مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 25 جمادى الأولى 1448هـ
في الثالث من يوليو 2026، بدأ العدّاد. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد الأرقام السعودية تُقرأ كما كانت، ولم تعد "رؤية 2030" مشروعاً اقتصادياً بقدر ما صارت بنداً في دفتر حساباتٍ مفتوح على كل الاحتمالات فما جرى في الربع الثالث لم يكن هبوطاً في مؤشر، بل كان زلزالاً بطيئاً يهدم من الداخل ما بناه النفط والوعود.
هذا ما تكشفه المؤشرات المتلاحقة للاقتصاد السعودي في ظل تصاعد العمليات العسكرية اليمنية؛ إذ تتسع دائرة التداعيات من قطاع النفط الذي يمثل العمود الفقري للإيرادات الحكومية، إلى المالية العامة، والصناعات التكريرية، وحركة الصادرات، والطيران، والسياحة، والاستثمارات، والفعاليات الرياضية والترفيهية وتتجمع هذه المؤشرات في صورة واحدة تكشف حجم الضغوط التي تواجهها المملكة، وتضع مشروع التحول الاقتصادي الذي يتبناه محمد بن سلمان أمام اختبار بالغ الصعوبة.
لقد أنفقت الرياض مئات المليارات، ورسمت لنفسها صورة اقتصادية عالمية، واستثمرت في المؤتمرات والرياضة والترفيه والسياحة والمشروعات العملاقة، وقدمت رؤية 2030 باعتبارها مشروعاً لنقل المملكة إلى مرحلة اقتصادية جديدة، تقوم على تنويع مصادر الدخل، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتحويل المدن السعودية إلى مراكز عالمية للأعمال والمال والسياحة.
غير أن هذه الطموحات تصطدم اليوم بالصواريخ والطائرات المسيرة اليمنية؛ فالمشروعات الاقتصادية الكبرى تحتاج إلى بيئة مستقرة، والأسواق تحتاج إلى الثقة، والاستثمارات تحتاج إلى ضمانات، والشركات الدولية تحتاج إلى حرية الحركة والتنقل، فيما تكشف التطورات أن اتساع نطاق العمليات العسكرية اليمنية يفرض على الرياض تكاليف تتجاوز قدرتها على احتوائها عبر الإنفاق المالي وحده.
-
الاقتصاد… حين ينكمش الوطن مرتين
في بياناتٍ أولية صدرت عن الهيئة العامة للإحصاء في السعودية، ظهر ما لم تكن الرياض ترغب في رؤيته على شاشاتها: الناتج المحلي الإجمالي انكمش 3.8% على أساس سنوي في الربع الثالث، وهو الانكماش الثاني على التوالي، والمرة الأولى التي يسجل فيها الاقتصاد السعودي فترتين متتاليتين من الانكماش منذ عام 2023. لكن الرقم الأكثر دلالةً لم يكن الـ3.8%، بل ذلك الانخفاض الذي أصاب الأنشطة النفطية بنسبة 20.4%، بعد انخفاضٍ سابق بلغ 24.8% في الربع الثاني أي أن العمود الفقري للاقتصاد السعودي كان ينزف بوتيرةٍ متسارعة، في وقتٍ لم يُنقذه القطاع غير النفطي الذي نما بنسبة 1.9% فقط.
والحقيقة التي يخشى الاقتصاديون البوح بها كاملةً هي أن قطاعات الإنتاج والتكرير وصناعة البتروكيماويات تمثل نحو 70% من الاقتصاد السعودي، وأن التراجع الذي طالها تجاوز 70% في بعض المكونات فكيف يمكن لاقتصادٍ يفقد عموده الفقري بهذا العمق أن ينكمش بـ3.8% فقط؟ الأرقام المعلنة، وفق قراءةٍ تحليلية، لا تعكس حجم الانكماش الفعلي، بل يُرجَّح أن يكون التراجع الحقيقي أكبر من 10% — وهو رقم لا يظهر في النشرات الرسمية، لكنه يظهر في المصانع المتوقفة، والمزارع المتضررة، والشركات التي أعلنت خسائرها بالفعل: 65 مليون دولار لشركة إعمار المدينة الاقتصادية، و70 مليون دولار لشركة جبل عمر، في ثلاثة أشهر فقط.
-
المطار الذي صار "ثقباً أسود" في سماء الاقتصاد
في العاشر من أكتوبر، توقف مطار الملك خالد الدولي في الرياض عن العمل ومنذ ذلك اليوم، لم تعد حركة الطيران في العاصمة السعودية كما كانت 94% من الرحلات المغادرة 4,345 رحلة من أصل 4,621 أُلغيت بين 10 و27 أكتوبر وعلى مستوى المنطقة، أُلغيت 26,561 رحلة في مطارات الرياض ودبي والدوحة بين الأول من فبراير و27 أكتوبر، بزيادة خمسة أضعاف عن العام السابق، فيما انخفضت الرحلات المجدولة من المطارات الثلاثة بنحو 21%. أما "طيران الرياض"، الشركة التي أرادها محمد بن سلمان واجهةً للسياح الأثرياء على غرار شركات الخليج، فقد اضطرت إلى نقل عملياتها إلى مطارٍ يبعد 400 كيلومتر، وتشغيل جدول رحلاتٍ محدود "حتى إشعار آخر"، وفي نوفمبر، بدأ عدّادٌ آخر: تجديد بوليصة التأمين ضد مخاطر الحرب، وهو اختبار وجودي لشركةٍ لم يتجاوز عمرها أشهراً قليلة.
هذا الشلل لم يقتصر على الطيران فالمطارات ليست مجرد بواباتٍ للمسافرين، بل شرايين لاستيراد المعدات التقنية وقطع الغيار والأدوية والسلع التي لا تُصنَّع محلياً، ولتصدير ما تنتجه المصانع وحين تتعطل هذه الشرايين، لا يتأثر جدول الرحلات فحسب، بل تتأثر سلاسل الإمداد كاملةً من المصنع إلى المزرعة إلى رفوف السوق.
-
إلغاء واسع للفعاليات
لم يكن إلغاء الفعاليات قراراً سهلاً لأحد، لكنه كان القرار الوحيد، الاتحاد الآسيوي لكرة القدم أجّل كأس آسيا 2027 من يناير إلى ديسمبر، مبرراً ذلك بـ"الظروف الاستثنائية" و"التعقيدات اللوجستية الكبيرة واضطرابات حركة السفر" وسباق T100 للترايثلون في جدة أُجّل إلى أبريل 2027، مع خطةٍ لنقل سباق الرجال إلى دبي والمهرجان الياباني أُلغي في نسخته السادسة "حفاظاً على سلامة الزوار والمشاركين"، ورالي داكار نُقل إلى دولة أخرى، ونهائيات FIFAe في جدة تأجلت، وبطولة العالم للدراجات الحضرية في الرياض أُلغيت، ونهائيات رابطة محترفات التنس انتقلت إلى إنديان ويلز في أمريكا بدلاً من الرياض، والبطولة الختامية للجولة الآسيوية للغولف أُجّلت إلى أجلٍ غير محددـ ومهرجان البحر الأحمر السينمائي وأسبوع الموضة في الرياض تأثرا، ومبادرة مستقبل الاستثمار — "دافوس الصحراء" — أُجّلت إلى 2027.
وحتى WWE، عبر رئيس مجموعتها TKO، لم يتردد في إعلان ما يعنيه الخطر: "لن نتردد في إلغاء فعالياتنا في الشرق الأوسط إن تصاعد الخطر… ولتذهب ميزانيتنا إلى الجحيم"، وسباق جائزة السعودية الكبرى للفورمولا 1، الذي كان من أوائل ما أُلغي، كان يوفر 20 ألف وظيفة ويساهم بانتعاشٍ اقتصادي بقيمة 240 مليون دولار لمدينة جدة على مدى أربع سنوات.
الأرقام تقول إن ما يحدث ليس "تأجيلاً مؤقتاً"، بل هجرةٌ صامتة للواجهة الاقتصادية السعودية من الرياض إلى دبي والدوحة وإنديان ويلز وكل فعاليةٍ تُلغى، هي بندٌ في فاتورةٍ لا تظهر في الميزانية، لكنها تظهر في صورة المملكة كوجهةٍ آمنة — وهي الصورة التي بُنيت عليها "رؤية 2030" بأكملها.
-
النفط… من 5.7 مليون برميل إلى أقل من ثلاثة
الأنشطة النفطية تراجعت 20.4% سنوياً في الربع الثالث لكن ما لا تقوله النسب المئوية هو أن السعودية كانت تبيع بين 4.6 و5.7 مليون برميل يومياً في الربع الثاني، ثم اعترفت في بيانات الربع الثالث بتراجع المبيعات إلى أقل من ثلاثة ملايين برميل. أي خسارة تزيد على 150 مليون برميل خلال ثلاثة أشهر، بما لا يقل عن 15 مليار دولار من الإيرادات النفطية وحدها. ويضاف إلى ذلك أن الإيرادات النفطية انخفضت 23% خلال الربع الثالث، وأن أرامكو اضطرت لبيع الخام بخصمٍ بسبب ارتفاع تكاليف المخاطر والنقل، فيما تراجعت صادرات الخليج عبر مضيق هرمز فعلياً.
أما المصافي، فقد أصابها ما أصاب القلب: مصفاة رأس تنورة — الأكبر في المملكة بطاقة 550 ألف برميل يومياً — أوقفت عملياتها لمدة 15 يوماً على الأقل بعد استهداف وحدة تقطير النفط الخام فيها ومصفاة جيزان (400 ألف برميل يومياً) خرجت من الخدمة منذ أواخر يوليو. وقدرة التكرير السعودية انخفضت بنسبة 25% قبل الهجوم على رأس تنورة، وإصلاح المصافي يستغرق شهوراً ومصفاة الرياض ورابغ وينبع ومجمع بقيق الاستراتيجي — أكبر مجمع لمعالجة النفط الخام في العالم — كلها في مرمى النيران هذه ليست أضراراً عابرة، بل بنية تحتية تحتاج إلى سنواتٍ وضخ استثماراتٍ جديدة لإعادة تشغيلها.
-
العجز… فاتورةٌ تُدفع بالدين
في الربع الثالث، سجلت الحكومة السعودية عجزاً في الميزانية بلغ 84 مليار ريال (22.4 مليار دولار)، بزيادةٍ تقارب 145% عن الربع السابق. وبحساب الأشهر التسعة الأولى من العام، بلغ العجز 244.3 مليار ريال (نحو 65 مليار دولار)، متجاوزاً المستهدف للعام كله البالغ 44 مليار دولار وتخطط الوزارة لعجزٍ كل عام حتى 2029، ورصيد الدين العام وصل إلى 1.774 تريليون ريال في نهاية الفترة، مقابل 1.519 تريليون في بدايتها، منها 1.136 تريليون دين داخلي و637.6 مليار دين خارجي، والدين الحكومي الآن 38 ضعفاً مما كان عليه في 2014.
السؤال الذي يطرحه المراقبون: هل تعيش السعودية على بطاقة ائتمان؟ الإجابة ليست في الأرقام وحدها، بل في التوقعات: مع استمرار العدوان على اليمن وإيران وارتفاع الإنفاق العسكري، وبلوغ الإنفاق الحكومي ذروته في الربع الأخير، يُتوقع أن يتسع العجز أكثر بنهاية العام وحين تتراجع الثقة لدى المؤسسات المالية، تصبح الخيارات محدودة: اقتراضٌ من البنوك الدولية، وزيادة الدين العام الخارجي، واستقطاب استثمارات أجنبية، وربما تسهيل بيع أجزاءٍ إضافية من أسهم أرامكو وهذا ما يصفه أحد الاقتصاديين بأنه "طريقٌ نحو فرض ضرائب على المقيمين في المستقبل" — وهو ما يعكس إحجام الرياض عن خفض الإنفاق العام، وترك خيارات السياسة المالية محدودةً للغاية.
-
ماذا قال الإعلام الغربي؟
لم تكن الصحافة الغربية أقل قسوةً من الأرقام، بلومبرغ قالت إن العجز الفصلي تضاعف بأكثر من مرتين، وإن الحرب قوّضت جهود خفض التكاليف، وإن الرياض تنفق المزيد لشن الضربات وصد الهجمات وتجاوز مضيق هرمز. وأضافت أن الصراع يعطّل صادرات النفط الخام — المصدر الرئيسي لإيرادات البلاد — ويؤدي إلى زيادة الإنفاق الحربي. وتحدثت عن مسؤولين تنفيذيين وعاملي شركات يخشون السفر إلى الرياض جراء المخاوف الأمنية، وعن أن استمرار اضطراب السفر قد يدفع الشركات متعددة الجنسيات إلى "إعادة تقييم حجم تعرضها للمخاطر في السعودية على المدى الطويل".
وول ستريت جورنال قالت إن الأنشطة غير النفطية عاجزةٌ عن تعويض تراجع القطاع النفطي، وإن إحجام السعودية عن خفض الإنفاق قد يمهد لضرائب على السكان، والجارديان تحدثت عن امتداد التداعيات إلى الفعاليات الرياضية والترفيهية، وعن استمرار الفشل السعودي في اعتراض الصواريخ والمسيرات اليمنية أو الحد من تأثيرها. و "جيروزاليم بوست" العبرية كشفت أن "طيران الرياض" تواجه انتكاسة حقيقية مع تجديد بوليصة التأمين ضد مخاطر الحرب في نوفمبر، وأن قدرة اليمنيين على فرض قيودٍ فعلية على حركة الطيران "لا تقتصر على التأثير العسكري فقط، بل تمتد إلى إرباك المشاريع الاقتصادية الكبرى في المنطقة". وموقع "كالكاليست" العبري تحدث عن "غموضٍ اقتصادي في السعودية وسط غياب تقديرٍ شامل للخسائر"، وعن أن تأجيل "دافوس الصحراء" يشكل ضربة لصورة المملكة وجهودها لتقديم نفسها مركزاً مستقراً وآمنًا للاستثمارات. وأوبزرفر" للأبحاث رأت أن اليمنيين يوظّفون الجغرافيا كورقة ضغط، وأن استهداف الرياض من شأنه أن يدمر الواجهة التي تجسد رهان رؤية 2030. ومعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي خلص إلى أن اليمنيين قادرون على جعل المرور عبر باب المندب خطيراً ومكلفاً وغير قابل للتنبؤ.
بل إن صحيفة سعودية بارزة كتب كاتبٌ فيها مقالاً تساءل فيه: "من يعجز عن حماية نفسه لا يملك احتكار حماية الآخرين" — وهي عبارةٌ تكفي وحدها لتلخيص ما وصلت إليه الحالة.
-
المنشآت الحيوية تضاعف الكلفة
ما يجري اليوم ليس مجرد تصعيدٍ عسكري عابر، بل إعادة رسمٍ لخريطة الاقتصاد السعودي بالقوة فالصواريخ والمسيرات اليمنية لم تستهدف جداراً إسمنتياً، بل استهدفت المعادلة التي بُنيت عليها المملكة: أن النفط يُموّل التنويع، وأن التنويع يجذب الاستثمار، وأن الاستثمار يصنع صورة "الوجهة الآمنة" وحين سقط الحلقة الأولى — النفط — سقطت معها السلسلة كاملة.
الأرقام تقول إن السعودية تواجه أسوأ أداء اقتصادي لها منذ سنوات، وإن ما كان يُسمّى "خطة تحولٍ بمليارات الدولارات" أصبح الآن يتطلب "إعادة هيكلة" و "ضخ استثماراتٍ جديدة" و "وقتاً طويلاً" لكن السؤال الأعمق ليس عن حجم الخسائر، بل عن تكلفة استمرار التصعيد فما دامت الاعتداءات على اليمن قائمة، ستستمر المعادلة اليمنية: "الحصار بالحصار، والمطار بالمطار، والمرافئ بالمرافئ" وحينها، قد لا تكون الخسائر السعودية في بدايتها فحسب، بل قد تكون الأيام المقبلة أشد تأثيراً على حركة النفط وصناعته — وهو ما يعني أن الفاتورة لم تُغلق بعد، وأن ما نراه اليوم ليس سقف الأزمة، بل مجرد بدايتها.
