متابعات../
في عام 1901، كتب مارك توين ساخراً: "أما بالنسبة لإنشاء علم لمقاطعة الفلبين، فيمكن أن نستخدم علمنا المعتاد، ونقوم بطلاء الخطوط البيضاء باللون الأسود وإحلال النجوم بالجمجمة والعظمتين المتقاطعتين". كان الأديب الأمريكي يدين بذلك مجازر بلاده في الفلبين، حيث ذُبح ما بين 200 ألف ومليون فلبيني تحت ذريعة "تحضير المتوحشين"، وبعد أكثر من قرن، لا تزال الولايات المتحدة تمارس ذات المنطق الدموي، لكن بأدوات أكثر تطوراً وأكاذيب أكثر إحكاماً.
-
قرصنة الأراضي: كيف سرقت أمريكا نصف قارة؟
حينما أعلنت الولايات المتحدة استقلالها عام 1776 لم تكن حينها سوى رقعة صغيرة على الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية، لا تتجاوز مساحتها 800 ألف كيلومتر مربع، لكن شهية التوسع لم تشبع أبداً.
في الحرب المكسيكية الأمريكية (1846-1848)، شنت واشنطن أول حرب كبرى خارج حدودها، ونهبت نحو 2.3 مليون كيلومتر مربع من الأراضي المكسيكية، أي ما يعادل اليوم ولايات تكساس وكاليفورنيا وأريزونا ونيو مكسيكو، وتحوّل المكسيكيون الذين بقوا على أراضيهم فجأة إلى أجانب في وطنهم، وتعرضوا للاضطهاد والتطهير العرقي.
وفي نهاية القرن التاسع عشر، جاء دور الإمبراطورية الإسبانية المنهارة، فالحرب الإسبانية الأمريكية (1898) كانت أول حرب استعمارية تخوضها واشنطن خارج القارة، والنتيجة: سيطرت على كوبا وبورتوريكو والفلبين وغوام، وضمت هاواي قسراً. وهذه الحروب العدوانية كانت -وبكل وضوح- سرقة علنية لدول ذات سيادة تحت شعار "القدر المحتوم"، و"عبء الرجل الأبيض".
-
مذابح ممنهجة
لم تتوقف المذابح الأمريكية عند بلد معين، بداية بالهنود الحمر، حيث سفك الأمريكيون دماء ما لا يقل عن 10 ملايين من السكان الأصليين في واحدة من أكبر جرائم الإبادة الجماعية في التاريخ. لكن وحشية الجيش الأمريكي لم تتوقف:
الحرب الفلبينية الأمريكية (1899-1902): قُتل بين 200 ألف ومليون فلبيني، معظمهم من المدنيين، واستخدم الجنود الأمريكيون "طريقة الماء" التعذيبية لإجبار الأسرى على الإفصاح عن مواقع من أسمتهم واشنطن "المتمردين"، وحوّلوا جزيرة لوزون إلى مقبرة جماعية.
الحرب الكورية (1950-1953): سقط أكثر من 3 ملايين مدني كوري، معظمهم من النساء والأطفال والمسنين. ومذبحة "نو غون ري" الشهيرة، حيث قصفت الطائرات الأمريكية لاجئين كوريين أبرياء، ليست سوى نموذج واحد من مئات المجازر.
حرب فيتنام (1955-1975): أكثر من مليوني مدني فيتنامي قتلوا، استخدم الجيش الأمريكي النابالم (القنابل الحارقة) وغاز الأعصاب وعامل البرتقال (مادة مسرطنة ومشوهة للأجنة)، ما تسبب في تشوهات خلقية لأجيال كاملة لا تزال تعاني حتى اليوم.
حرب العراق (2003-2011): أكثر من مليون مدني عراقي قتلوا، ولم يثبت وجود أسلحة الدمار الشامل المزعومة التي كانت ذريعة الغزو؛ فالواقع أن العراق دُمر لصالح شركات النفط الأمريكية ومقاولي البنتاغون.
-
حرب أفغانستان (2001-2021): مئات الآلاف من المديين قتلوا، و38 مليون شخص نزحوا أو أصبحوا لاجئين.
750 قاعدة أمريكية في 80 دولة: احتلال دائم تحت غطاء "الدفاع":
لدى الولايات المتحدة اليوم نحو 750 قاعدة عسكرية في 80 دولة ومنطقة حول العالم، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف عدد سفاراتها. في اليابان وحدها، تنتشر عشرات القواعد التي حولت أوكيناوا إلى "سفينة حربية عائمة". أهالي أوكيناوا يعانون لعقود من الضوضاء والجرائم البيئية والاعتداءات الجنسية من قبل الجنود الأمريكيين، لكن الحكومة اليابانية التي تربطها معاهدة أمن مع واشنطن لا تستطيع التحرك.
في أوروبا، تملأ القواعد الأمريكية ألمانيا وإيطاليا وتركيا وبريطانيا، وتستخدم كورقة ضغط على الحلفاء أنفسهم. في "الشرق الأوسط"، تنتشر القواعد في قطر والإمارات والبحرين والكويت والسعودية وسوريا، وليبيا.
-
جرائم بيئية لا تغتفر
-
تتحول القواعد العسكرية الأمريكية إلى كوارث بيئية في البلدان المضيفة:
في أوكيناوا (اليابان) تم تسجيل 270 حادثة تلوث بيئي بين 2002 و2016، معظمها لم تُبلغ عنه الحكومة اليابانية.
في كوريا الجنوبية، أظهرت قياسات مايو 2022 أن تلوث التربة والمياه الجوفية في قاعدة يونغسان -التي أعيدت- تجاوز المعايير بنسبة هائلة: الهيدروكربونات 29 ضعفاً، البنزين 3.4 أضعاف، الفينول 2.8 ضعف.
في فيتنام، لا يزال أكثر من 350 ألف طن من القنابل والألغام غير المنفجرة متناثرة، وتحتاج إلى 300 سنة لإزالتها بالكامل.
خلال القصف الأمريكي ليوغوسلافيا استخدم الناتو -بقيادة أمريكا- قذائف اليورانيوم المستنفد، ما أدى إلى ارتفاع هائل في حالات السرطان وسرطان الدم بين السكان المحليين.
سجون التعذيب والمواقع السوداء – حيث القانون لا وجود له أبو غريب: جحيم صنعته أمريكا
في سجن أبو غريب غربي بغداد، جسّد الجنود الأمريكيون كل أشكال الوحشية البشرية. المعتقل العراقي السابق "بدو الحمد" يصف الحياة هناك بأنها "جحيم": أطعمة بالكاد تسد الرمق، حبس انفرادي لشهور تحت حر شديد أو برد قارس. لكن الأسوأ كان التعذيب المنهجي: تعرية السجناء، وإجبارهم على التكدس عراة فوق بعضهم البعض، وتهديدهم بالاغتصاب والسحاق. والأدهى أن الأمريكيين كانوا يجلبون الشرطة المعتقلين ويضعونهم مع المتطرفين ليعذبوا على أيديهم.
-
غوانتانامو: بقعة سوداء في قلب الكاريبي
منذ عام 2002، تدير الولايات المتحدة معتقل خليج غوانتانامو في كوبا، أكثر من 700 معتقل، معظمهم من المسلمين، احتُجزوا خارج أي إطار قانوني، وتعرضوا لأساليب استجواب تصل إلى الإغراق والتعذيب بالصدمات الكهربائية. كما تم تدنيس المصحف: رميه في المراحيض، تمزيقه، حرقه. وفي انتهاك صارخ للمشاعر الإسلامية، كُلفت حارسات إناث بالتجسس على سجناء ذكور عراة.
-
كشف مشروع "تكاليف الحرب" مطلع 2022 عن وجود "مواقع سوداء" في 54 دولة على الأقل، احتُجز فيها أكثر من 100 ألف شخص، بينهم نساء وأطفال.
-
الإطاحة بالحكومات الشرعية – تاريخ من الانقلابات والدمى
64 عملية تغيير نظام خلال الحرب الباردة وحدها توثق الأكاديمية ليندسي أوروك في كتابها "تغيير النظام سراً" أن الولايات المتحدة نفذت بين 1947 و1989 ما لا يقل عن 64 عملية سرية لتغيير الأنظمة، بالإضافة إلى 6 عمليات علنية، وهذا يشمل أعداء وحلفاء على السواء، ديمقراطيين وديكتاتوريين:
إيران 1953: أطاحت وكالة المخابرات المركزية بالحكومة المنتخبة ديمقراطياً للدكتور محمد مصدق، لأنه أقدم على تأميم النفط، وأعادت الشاه الديكتاتور، وظل النفط الإيراني في أيدٍ أمريكية حتى قيام الثورة الإسلامية 1979.
غواتيمالا 1954: أطاحت بحكومة أربينز المنتخبة، الذي كان يخطط لإصلاح زراعي يمس أراضي شركة الفواكه المتحدة (التي كان أعضاء الإدارة الأمريكية مساهمين فيها).
تشيلي 1973: دعمت انقلاب الجنرال بينوشيه الذي أطاح بالرئيس المنتخب سلفادور أليندي، وأدى إلى مقتل آلاف التشيليين.
-
تغيير النظام بالقوة المباشرة
-
إضافة إلى الانقلابات السرية: لم تتردد واشنطن في غزو دول لتغيير أنظمتها تحت ذرائع واهية:
هايتي (1994 و2004).
أفغانستان (2001) – لإسقاط طالبان.
العراق (2003) – لإسقاط صدام حسين بحجة أسلحة دمار شامل لم توجد أبداً.
ليبيا (2011) – للإطاحة بالقذافي تحت شعار "المسؤولية عن الحماية"، تاركة ليبيا تغرق في الفوضى والعنف.
سوريا (2011 - 2025) دعم الجماعات المسلحة أسقطت نظام الأسد، واستولت الجماعات المتطرفة على الحكم.
اليمن (2015) – دعم تحالف العدوان على اليمن للإطاحة بالثورة الشعبية بعد أن فقدت واشنطن مصالحها.
(2025) – اعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته، وفرض القرار الأمريكي على السلطة الحاكمة في فنزويلا.
(2026) – العدوان على إيران وقتل القادة العسكريين والمديين لمحاولة قلب نظام الحكم، لكن المحاولة بائت بالفشل.
-
انتهاك السيادة والقوانين الدولية – دولة فوق القانون
"حرية الملاحة" كذريعة للقرصنة: منذ 1979، تنفذ البحرية الأمريكية عمليات ما تسميها "حرية الملاحة" لتحدي سيادة الدول الساحلية، بين 1990 و2021، استهدفت أكثر من 70 دولة، بينها حلفاء مثل اليابان والسعودية وإيطاليا، تدخل السفن الحربية الأمريكية المياه الإقليمية والمناطق الاقتصادية الخالصة دون إذن مسبق، متحدية القوانين الدولية، والمفارقة أن الولايات المتحدة لم تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لكنها تحرّف نصوصها لخدمة أجندتها.
الحصانة الدبلوماسية للقتلة: يكشف الباحث آصف إفرات أن الجنود الأمريكيين في الخارج ارتكبوا جرائم بمستويات لم تكن معروفة سابقاً، ففي كوريا الجنوبية يصل معدل عدم مقاضاة الجنود الأمريكيين عن جرائمهم إلى 70.7%، ويرتفع إلى 81.3% في جرائم العنف (قتل، اغتصاب، سرقة). بين 1954 و1970 تم تسجيل أكثر من 360 ألف قضية بحق أفراد عسكريين أمريكيين وعائلاتهم، ولم تنظر المحاكم المحلية إلا في ثلثها.
الانسحاب من المعاهدات: نزعة انعزالية عدوانية: انسحبت الولايات المتحدة من 17 منظمة واتفاقية دولية كبرى منذ الثمانينيات: يونسكو، مجلس حقوق الإنسان، منظمة الصحة العالمية ، اتفاقية باريس للمناخ، خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني)، معاهدة الصواريخ متوسطة المدى، معاهدة الأجواء المفتوحة. حتى عندما تعود تحت إدارة جديدة، تبقى عقيدة "أمريكا أولاً" مسيطرة.
الأسلحة البيولوجية: تجارب على البشر: في سبتمبر 2022، كشف الوفد الروسي في جنيف عن وثائق تفيد بانتهاك الولايات المتحدة لمعاهدة حظر الأسلحة البيولوجية.
الوثائق تتحدث عن براءة اختراع أمريكية لـ"نظام الإطلاق الجوي للبعوض السام"، حيث تستخدم طائرات بدون طيار لنقل بعوض حامل لسموم إلى مناطق محددة لإصابة فئات سكانية بأمراض قاتلة، وتحقيق "انتشار لأمراض قاتلة بتكلفة منخفضة". كما تقوم واشنطن منذ سنوات بإجراء تجارب بيولوجية خطيرة في كوريا الجنوبية، وتجارب على البشر داخل أراضيها، بينما تعارض إنشاء آلية تحقق دولية.
انتحار 30 ألف جندي أمريكي: الجنود الذين أرسلتهم واشنطن لقتل الأطفال في أفغانستان والعراق عادوا إلى بلادهم محطمين نفسياً. أكثر من 30 ألف جندي أمريكي انتحروا بعد الحروب التي تلت 11 سبتمبر، وهو عدد يساوي أربعة أضعاف الذين قتلوا في المعارك. معدلات اضطراب ما بعد الصدمة وإدمان المخدرات والكحول والطلاق وإساءة معاملة الأطفال بين قدامى المحاربين أعلى بكثير من عامة السكان.
-
إمبراطورية الشر تعض ذنبها
هكذا هي الولايات المتحدة الأمريكية: أكبر معتدٍ على الحرية والديمقراطية في تاريخ البشرية. سرقت الأراضي، ذبحت الشعوب، دمرت البيئات، عذبت الأسرى، أطاحت بالحكومات، انتهكت القوانين، وزرعت الإرهاب في كل ركن من أركان الأرض.
ولعل أكبر دروس التاريخ أن الشر لا يبقى بلا عقاب، فها هي أمريكا اليوم تفقد هيبتها وتتجرع الهزائم تلو الهزائم، خاصة بعد محاولاتها الأخيرة في العدوان على إيران واليمن، إذ تلقت صفعات مدوية أحدثت هزات كبيرة في السمعة اضطرت معها واشنطن لاستجداء الخصوم للدخول في اتفاقيات للتهدئة، دون أن تتمكن من فرض أي من شروطها المجحفة.



.jpg)



