مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

علي هراش
في مشهد كان حتى وقت قريب محض خيال لا يستطيع المحللون الاستراتيجيون تخيله، ها هو الرئيس الأمريكي ترامب يظهر بمظهر يثير الأسى، وكأنه تاجر بازارات يلهث خلف توقيع إيراني على مذكرة تفاهم لا تخفي حجم اليأس الأمريكي.

التفاصيل التي تسرّبت عن الاتّفاق تصفُ استسلامًا أمريكيًّا تكتيكيًّا كاملًا أمام إيران وقبولًا بشروطها، واعترافا ضمنيًّا بأن مشروع «سيدة العالم» الذي تروّج له أمريكا قد واجه جدارًا إيرانيًّا صُلبًا كسر طموحاته قبل أن تبدأ، وأظهرت الدراسات أنه أكبر رئيس مهرج وكذاب في التاريخ.

 

البنود التي ترسم صورة الهزيمة الأمريكية

ما تم تداوله حول مذكرة التفاهم التي تم الإعلان عنها مؤخّرًا بين واشنطن وطهران يضعنا أمام حقائق صادمة لمنظومة «أمريكا أولًا».

البنود تقول إن ترامب لم يكتفِ بالتعهُّد بوقف إطلاق النار و«التوسُّل» إلى إيران بعدم الرد على كيان الاحتلال.

إن الإدارة الأمريكية تنازلت عن أوراق ضغط كانت تعتبرها جوهرية، ومنها:

• الإفراج عن 24 مليار دولار من الأرصدة الإيرانية المجمدة خلال 60 يومًا، مع تخصيص نصف هذا المبلغ قبل أن تبدأ المفاوضات أصلًا.

• الاعتراف بأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ودعم إيران ووقوفها مع محور الجهاد والمقاومة في المنطقة «ليسا على طاولة المفاوضات»، ولن يكونا جزءًا من أي اتّفاق مستقبلي، وهذا هو المطلب الأمريكي السابق رقم واحد الذي أسقطته طهران ببساطة.

• تقديم خطة لإعادة إعمار إيران تصل قيمتها إلى 300 مليار دولار، تتحمل الولايات المتحدة وحلفاؤها الخليجيون تكاليفها.

• التزام أمريكي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لإيران وسحب القوات من محيطها.

 

المشهد الأكثر إيلامًا في التاريخ الدبلوماسي الأمريكي

لا يمكن لعين أن تصفَ مشهدًا أكثرَ إحراجًا من الذي تظهره هذه البنود؛ فترامب، الذي أطلق حربًا على إيران؛ بهَدفِ الإطاحة بالنظام، يجد نفسه بعد أشهر قليلة أمام واقع مرير.

فقد فشل الهدفُ العسكري تمامًا في مواجهة الدفاعات الإيرانية والحرس الثوري الإيراني وتماسك الشعب والنظام الإيراني وتوحّد محور المقاومة، ولم يعد أمامه سوى الذهاب إلى طاولة المفاوضات، كطرف فاشل غير منتصر يطلب الهُدنة ويدفع الثمن مقدمًا.

المشهد الأكثر إثارة للاشمئزاز في نظر كُـلّ من يعرف تاريخ القوة الأمريكية هو أن إيران لم تتنازل عن أيٍّ من مطالبها الأَسَاسية.

برنامجها الصاروخي بخير، ودعمها للمقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن مُستمرّ، ولا يمكن فصل وحدة الساحات، وحتى ملفها النووي تم تأجيله إلى مفاوضات لاحقة بعد أن تثبت أمريكا «حسن نيتها» بتنفيذ التزاماتها أولًا.

هذا ليس اتّفاقا، هذا تسليم بشروط الخصم.

هل هذا مُجَـرّد «كيلة ماش» أم إعادة رسم للخريطة؟

المثال الخليجي «كيلة الماش» لا يصف بدقة ما حدث هنا؛ لأن «كيلة الماش» تعني أن تأخذ شيئًا دون مقابل، أما هنا فقد أخذ الإيرانيون كُـلّ شيء، وقدموا في المقابل «وعدًا» بأن يكونوا «أقلَّ عدوانية».

إيران استعادت أموالها، وفتحت المضيقَ بشروطها، وحصلت على تعهُّدٍ بإعادة إعمارها، وأبقت على كُـلّ أوراق قوتها.

في المقابل، ماذا حصلت أمريكا؟ حصلت على وعد بأن إيران لن تصنع قنبلة نووية - وهو وعد كانت إيران قد التزمت به أصلًا بموجب معاهدة حظر الانتشار، ومعزّزًا بفتوى السيد علي خامنئي التي اعتبرت ذلك محرّمًا - ووعدًا بفتح مضيق هرمز الذي أغلقته إيران أصلًا كورقة ضغط.

التحليلات الاستراتيجية تشير إلى أن هذه الصفقة ستترك أمريكا في موقع أضعف بكثير في المنطقة.

فالدول الخليجية ستعيد حساباتها بعد أن رأت أن أمريكا لم تنجح في كسر إيران، فقد دفعت ثمنًا باهظًا للخروج من المستنقع.

أما كيان الاحتلال الصهيوني فقد وجد نفسَه أَيْـضًا في «ورطة»، حَيثُ هرع ترامب وأبلغ نتنياهو أنه «أنقذ كيان الاحتلال من المحو النووي» وأن عليه أن يكون شاكرًا، بينما الحقيقة أنه أخرجه من مستنقع أحلامه وغروره التي أصبحت في الحضيض.

في هذه الحرب فقدت أمريكا كَثيرًا من قواعدها في المنطقة، وانكسرت هيبتها، وفقدت ثقةَ دول الخليج التي كانت تعوّل عليها في توفير الحماية لها، بل ظهر العكس؛ إذ عرضت أمنها القومي وبنيتها التحتية للخطر والتدمير.

كذلك تعرَّضَ كيان الاحتلال لضربات فتاكة من إيران ومحور الجهاد والمقاومة أفقدته أمنه، وعرّضت بنيته التحتية للتدمير، وجنوده للقتل، وموانئه للحصار.

أما وَحدة الساحات، التي كانوا يراهنون على تفكيكِها، فقد ظهرت بموقفِ القوة من العراق إلى لبنانَ إلى فلسطين واليمن، وظهر أنصار الله كقوة إقليمية فاعلة، وأبقوا باب المندب ورقة في أيديهم لم يستخدموها بعد، كما برز حزب الله كقوة ردع أصابت العدوّ في مقتل، بعد أن أوهم كيان الاحتلال نفسه أن حزب الله قد تلاشى.

ويُعد إصرار إيران على إدخَال لبنان ضمن أحد البنود الأَسَاسية من التفاهم ضربة للكيان الصهيوني الغاصب، وبدّد أحلامه بتثبيت معادلة الاستباحة.

 

انهيار هيبة

في النهاية، ما يراه المراقبُ المحايد هو أن أمريكا لم تعد «سيدةَ العالم» التي ترسم خرائط النفوذ بقوة سلاحها، لقد أصبحت لاعبًا يدفعُ فديةً لإنهاء حرب لم يستطع الفوز بها.

المشهد الذي ظهر به ترامب هو انهيار لهيبة القوة العظمى التي اعتاد العالم رؤيتَها تملي شروطها.

«فوق ركل المؤخرة، أخذوا منه كيلة الماش»؛ هذا التعبير يصف البُعد المالي، لكن الأبعاد الاستراتيجية أكبر.

فالإيرانيون لم يأخذوا مالًا فقط، كذلك أخذوا اعترافًا أمريكيًّا بأنهم قوة لا يمكن كسرُها، وأن معادلة القوى في الشرق الأوسط قد تغيّرت إلى الأبد.

خرج ترامب من الحرب خاسرًا، ومن المفاوضات منهزمًا، لكنه على الأقل يمكنه الآن أن يقول إنه «أوقف الحرب»، ولو أن ثمن وقفها كان أغلى من استمرارها.

 


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر