مـوقع دائرة الثقافة القرآنية – صنعاء – 21 ربيع الأول 1448هـ
تقرير / منصور البكالي
بث الإعلام الحربي اليمني، اليوم الخميس، مشاهد نوعيّة لعمليات استهداف تحشيدات العدوّ السعودي في الأراضي اليمنية، عبر طائرات "رجوم" المسيّرة، والتي تمثل تحولاً تكتيكياً في مسار المواجهة الميدانية، حاملةً في طياتها رسائل ودلالات تعكس مستوى الإطباق الاستخباراتي لصنعاء وقدرتها على رصد ومتابعة كافة تحركات العدو وتجمعاته، وتتبع تكتيكات خططه البديلة وإعادة الانتشار في وحدات صغيرة أو داخل التحصينات والدشم للهروب من الضربات الواسعة.
ووفقًا للمشاهد عكست دقة الإصابات من ارتفاعات شاهقة، ومستوى التطور التقني والجاهزية الاحترافية، للمشغلين في التعامل مع الأهداف المتحركة والثابتة على حد سواء، ما يؤكد أن القدرات اليمنية باتت تفرض معادلة ردع جديدة، تمسك بخيوط المعركة الزمانية والمكانية، وتثبت نجاح القوات المسلحة في شلِّ المبادأة وإبطال خطط تحشيدات وترتيبات عسكرية استمرت، منذ 4 أعوام من التهدئة، لتوجه رسالة مفادها؛ أن أيّ محاولات للالتفاف على الحصار أو نقل المعركة لخدمة الأجندة الأمريكية والصهيونية؛ ستواجه بردعٍ عسكري واقتصادي مضاعف يرفع كلفة التصعيد ويفشل كافة خيارات العدو السعودي البرية والبحرية والجوية، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
-
رصد استخباراتي يحبط خطط التصعيد
وفي سياق القراءة التحليلية لهذه التطورات، قدم خبراء عسكريون واقتصاديون رؤى تفصيلية لمسرح العمليات ورسائل صنعاء، ودلالاتها وابعادها؛ حيث أكّد الخبير العسكري العميد مجيب شمسان أن المشاهد التي بثها الإعلام الحربي لطائرة "رجوم" تعكس تطوراً كبيراً في القدرات اليمنية وإطباقاً استخباراتياً كاملاً يراقب تحركات العدو وتجمعاته بدقة متناهية من ارتفاعات شاهقة.
وأوضح أن الضربات الاستباقية للعمليات اليمنية شلت التحشيدات العسكرية الكبيرة والمستمرة منذ سنوات في مختلف الجبهات، بما فيها ما وراء الحدود ومناطق الساحل والمحافظات الشرقية المحتلة، وأحبطت المخططات الأمريكية والسعودية والصهيونية، الرامية لفتح مواجهات جديدة تخدم توجهات كيان العدو الإسرائيلي، وتدار برقابة واشراف وشراكة متكاملة، أمام فشل منظومات الدفاع الجوي والأساطيل الأجنبية في حماية أطماع الأعداء المستهدفين للسيادة اليمنية.
وأشار العميد شمسان إلى أن التصعيد وعمليات القوات المسلحة في البحرين الأحمر والعربي واستهداف العمق الحيوي، لفلسطين المحتلة من قبل كيان العدو الصهيوني، خلال معركة الإسناد اليمني لغزة، وادت إلى إغلاق ميناه أم الرشراش "إيلات" ومنع ملاحة العدو خلال عامين، إضافةً إلى استهداف عمق العدو السعودي، وتكبيد اقتصاده خسائر فادحة وتراجعاً ملحوظاً في التصنيف الائتماني ومستوى الأمان المالي والاستثماري، شملت تراجع توريدات النفط وتعطل المشاريع الكبرى والمرتبطة بالبنية الرقمية والتكنولوجية، إلى جانب استنزاف هائل للمخزون الاستراتيجي من صواريخ "الباتريوت وثاد" بما يزيد عن 4000 صاروخ، ويعمق مخططات العدو السعودي ويهدّد استقرار رؤيته الاقتصادية المستقبلية.
-
شلل عملياتي للخصم
وفي السياق ذاته، يوضح الخبير العسكري اللواء خالد غراب أن العمليات العسكرية انتقلت إلى مربع التمشيط الدقيق الذي يشمل كل تجمع للعدو والأهداف التي حرص على تمويهها، ما يؤكد وجود عملية استطلاع ومتابعة دقيقة جوية ورقمية لا تسمح للعدو بالتحرك لتجميع قواته أو تأمين إمداداته، حيث توزع العدو في الساحل أو في مأرب إلى مجاميع صغيرة.
وأشار إلى أن هذه العمليات تأتي في إطار معركة السيادة وتحرير البلاد، لتوحي بأن هناك عمليات استئصال دقيقة وليست موضعية ضمن مسرح عمليات متسع، بالتزامن مع توحيد المسارين السعودي والصهيوني، بعد الهزيمة التي تلقها كيان العدو الإسرائيلي وإغلاق ميناء أم الرشراش وتلك العمليات اليمنية التي جعلت ملايين الصهاينة يهرعون إلى الملاجئ، وأغلقت ومطار اللّد "بن غوريون" وقواعد "رامات ديفيد ونيفاتيم" في يافا المحتلة "تل أبيب" وحيفا والنقب، وما أعقبها من تبشير المجرم نتنياهو ووزير حربه المجرم "كاتس" باللجوء إلى من يسمونهم بـ"الحلفاء الإقليميين والمعارضين لأنصار الله في الداخل"، لتجنيدهم وتزويدهم بالأموال والسلاح والمعلومات المخابراتية والأقمار الاصطناعية.
ويلفت غراب في حديثة لقناة "المسيرة" اليوم الخميس، إلى أن نشر هذه المشاهد تمثل رسالة لكل المتواجدين في تلك المناطق بأن فرصة المغادرة التي دعت إليها صنعاء للمغرر بهم قد انتهت أو تكاد، بعد أن أصبحت الاستهدافات مركزة على المجاميع المتوزعة والمموّهة في المزارع والأحراش والمناطق الجبلية، مؤكداً أن معركة الحصاد بدأت وأن طائرات "رجوم" أصبحت ذات أجيال متطورة وكثافة نارية عالية عبر تخطيط تكتيكي دقيق يدمج التصوير المستمر والمقارنة بين اللقطات السابقة واللاحقة لتطهير مسرح العمليات بالكامل من المعسكرات البديلة وخطوط الإمداد القريبة والبعيدة في الساحل والجنوب والشرق كامتداد من حدود الجوف إلى الوديعة ومن المخا والخوخة وما تلاها.
ويقول اللواء غراب: "لم يعد العدو مؤمناً أو قادراً على تلقي الضربات التي شتتت تفكيره وخططه، ليصبح انتشاره عشوائياً للآليات والمدرعات والقوات البشرية في المزارع والأحراش والمناطق الطبوغرافية والتضاريس المختلفة كمن يهرب بنفسه، محاولاً التمويه بالتحصينات والطرابيل والتباب والجبال أو بالقرب من مساكن المواطنين، وسط تحذيرات صنعاء المتكررة للمواطنين بعدم قبول تواجد قوات أو مخازن أسلحة في أحيائهم لأن عملية استئصال التحديدات التابعة للرياض بعد قرار تحرير اليمن من الغزاة، لن ينجو منها أحد إلا من استوعب الإنذارات وعاد إلى أهله وحضن وطنه خلال ما بقي من الوقت المتاح، وقبل انقضائه.
من جانبه، يرى الخبير العسكري العقيد أكرم كمال سيروي أن المعركة اليوم تمتد من إطار المواجهة بين اليمن والسعودية، إلى مواجهة إقليمية ودولية أوسع في مواجهة الهيمنة الأمريكية، الصهيونية في المنطقة، وأماكن أبعد من ذلك، حسب ما يعكسه اجتماع قمة "شنغهاي" من تشكيل جبهة في مواجهة العدوان والفرض القسري للقرارات والغطرسة الأمريكية في السيطرة على العالم.
وعلى مستوى الهجوم التكتيكي، يذكر "سيروي" أن هناك مسألتين أساسيتين تتمثل الأولى في التطور الكبير في التسليح اليمني والقدرة على توجيه ضربات قاسية مؤلمة وفعالة من خلال إطلاق كميات من الصواريخ دفعةً واحدة، تصيب أهدافها بدقة دون أي تصدي وتحدث دماراً في قوات العدو.
وتتمثل المسألة الثانية في الاستخدام المكثف للمسيّرات التي تجاوزت الطائرات الانتحارية التقليدية إلى استخدام طائرات "رجوم" التي تستطيع حمل وإطلاق نحو خمس قذائف من ارتفاعات شاهقة، ما يختصر الوقت ويلحق أضراراً كبيرة بالعدو، وتضعه في منطقة مراقبة لا يستطيع خوض معركة فيها، فضلاً عن دقة التصوير والمراقبة التي تدخل بكاملها في حسابات خوض المعارك.
-
معركة على خطوط الإمداد والممرات المائية
وفي قراءته لأهمية المحور الغربي والساحلي الممتد من الحديدة باتجاه المخا وباب المندب، يقول سيروي: إنّ "المعركة تدور حول السيطرة على الممرات والمعابر المائية الحيوية للتجارة الدولية وخاصة مضيقي هرمز وباب المندب، حيث تسعى أمريكا وكيان العدو الإسرائيلي وحلفاؤهما للتحكم بهذه المضائق والممرات التي تعتبر جزءاً من معركة كبرى تخدم الأجندة الاستعمارية الصهيوأمريكي".
ويُشير إلى أن القوات المسلحة اليمنية نجحت في إفشال المخطط الأمريكي الصهيوني الرامي للسيطرة على الساحل اليمني والذي ينفذ بأيدي بعض المجاميع والتحشيدات التابعة للرياض، والذين يعانون من ضعف الجاهزية والقدرة العسكرية وغير قادرين على تغيير الموازين أو تنفيذ المخطط الكبير.
ويوضح أنه وفي سياق الامتناع الأمريكي عن تقديم دعم مباشر للحلفاء والسعودية، في مواجهة اليمن، خلال هذه المرحلة؛ فإن المانع يتمثل في كون أمريكا باتت تخشى المواجهة المفتوحة مع القوات المسلحة بعد تجربتها الطويلة وتحديداً في عهد ترامب لأكثر من 50 يوماً، والتي تكبدت خلالها القوات الأمريكية تكاليف باهظة واستنزافاً كبيراً أجبرها على الهروب من البحر الأحمر، لتلجأ السعودية والتجمعات التابعة لها لخوض المعركة بالنيابة عن أمريكا وحماية اطماعها ومهاجمة القوات المسلحة اليمنية التي منعت حركة السفن العابرة إلى كيان العدو الصهيوني، وحشر العدو في زاوية العجز لفترة طويلة.
ويضف "سيروي" أن المشاهد الحية تؤكد أن القوات المسلحة نجحت على أكثر من مستوى، سواء على المستوى التقني والتكنولوجي وتطوير أسلحتها، أو على مستوى الرصد والاستعلام وتوجيه ضربات مؤلمة، لا سيما بعد إحباط محاولات حشد قوات كبيرة كانت تحضر لعملية هجومية باتجاه الحديدة، حيث تم تشتيتها وتفرقتها بسبب الضربات القاسية، لتصبح تلك القوات عاجزة عن تنفيذ أي عملية هجومية، وعن تجنب الضربات المستمرة، لتكون القوات المسلحة اليمنية، سباقة للعدو في تنفيذ عملية هجومية مركبة ناجحة حققت الهدف الأساسي المتمثل في منع العدو من تحقيق أهدافه واكتساب الأسبقية العملياتية الشاملة في مسرح العمليات.
-
ردع وخسائر اقتصادية
وفي الشق الاقتصادي ورسائل المشاهد للعدو السعودي بالتزامن مع استمرار معادلة "الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد" ومنع ملاحة السفن السعودية من البحر الأحمر، يؤكد الخبير الاقتصادي "يعرب خير بيك" أن هناك تصاعداً في الخسائر التراكمية التي تحصل اليوم بسبب الموقف الذي وضعت السعودية نفسها فيه، مبيناً أن الإشكال الحقيقي يكمن في الرؤية التراكمية لهذه الخسائر، خصوصاً من ناحية العقود التي كان يتم مناقشتها والكثير من المشاريع المؤجلة والتي تم التحضير لها منذ فترة.
في إشارةٍ إلى المشاريع السعودية التي كان يجب أن تبنى والخطوط التي تم العمل عليها لإرسال النفط باتجاه البحر الأحمر، ناهيك عن القطاعات التكنولوجية وما تم البناء عليها من مشاريع، لافتًا إلى أن هناك ما لا يقل عن 17 مشروعاً أوروبياً وغربياً لدعم البنية التكنولوجية انطلقت بين الإمارات والسعودية ويرصد القطاع المالي والاقتصادي السعودي خسارتها اليوم بشكّل كبير ومتتالي.
ويوضح الخبير "بيك"، أن الخسائر المستقبلية للعدو السعودي تتوالى، نتيجة نقص توريد النفط وتغيير الطرق باتجاه البحر الأحمر وتكاليف تغيير هذا المسار؛ غير أن الخسائر الكبرى تكمن فيما تم البناء عليه من مشاريع قادمة وخصوصاً في قطاع التكنولوجيا، يضاف إليها فقدان الأمن والتصنيف الائتماني وتصديق اعتماد المشاريع وأنها آمنة في السعودية والذي هبط إلى أكثر من الثلث، الأمر الذي يكلف تراكمياً قوة أمان القروض وتكاليف الإنتاج بشكّلٍ عام، وتتضرر مختلف القطاعات التي كان البناء عليها كقيمة، ما يجعل أي أرقام تظهر اليوم تملك أضعافاً مضاعفة تراكمياً تؤثر على مدى استمرار هذه المعارك، وتضع السعودية أمام مسؤولية تاريخية لمراجعة موقفها وضبط الوضع منعاً لارتفاع الخسائر.
ويعتبر أن خسائر نقص التوريدات، تتجلى في كون التوريدات التي كانت السعودية ملتزمة ببيعها لا تصل اليوم، ما يحرف طريق الشراء ويدفع المستوردين باتجاه مصادر أخرى أو الاعتماد على حلول بديلة بعد تجاوز انقطاعات الشهر والشهرين والثلاثة واضطرار المستورد للبحث عن البدائل، كالتهريب لبعض النفط الروسي والحديث عن قطاعات الطاقة البديلة وآليات التقليل، فضلاً عن كون النفط السعودي الذي كان أقل تكلفة بات يواجه ارتفاعاً كاملاً في الأسعار بعد تغير الواقع ومصادر النفط العالمية، لتتركز الخسائر الكبرى في ضرب خطوط الإنتاج والبيع التي كانت مرسومة ومستقرة في رؤية المملكة على موارد مستدامة وثابتة لم تعد كذلك، حتى لو عاد كل شيء اليوم فحصول تغيرات كثيرة تضغط باتجاه تقليل الأسعار أو تحديد الحصص.
ويؤكد "خير بيك" أن العالم لن يقف منتظراً لإغلاق المضائق، خاصة بعد درس إغلاق مضيق هرمز 6 أشهر وهي نصف دورة أو دورتين لقطاعات الأعمال لا يمكن أن تمر إلا بالبحث عن بدائل تعزيز مناطق الطاقة البديلة وقطاعات تعتمد أقل على النفط وتعزيز خطوط شراء أخرى، وهو فاقد يؤثر على إمكانيات العمل القادمة التي بنيت على رؤية كان يجب أن تكون مستقرة ودائمة، إضافةً إلى تغيير خطوط الإنتاج وما سيرافقه من إصلاحات كبيرة ستحتاجها السعودية في المستقبل.
ويصل الخبراء العسكريين والسياسيين إلى أن عرض مشاهد استهداف التحشيدات التابعة للعدو السعودي، تبعث بأربع رسائل لها دلالاتها وابعادها، تتمثل في: "الإطباق الاستخباراتي الكامل، والاحترافية والتطور التقني، وشلل المبادأة وإبطال خطط التصعيد، فرض معادلة الردع ورفع الكلفة".
وتؤكد المشاهد النوعيّة الحيّة أن القوات المسلحة اليمنية، حققت أسبقية عملياتية شاملة، باعثةً برسالة مفادها أن أيّ محاولة للتصعيد أو الالتفاف على الحصار ستواجه بردعٍ عسكري واقتصادي مزدوج يرفع كلفة العدوان ويفشل كافة خياراته البرية والبحرية والجوية.
