامية لأدواتها وعملائها ووصف مسمى حكومتهم بـ(الشرعية)، وهنا نقول إن الأمر ليس كذلك، بل إن هذا الطرح لا يخرج قيد أنملة عن الموضوعية!
وإذا كان الأمر كذلك، فبماذا يوصف الحكام الذين وصلوا إلى سدة الحكم شعبيًا بأرقى الممارسات الديمقراطية؟ وبماذا توصف الحكومات التي جاءت إلى الحكم كذلك عبر انتخابات شعبية حرة نزيهة؟
لا يوصف الحكام ولا الحكومات بـ(الشرعية)، بل الصواب القول إن الحكام والحكومات يحوزون صفة (المشروعية) لكل ما يصدر عنهم من تصرفات تنفيذًا لما تخوله لهم مناصبهم من اختصاصات وصلاحيات، والفرق كبير جدًا بين مصطلحي (الشرعية) و(المشروعية).
فإذا كان أمرًا صائبًا وصف الحاكم بأنه صاحب مشروعية، ووصف الحكومة كذلك بأنها تحوز مشروعية لتصرفاتها وقراراتها، وتستمد هذه المشروعية من القوانين بمعناها الواسع، ابتداءً بالدستور وانتهاءً باللوائح والقرارات الإدارية، وشرط استمرار صفة المشروعية للحكام والحكومات اتصاف ما يصدر عنهم من تصرفات بالعدالة، المعبر عنها بعدم مخالفة القوانين النافذة.
أما إذا صدرت تصرفات الحكام والحكومات مخالفة للقوانين النافذة، سقطت عنها صفة المشروعية، وتصبح تصرفاتهم عرضة للإلغاء عن طريق الطعن فيها.
أما صفة (الشرعية)، فلا يصح مطلقًا وصف حاكم أو حكومة بها، مهما بلغت عدالة تصرفاته وتطابقت مع القوانين النافذة، ومهما بلغ رصيده من النزاهة والإخلاص والوطنية، وكذلك الحال بالنسبة للحكومة المتصفة بذات الصفات التي اتصف بها الحاكم، لا يصح مطلقًا وصفها بأنها حكومة (شرعية)، وإذا لم يصح ذلك في مثل هذا النوع من الحكومات، فمن باب أولى لا يصح هذا الوصف، ويحرم في حق مسمى حكومة العملاء!
ولمزيد من إيضاح الصورة على الشكل المطلوب والمقنع، لا بد من بيان معنى (الشرعية) لتمييزها عن معنى (المشروعية)، فالمشروعية كما أسلفنا في تفصيل مفهومها بالنسبة للحكام والحكومات تعني (الالتزام في ما يصدر عنهم من تصرفات بالقوانين النافذة)، ولا يقتصر مفهومها على ذلك، بل يمتد لتصرفات الأفراد، فيجب عليهم وفقًا لمعنى المشروعية الالتزام بالقوانين النافذة في ما يصدر عنهم من تصرفات، ما لم فتصبح هذه التصرفات مخالفة لمبدأ المشروعية، وتكون التصرفات عرضة للبطلان في جانبها المدني، ويكون الأفراد عرضة للعقاب إذا ما تعلقت التصرفات بمخالفة القوانين الجنائية.
وينصرف معنى (الشرعية) إلى ما هو أسمى من مجرد احترام الحكام والمحكومين في ما يصدر عنهم من تصرفات للقوانين النافذة، فـ(الشرعية) تتضمن في طياتها العدالة المطلقة والمثل العليا والمبادئ والقيم السامية، وقد أدرك المنصفون من كبار فلاسفة الغرب أن (الشرعية) ليست قيمة بشرية، بل هي قيمة فوق بشرية، وطالما والأمر كذلك، فلا يصح بحال من الأحوال وصف أرقى وأنقى الحكومات بهذه الصفة، ناهيك عن أن توصف بها حكومات العمالة والارتهان!
وخلاصة القول إن مصطلحي (المشروعية) و(الشرعية)، رغم الاختلاف الواضح في مفهومهما ودلالتهما، إلا أنهما مرتبطان ببعضهما، فـ(المشروعية) تزول وتسقط إذا ما أصبحت مخالفة لمضمون (الشرعية)، وإذا ما أصبحت (المشروعية) ظالمة وغير عادلة، وغير منسجمة مع ما تتضمنه (الشرعية) من قيم سامية ومثل عليا، وسواء تمثل ظلم المشروعية وعدم عدالتها في صدور قوانين مجحفة، أو في تصرفات من جانب الحكام منتهكة لقيم العدالة، ومخالفة لمقتضيات القيم والمثل العليا التي تتضمنها (الشرعية)، ففي هذه الحالة يكتسب الشعب الحق في إسقاط تلك المشروعية، وما تمنحه للحكام من صلاحيات، وقد قيل بـ(مبدأ شرعية الثورة على المشروعية الظالمة)، وهو ما استخلصه المنصفون من فلاسفة الغرب وخالفه حكامهم.
وهذا المبدأ مستقر في الفقه الإسلامي من قبل أن يستخلصه فلاسفة الغرب، وتحديدًا في الفقه الزيدي، فمبدأ (الخروج على الحاكم الظالم) يعد أصلًا جوهريًا وأساسًا من أصول الفكر السياسي في المذهب الزيدي، ويعد فارقًا جوهريًا ميز المذهب الزيدي عن غيره من المذاهب الإسلامية، التي لا تجيز الخروج على الحاكم الظالم الطاغي الفاسد المستبد، وهو ما يؤكد أن المذهب الزيدي ينسجم تمامًا مع مضمون (الشرعية) التي هي قيمة إلهية، لله وحده سبحانه وتعالى، وليست قيمة بشرية، ومن ثم فما اتفق مع مضمونها وانسجم معها، من قوانين وضعية، ومن تصرفات بشرية، صح القول في هذه الحالة بانسجام (المشروعية) مع (الشرعية)، وإن لم يكن الأمر كذلك، فللشعب حق إسقاط المشروعية الظالمة، حكامًا وقوانين، مستمدًا هذا الحق من عدالة وقيمة وسمو ومثالية (الشرعية الإلهية).
وختامًا، يصح ويتأكد القول، ودون المزيد من التفاصيل، أنه (لا شرعية إلا للثورة).

.jpg)





