رسول حسين أبو السبح
"الزيدي" يغسل يدَيه من التاريخ إرضاءً لساكني البيت الأبيض!
في مسارات السياسة وقفات تفرز الرجال، وتكشف زيف الشعارات مهما تجمّلت بالبلاغة والخطابة، لكن ما جرى في واشنطن تجاوز حدود الانكسار السياسي ليلامس منطقة التفريط بالهوية والتاريخ العراقي المثقل بالدماء.
عندما سُئل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في كواليس لقائه بـ "ترامب" عن قادة النصر الشهيدين سليماني والمهندس وموقفه منهم، لم يجد حرجاً في أن ينفض يده من ماضٍ قريب صعد على أكتافه، مجيباً ببرود وابتسامة مهزوزة "سابقاً لم أعمل بالسياسة، ولنتكلم بالحاضر ونترك الماضي".
رافق هذه العبارة ضحكةٌ واهية باهتة التقطتها الكاميرات، ضحكة لخصت حالة الارتعاش السياسي أمام جبروت التاجر الأمريكي، وكأن لسان حاله يقول، "عَفا الله عما سلف، ودعونا نفتح صفحة جديدة نبيع فيها كل شيء مقابل البقاء في السلطة".
هروبٌ مخزٍ من التاريخ ودماء الشهداء، إن محاولة الزيدي القفز على "الماضي" هي عملية تنصّل أخلاقي معلن، فالماضي الذي يطالبنا الزيدي بتركه وتجاوزه بضحكة واهية، هو ذاته الماضي الذي يحمل دماء القادة والشهداء والمضحين، وهو الماضي الذي سُفكت فيه دماء العراقيين غدراً بقرار مباشر من الشخص الذي كان يقف أمامه مستقوياً بصلفه وعنجهيته.
كيف يمكن لرئيس حكومة يمثل شعباً ذا سيادة وتاريخ ممتد من المقاومة والتضحية، أن يتنكر لكل تلك التضحيات بجرّة قلم وابتسامة صفراء.؟
إن التهرب من الماضي في حضرة القاتل أكثر من تنازلاً سياسياً، هو إقرار بالتبعية، وصك براءة مجاني يُمنح لمنتهكي سيادة العراق على حساب كرامة شعبه.
كأني بها لعبة "الوافد الجديد" وعقدة النقص السياسية، بقوله "سابقاً لم أعمل بالسياسة"، يحاول الزيدي تسويق نفسه كـ "تكنوقراط" محايد، وافد جديد لا يحمل أثقال الصراعات الماضية ومواقف الفصائل والجمهور الذي منحه الثقة عبر "الإطار التنسيقي"، لكن هذه الحجة الواهية لا تنطلي على الشارع العراقي، فالرجل لم يأتِ من فراغ، فقد جيء به ليمثل جبهة سياسية طالما صدعت الرؤوس بـ "التولي والتبري"، وبـ "الثأر للشهداء"، ورفض الهيمنة الأمريكية.
إن إظهار العجز وقلة الحيلة والخبرة أمام رئيس أمريكي وقح يتعامل بلغة الإملاءات والصفقات التجارية، يكشف عورة الضعف في إدارة الدولة، فالسيادة لا تُدار بالضحكات الواهية والمجاملات التي تسلب البلد هيبته، بل بالمواقف الصلبة التي تفرض احترام تضحيات الشعب وتاريخه.
اليوم نحن شهود على صمت الإطار والشراكة في غسل اليدين، أمام هذا الانحدار الأخلاقي والسياسي، يلوذ "الإطار التنسيقي" بصمت مطبق يثير الكثير من علامات الاستفهام.
أين هي تلك الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها؟ أين عقيدتكم التي طالما ناديتم بها في الحفاظ على إرث الشهداء وقيمهم؟
إن صمت الإطار على هذه الضحكة المهينة، وعلى محاولات مرشحهم تصفير الماضي وتجاوز دماء القادة، يجعله شريكاً ضمنياً في هذا الانهزام.
لقد أثبتت هذه الزيارة أن الشعاراتِ العقائدية والوطنية تسقط سريعاً وتتحول إلى مجرد بضاعة للمزايدة المحلية، وحينما تحين لحظة الحقيقة في دهاليز البيت الأبيض، يُقايَض التاريخ بالبقاء، وتُستبدل تضحيات الشهداء بـ "صفقات النفط" وإملاءات التاجر الأمريكي.







