مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

مبارك حزام العسالي
تتجاوز المقاربات السياسية أحيانًا حدود التشابه العارض لتدخل في طور "التطابق البنيوي"، حَيثُ تصبح الآلة والمنهج والغاية تعبيرًا عن استراتيجية موحدة وإن اختلفت الجغرافيا والأسماء.

يبدو الرابط الاستراتيجي والسلوكي بين كيان الاحتلال الصهيوني في تعامله مع القضية الفلسطينية، والنظام السعوديّ في تعاطيه مع المسألة اليمنية، أقرب إلى "الهندسة المشتركة" التي تهدف في غايتها النهائية إلى سحق إرادَة الشعوب، وتفكيك عراها الوطنية، وإخضاعها لمنطق الوصاية المطلقة أَو الإبادة الشاملة.

​تفكيك هذه العلاقة البنيوية يتطلب الغوص المعمق في الركائز الاستراتيجية التي تحكم سلوك هذا التحالف غير المعلن، بدءًا من منطلقات النفي، مُرورًا بآليات التركيع، وُصُـولًا إلى هندسة التفتيت الداخلي وتوظيف الأزمات الإنسانية:

 

​أولًا: إنكار الأصالة وعقيدة النفي الجيوسياسي

​تأسس كيان الاحتلال الصهيوني على مقولة نفى من خلالها الوجودَ التاريخي والسياسي للشعب الفلسطيني، محاولًا تحويله إلى مُجَـرّد "فائض سكان" بلا حقوق سيادية فوق أرضه الممتدة لآلاف السنين.

هذا السلوك الإلغائي يجد ترجمتَه الحرفية في العقلية الحاكمة داخل الرياض تجاه اليمن؛ إذ ينطلق النظامُ السعوديّ من عدم اعتراف مبدئي بحق الشعب اليمني في العيش كجار مستقل يمتلك قراره السيادي وبوصلته الوطنية بعيدًا عن فكرة "الحديقة الخلفية".

تفرض الرياض وصاية دائمة تضمن إبقاء هذا الجار تحت سقف الهيمنة، تهربًا من صدمة الاعتراف بالتاريخ اليمني الضارب في عمق المنطقة، وهي النظرة الفوقية التي تصيغ كُـلّ تفاصيل الملف اليمني في أروقة السياسة السعوديّة.

 

​ثانيًا: الحصار والتجويع كأدوات للهندسة الاجتماعية

​تحول الجوع في قاموس الحروب الحديثة من مُجَـرّد أثر جانبي للمعارك إلى "سلاح دمار شامل" مقصود ومخطّط له؛ بهَدفِ إعادة تشكيل الوعي المجتمعي.

يمارسه كيان الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة كخنق اقتصادي وتقنين دقيق للموارد حَــدّ الإبادة الجماعية لمليوني فلسطيني، وهو ذات السيناريو الذي طبقه النظام السعوديّ ويستمر فيه ضد أربعين مليون يمني.

يمثل حصار المنافذ، وتجفيف العائدات السيادية، ونقل البنك المركزي، واستهداف مصادر العيش، أدوات وظفتها الرياض لإنتاج أكبر أزمة إنسانية في العالم، بغية الوصول بالإنسان اليمني إلى حافة "الانسحاق المعيشي" التي تجبره على المقايضة بين لقمة عيشه وحريته السياسية، وتدفعه قسرًا نحو الرضوخ للمشاريع العابرة للحدود.

 

​ثالثًا: التدمير الهيكلي وقضم الجغرافيا

​تلتقي الآلة العسكرية السعوديّة مع نظيرتها الصهيونية في استهداف "المستقبل" عبر تدمير البنية التحتية والمؤسّسية للدولة.

استنسخ الطيران السعوديّ على مدى أكثر من عقد من الزمن في اليمن القصف السجّادي الذي طال المستشفيات، والجامعات، والمدارس، والطرق، والجسور في غزة والضفة؛ بهَدفِ تعجيز الدولة وشل قدرتها على النهوض مجدّدًا وإبقائها رهينة لخطط "إعادة الإعمار" المشروطة سياسيًّا.

يتوازى هذا التدمير مع نهم توسعي لا يتوقف؛ فكما يلتهم كيان الاحتلال ما تبقى من الأرض الفلسطينية بعد قضم 87 % منها عام 48، يواصل النظام السعوديّ سلوكه التاريخي الذي لم يكتفِ بضم جيزان ونجران وعسير والمناطق الشرقية، فهو يمتد اليوم عبر أدواته للسيطرة المباشرة وغير المباشرة على المحافظات الجنوبية والشرقية، ومحاولة الهيمنة على الجزر الاستراتيجية والموانئ والممرات المائية الحيوية لقطع رئتَي اليمن الاقتصاديتين وعزله عن مجاله البحري.

 

​رابعًا: التفتيت الاجتماعي وتوظيف "النخب المرتهنة"

​يبرز السعي المُستمرّ لتفكيك الجبهة الداخلية للضحايا كأخطر الأسلحة في هذه الهندسة المشتركة.

يدرك الجلادُ الخارجي أن الشعوبَ الموحَّدة لا تُقهر؛ لذا يغذي كيان الاحتلال الصهيوني الانقسام الفلسطيني لتمزيق الموقف الموحد، تمامًا كما يستبسل النظام السعوديّ في تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي اليمني (شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا) عبر تفريخ الكانتونات العسكرية والسياسية، وتغذية النعرات المناطقية والقبلية والمذهبية، لضمان بقاء اليمن في حالة فوضى مستدامة تمنع قيام دولة مركزية قوية قادرة على المحاسبة واسترداد الحقوق.

تؤدي "النخب المرتهنة" في الحالتين دور الأدَاة الرئيسية لتنفيذ هذا المخطّط، بعد أن باعت قرارها للخارج وصارت خنجرًا في خاصرة أوطانها، لتتحول مآسي فلسطين واليمن إلى نتاج مشترك بين إجرام المحتلّ الخارجي وارتهان التابع المحلي.

 

​بُوصلة الغضب وصمام الأمان الوطني

​تضعُ هذه القراءةُ السياسية الأمور في نصابها الصحيح عند تفكيك الأبعاد الإنسانية؛ فالأزمات المعيشية الطاحنة، وانقطاعُ المرتبات، وتدهور الخدمات الأَسَاسية، والانهيار الاقتصادي، هي نتاج طبيعي ومباشر لآليات العدوان المركَّب والحصار المفروض قسرًا على الناس في فلسطين واليمن.

إن التعبير عن السخط والوجع إزاء هذه الظروف هو حق مشروع ونتيجة حتمية للانسحاق المفروض على الشارع.

لكن القيمة الحقيقية للوعي الجماهيري هنا تكمن في "تحديد وجهة السخط وصون بوصلة الغضب الوطني".

تسعى الاستراتيجية الصهيونية والسعوديّة -عبر أدواتهما المحلية التي تتستر وراء العناوين الحقوقية لتباكي زيفًا على معاناة المواطن- إلى إعادة توجيه هذا الغضب الشعبي المحق نحو الداخل.

المخطّط يهدف إلى تحويل ألمِ الجوع المعيشي إلى وقود للاقتتال الداخلي والفتن الجانبية، مما يجعل الضحايا يصيحون في وجوه بعضهم البعض، ويشتبكون في معارك صفرية تهدم ما تبقى من قلاع الصمود والمقاومة، وتمنح المعتدي الخارجي نصرًا مجانيًّا بأيدي أبناء الوطن نفسه.

​إن استغلال المعاناة الإنسانية وحرمان الشعوب من حقوقها الأَسَاسية لتمرير أجندة تفكيك الجبهة الوطنية يمثل جوهر المؤامرة الحقيقية اليوم.

ولذلك، يتطلب صمامَ الأمان الوطني أن تكونَ القبضاتُ موجَّهة حصرًا وبوعي تام إلى صدر المتسبب الحقيقي بكل هذه الأوضاع المزرية: كيان الاحتلال الصهيوني والنظام السعوديّ، وتعرية أدواتهما المرتهنة في الداخل.

 

​دعوة القائد: خارطة طريق السيادة والاستقلال

​في مقابل هذا الاستهداف الممنهج، تبرز المبادرة الوطنية المسؤولة القادرة على تفكيك عناصر المؤامرة الخارجية والداخلية؛ حَيثُ تأتي دعوة قائد الثورة، السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، لتضع مرتكزًا أَسَاسيًّا لمشروع سياسي، وتنموي، وسيادي شامل للجمهورية اليمنية، ورؤية استراتيجية متكاملة في هذه المرحلة الحساسة والمصيرية من تاريخ المنطقة.

​تشكل هذه الدعوة خارطة طريق عملية وجادة لانتزاع السيادة الكاملة وكسر الحصار المفروض على الشعب اليمني، مستندة إلى تضافر الجهود الشعبيّة والرسمية كبنية تلاحمية واحدة لا تقبل الاختراق.

إن التحَرّك على ضوء هذه الرؤية يضمن تحصين الداخل اليمني من محاولات التفتيت، ويحول الطاقات الوطنية نحو البناء والاعتماد على الذات لمواجهة تبعات التجويع الممنهج.

إذن..

​بناءً على ذلك، تقع المسؤولية التاريخية اليوم على عاتق كافة القوى الوطنية الحرة في دعم وتأييد دعوة قائد الثورة، والالتفاف حولها لمواجهة التحديات الراهنة، والوقوف بحزم ومسؤولية أمام مخطّطات الاستهداف الشامل التي يقودها تحالف العدوان.

إن التلاحُمَ وتحديدَ البُوصلة نحو العدوّ الحقيقي هو المدخل الاستراتيجي الوحيد لكسر الأغلال، واستعادة القرار، وبناء اليمن الحر المستقل الذي لا يقبل التجزئة ولا يرضخ للوصاية.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر