شعفل علي عمير
تُعدّ المناسبات والأعياد أكثر من مجرد أيامٍ تتكرر في التقويم؛ فهي في جوهرها تعبير عن ثقافة الشعوب، ومرآة تعكس منظومتها القيمية والفكرية، وتكشف عن طبيعة هويتها وما تعتبره جديرًا بالاحتفاء والتخليد، لذلك يمكن للمتأمل في أعياد أيّ مجتمع ومناسباته أن يتعرف إلى كثير من ملامحه وثقافته ومرجعياته؛ فالمناسبة التي يحييها الشعب هي بطاقة تعريفية تعبّر عن شخصيته وذاكرته وانتمائه.
ومن هُنا؛ فإنّ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف لا يمكن وضعه في السياق نفسه مع الاحتفال بمناسبات ذات طبيعة مختلفة، كالعيد الوطني أو عيد الحب أو أعياد أخرى وافدة من ثقافات وبيئات مغايرة، ومنها احتفالات "الكريسماس" التي أخذت بعض دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات والسعودية، على عاتقها إحياءها والترويج لها بصورةٍ لافتة.
والسؤال هُنا ليس عن حق الناس في الاحتفال بالمناسبات المختلفة فحسب، وإنّما عن المفارقة التي تكشفها هذه الممارسات؛ إذ كيف تتحول بعض المناسبات ذات الجذور الثقافية والدينية الغربية إلى مواسم احتفالية ضخمة، بينما يُنظر إلى إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف بعين الريبة، بل ويُستنكر على من يحتفي بها، ويُتهم أحيانًا بأنها بدعة وخروج عن جوهر الدين؟
إن هذه المفارقة تنم جهل متوارث لمفهوم الهوية الثقافية والدينية، وحول المعايير التي ينبغي أن تحكم علاقتنا بمناسباتنا وأعيادنا؛ فإذا كان الاحتفاء بموسم الرياض والمناسبات الترفيهية المختلفة أمرًا مقبولًا ومشروعًا في نظر القائمين عليها، فمن الأولى أن يُنظر إلى المولد النبوي باعتباره مناسبة ذات دلالة عميقة في وجدان المسلمين، يستحضرون من خلالها سيرة النبي محمد -صلى الله عليه وآله- وأخلاقه، ورسالته، وقيمه، ومشروعه في بناء الإنسان والمجتمع.
فالمولد النبوي ليس مجرد احتفال بذكرى تاريخية، بل محطة لاستعادة القيم التي جاء بها الرسول الأعظم؛ الرحمة، والعدل، والتكافل، والأمانة، والصدق، ونصرة المظلوم، ومواجهة الظلم والاستبداد، ومن الطبيعي أن يكون لكل شعب مناسبات يعتز بها ويحتفي بها، لأن المناسبة في نهاية المطاف تعبير عن الذاكرة الجمعية والهوية الثقافية.
وكما تحرص الشعوب على إحياء أيامها الوطنية ومناسباتها التاريخية؛ فإن من حق المسلمين أن يحيوا المناسبات المرتبطة بتاريخهم وشخصيتهم الدينية والحضارية، وأن يستثمروا هذه المناسبات في تجديد الصلة بقيمهم ومبادئهم، كون القضية، في جوهرها، ليست قضية مناسبة مقابل مناسبة، ولا احتفال مقابل احتفال، وإنما هي سؤال عن الهوية والمعايير والمرجعيات؛ ماذا نحتفي به؟ ولماذا؟ وما الذي تقوله مناسباتنا عن شخصيتنا وثقافتنا؟
وحين يصبح المجتمع قادرًا على قراءة مناسباته بهذه الطريقة؛ فإنه يدرك أن الأعياد والمواسم ليست مجرد مظاهر اجتماعية فقط، بل هي رسائل ثقافية تحملها الأجيال إلى بعضها بعضًا، ومن هنا تأتي أهمية المولد النبوي الشريف بوصفه مناسبة تستحضر شخصية الرسول الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم- وتعيد توجيه الاهتمام نحو سيرته وتعاليمه وقيمه.






.png)
