أنس القاضي
تعز مدينة مفتوحة على الأفكار والسياسة، مدنية الطابع، تشكلت حياتها من حركة الناس والعمل والتجارة والتعليم، ومن الصلات التي ربطتها بمختلف المناطق اليمنية، وحين اتخذها الإمام أحمد مقراً لحكمه، استقطبت يمنيين من مناطق متعددة ومذاهب وقبائل وأُسراً مختلفة، وجعلها موقعها وصلاتها بعدن والبحر مجالاً لحركة الأفكار والخبرات، فاستفادت من مظاهر التحديث في عدن، وكانت من الحواضر اليمنية المبكرة في احتضان التعليم الحديث. ويُراد اليوم تقزيمها في عصبية مناطقية، أو دفعها للصراع مع الكل اليمني، وتصوير وجود هوية وقضية تعزية تفوق الهوية اليمنية والقضية الوطنية.
في أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته، كان العمال القادمون من تعز جزءاً مهماً من المجتمع العامل في عدن، أسهموا مع إخوانهم من مختلف المناطق في عمران المدينة وحركة موانئها وأسواقها ومؤسساتها، وفي تكوين الحركة النقابية والوطنية التي واجهت الاستعمار البريطاني ودافعت عن عروبة عدن وانتمائها اليمني في لحظة كاد العنصر الأجنبي في عدن من غير العرب يتفوق على العرب، في مواجهة مشاريع فصلها عن محيطها، وكانت صلاتهم بقراهم وأهلهم تحمل الأفكار والخبرات والتنظيم إلى الداخل، وتجعل القضية الوطنية حاضرة على جانبي الحدود التي أقامها الاستعمار.
وكانت تعز فاعلاً مباشراً في ثورة ٢٦ سبتمبر، بما حملته من تطلع إلى الخلاص من الاستبداد وبناء نظام جمهوري حديث، وشاركت بكوادرها وعمالها ومثقفيها وعسكرييها في الدفاع عن الجمهورية، ثم كانت مركزاً لإسناد ثورة ١٤ أكتوبر، تجري فيها اللقاءات والتدريبات والنشاطات السرية، وتجمع التبرعات، وينخرط أبناؤها في صفوف الفدائيين، ومن قيادات الجبهة القومية الشهيد عبود الشرعبي الذي بات يوم استشهاده في 11 فبراير يوما وطنيا للشهيد في اليمن الجنوبي قبل الوحدة، وهو أحد الأسماء التي تربط تاريخ تعز بتاريخ التحرر، وتبين مقدار التداخل بين نضال اليمنيين في مواجهة الاستعمار والاستبداد.
ومع بناء مؤسسات الدولة بعد ثورة سبتمبر، أسهم أبناء تعز في جهازها الإداري والتعليمي والصحي والفني، وكانوا بين الكوادر التي حملت أعباء التأسيس في بلد حرم طويلاً من التعليم والخدمات، وانتقل المعلم والموظف والطبيب والعامل والفني إلى مختلف المناطق، وعاشوا فيها، وارتبطوا بأهلها بالمصالح والجوار والمصاهرة، وأصبحت لهم بيوت وأسر وحياة في عموم اليمن، وما زال هذا الحضور قائماً حتى اليوم في المدارس والمستشفيات والمعامل ومؤسسات الدولة.
وقد دفعت محدودية الأرض الزراعية، قياساً بكثافة السكان، كثيراً من أبناء تعز إلى طلب العلم والعمل خارج قراهم ومدينتهم، فاتسعت خبراتهم، وأصبح التعليم والتأهيل والعمل مورداً أساسياً لحياة الأسر، ورافداً مهماً لحياة البلد، ومن صعدة إلى المهرة يشارك أبناء تعز إخوانهم في الزراعة والصناعة والبناء والتجارة والخدمات، يعمرون الأرض ويكسبون أرزاقهم ويصنعون حياتهم داخل المجتمع اليمني الذي ينتمون إليه.
هذا الانتشار جزء من تكوين تعز وهويتها ومصالحها، فتعز تعيش في كل اليمن، ولأبنائها في كل منطقة إخوة وأصدقاء وشركاء وجيران، وحين يعمل ابن تعز في مزرعة أو مصنع أو محل تجاري أو مدرسة في أي محافظة، فإنه يشارك في إنتاج الحياة في بلده، وتعود ثمرة عمله على أسرته وعلى المجتمع الذي يعيش فيه، ولهذا فإن أي محاولة لإنتاج عداوة بين تعز وبقية اليمن تمس حياة أبنائها أنفسهم، وتهدد الروابط التي بنوها عبر أجيال.
وفي مجتمع تعز حضور ديني وصوفي عميق، ارتبط بالتعليم والزوايا والوجدان الشعبي، وعاشت فيه اتجاهات سياسية وفكرية متعددة، وتكونت فيه خبرة بالاختلاف والتعايش، وقد جعل هذا التنوع المدينة مجالاً للنقاش والحركة السياسية والثقافية، وأتاح لأبنائها الانخراط في مشاريع وطنية تتجاوز حدود المنطقة، وأسهم في قدرتهم على العيش والعمل مع مختلف البيئات اليمنية. وقد وضعت هذه المكانة تعز في حسابات القوى الخارجية الساعية إلى التأثير في اليمن، فمجتمع بهذه الكثافة البشرية، وبهذا الحضور في التعليم والعمل والسياسة، يمثل مجالاً مهماً للصراع على اتجاه البلد وقراره، ومن هنا يمكن فهم الاهتمام السعودي بالتغلغل الديني والسياسي فيها، ونشر الفكر الوهابي تحت عنوان الدفاع عن السنة، وما صاحبه من خصومة مع التصوف والموروث الديني المحلي، ومن توظيف للانتماء المذهبي في التعبئة السياسية.
وتتحمل النخب اليمنية المرتبطة بالرعاية والمال السعودي في اللجنة الخاصة سيئة الصيت مسؤولية في هذا المسار، فقد عملت على تسريب الوعي المناطقي إلى مجتمع تكونت مكانته من اتساع علاقته باليمن، وأعادت تقديم قضاياه ومعاناته في صورة خصومة مع بقية اليمنيين، وكلما احتاجت إلى التحشيد استدعت تعز ودماء أبنائها ومظلوميتها، ثم أبقت قرارها مرهوناً بحسابات الجهة التي تمولها وترعاها.
تعز، التي قدمت العمال والمعلمين والكوادر والثوار، تستحق أن تكون طاقاتها في خدمة أبنائها وبلدها، وأن تحصل على نصيبها من التنمية والخدمات والأمن، وأن يشارك مجتمعها بحرية في تقرير مستقبل اليمن. والمتاجرة بمعاناتها تبدأ حين تتحول حاجات الناس إلى وسيلة للتجنيد، ويتحول الفقر إلى مورد بشري للحرب، ثم يترك المجندون وأسرهم يواجهون مصيرهم كما هو عليه حال أسرى عملية "وادي أبو جبارة"، الأسرى الذين تنكرت لهم ما تسمى بوزارة دفاع العليمي، بينما تتوزع القيادات الأموالَ والمناصب والامتيازات.
لقد أنتجت تعز مشاريع وطنية ودافعت عنها، وأسهم أبناؤها في بناء اليمن الحديث، وما زالت مصالحهم وحياتهم وروابطهم ممتدة في عموم البلد، ولهذا فإن محاولة جعلها في تضاد مع اليمن مؤامرة على أبناء تعز أنفسهم، وعلى حضورهم ومكانتهم ومستقبلهم، ومهما تعددت الشعارات التي تغلف هذه المحاولة، فإن نتيجتها خدمة القوى التي تريد لليمنيين أن ينشغلوا بخصوماتهم، وأن يبقى قرار بلادهم في يد غيرهم.
تعز جزء أصيل من اليمن، وقضاياها مسؤولية وطنية، وإنصافها واجب على كل من يريد لهذا البلد أن يستقر ويتقدم. وأبناؤها الذين يعيشون ويعملون مع إخوانهم في مختلف المناطق أقدر على إدراك معنى هذه الروابط وقيمتها، وعلى حماية مدينتهم من الذين يريدون استهلاك اسمها وأبنائها في مشاريع الهيمنة، فتعز، التي تعيش في كل اليمن، ستحافظ على مكانها في قلبه، وعلى دورها في بناء دولة تتسع لجميع اليمنيين، وتصون سيادتهم وحقوقهم.




.png)

.jpg)
