مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - متابعات - 2 ذو الحجة 1447هـ
ألقى السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي، اليوم الثلاثاء، محاضرته الأولى ضمن سلسلة (إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ)، تحدث فيها عن أهمية وعظمة تعاليم القرآن الكريم وحاجة الأمة الإسلامية في ظل الصراع مع اليهود والصهاينة وما هي النتائج الإيجابية التي ستحصل عليها الأمة من الالتزام بهدى الله باعتبارها السبيل الأوحد للخروج من وضعية الذل والهوان والانحطاط التي تعيشها الأمة الإسلامية.
وشدد السيد القائد على أهمية الرجوع إلى القرآن الكريم لأخذ الرؤية الصحيحة منه في صراعنا مع اليهود الصهاينة، وأكد أن الرؤية الصحيحة والخيار المجدي لن نحصل عليه إلا من خلال هدى الله، القرآن الكريم الذي يقدم أرقى رؤية وأرقى طريقة وأكمل ما ينبغي أن نتحرك على أساسه من مفاهيم وأسس صحيحة.
وبيّن أن في مقدمة ما نحتاج إليه هو الوعي العام والبصيرة النافذة، وعي بالعدو وبحقيقته ومعرفة مؤامراته وما يسعى له، والوعي عن أهدافه بشكل عام ، والواقع بشكل عام ، والوعي عن الموقف الصحيح الذي ينبغي أن نتبناه وأن نتحرك على أساسه تجاه المخاطر التي تستهدفنا. وأضاف: "نحتاج إلى الوعي بمسؤوليتنا الدينية التي ينبغي أن نقوم بها امتثالاً لأمر الله تعالى، والتي سنحظى حينما نتحرك على أساسها بشكل صحيح بعون من الله".
وأوضح أننا في هذه المرحلة، ونحن في ذروة الصراع بيننا وبين أعدائنا، أعداء الإسلام، اليهود وأعوانهم، والموالين لهم من النصارى وغيرهم، نجد أنفسنا في أمسِّ الحاجة إلى تكثيف العمل التوعوي، والجهود التوعوية، لاستيعاب هدى الله سبحانه وتعالى، والمفاهيم القرآنية، التي ترفع مستوى وعينا.
وأكد أن الرؤية الصحيحة، والموقف الصحيح، والاتجاه الصحيح، والخيار الحكيم، المجدي، النافع، المفيد، لن نحصل عليه إلَّا من خلال هدى الله سبحانه وتعالى، من خلال القران الكريم. فأرقى رؤية، وأرقى طريقة، وأكمل ما ينبغي أن نتحرَّك على أساسه من مفاهيم وأسس صحيحة، نحصل عليها من خلال القرآن الكريم، كتاب الله.
ولفت إلى أن من أعظم ما في القرآن الكريم، وفي مقدِّمة ما يعنيه لنا القرآن الكريم: أنَّه كتاب هداية، يهدينا الله به إلى ما نحتاج فيه إلى الهداية، كما قال جلَّ شأنه: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ}[المائدة:16]، فنحن في أمسِّ الحاجة إلى العودة إلى القرآن الكري الكريم، وأن نستوعب منه الأسس والمفاهيم بشكلٍ عام. موضحا أن الإنسان بحاجة دائمة إلى المزيد والمزيد من الاستيعاب، والتفهُّم، والإصغاء؛ لأن هذا يساعد الإنسان على ترسيخ المفاهيم الصحيحة، والثوابت المهمة، وفي نفس الوقت الاستحضار لها، في الوقت الذي يحتاج إلى استحضارها في ميدان العمل، تجاه المتغيرات والمستجدات، في مواجهة ما نواجهه من هجمات الأعداء في كل المجالات.
وشدد على أن الأمة لا يمكن أن تصل إلى نتيجة في التعايش والتفاهم مع اليهود الصهاينة لأن كيانهم يقوم على أساس الفساد والاستكبار، لافتا إلى أن فساد اليهود الصهاينة يتجه إلى الناس، وهذا ما حصل منذ بداية احتلال فلسطين وإلى اليوم.
وأمام الفساد والخبث اليهودي، أوضح السيد أن كثيرا من الأنظمة الإسلامية وفي أوساط النخب لا تملك رؤية صحيحة عن اليهود الصهاينة، وهم يروجون لإمكانية السلام والتعايش معهم على اعتبار أن ذلك بات أمرا واقعا فالحالة القائمة في أوساط الأمة الإسلامية هي حالة اضطراب وتعامل بشكل غير صحيح تجاه العدو، وبالتالي فإن القرآن الكريم هو الذي يقدم الرؤية الصحيحة لمواجهة اليهود الصهاينة. وأضاف: "بدلا عن أن يكون الإنسان مجرد متلق لكثير من الضلال الذي يأتي من قبل الأعداء ينبغي أن يتجه إلى المصدر الموثوق وهو القرآن الكريم لأن ما يقدمه هي حقائق لا ريب فيها".
وأوضح أن من المحفزات الكبيرة والمميزات الكبرى لأن يتجه الإنسان بجهده وطاقته وإمكاناته للالتزام بهدى الله وتعاليم القرآن أن الإنسان يحظى بكل الخير من الله فيكسب العزة والكرامة والنصر والمعونة ومكاسب كبيرة منها السمو بإنسانية الإنسان وفي نفس الوقت تعاليم الله تضمن مستقبلك الأبدي في الجنة وهذا الإغراء للعمل بالقرآن الكريم والاهتداء به لا مثيل لها في الرؤى الأخرى المرتبطة بالشيطان والتي تكون نتيجتها الخسران الأبدي ولذلك لا مبرر للتنكر لنعمة الهداية التي هي أفضل طريقة لتستقيم الحياة، لافتا إلى أن ما يقابل التنكر لنعمة الهداية هو أشد العقوبة وهي جهنم لأن الاتجاهات الأخرى هي كارثية في الحياة ينتج عنها تمكين الظلم والتمكين للطغيان والفساد والنتيجة كارثية.
وأبدى السيد القائد أن الصراع مع اليهود من أخطر الأمور التي لها تأثير كبير على واقع الأمة الإسلامية إلا أن الكثير من أبناء الأمة يتعامل مع تعاليم الله وكأنها من أبسط الأمور التي يمكن التعامل معها بالمزاج الشخصي وكأن هدى الله كلام لأي شخص آخر وهذه الحالة كارثية.
وأشار إلى أن ثمرة الاهتداء بالقرآن الكريم هي إحداث النقلة الكبيرة في واقعنا من حالة الضعة والهوان والشتات والانحطاط النفسي الذي يقبل بسيطرة اليهود، موضحا أن نعمة الهداية تتجلى في نفسيات الناس فتؤهلها لتؤدي دورا عظيما في الحياة وهي متخلصّة من الشوائب التي تهوي بنفسية الإنسان فالقران يصنع نفوسا طاهرة تتجه بطهارتها نحو المسارات الصحيحة والمواقف الكبيرة بكل رغبة ومحبة.
وأضاف أن نعمة الهداية من الله سبحانه وتعالى تتجلى في نفوس الناس فتغيرها نحو الأفضل وهذا ما نحتاج إليه في التغيير وكذلك في التصرفات والأعمال والمواقف وحتى يكون التعامل مع الناس تحكمه التعاليم القرآنية بعدما يكون الإنسان قد تخلّص من الحالات المزاجية وكذلك في المواقف فيتجه الإنسان للمواقف الصحيحة والحكيمة.
وتساءل السيد القائد: "كأمة مسلمة، إذن ماذا ينبغي علينا أن نعمل تجاه ذلك؟ ما هي الرؤية الصحيحة؟ ما هي الفكرة الصحيحة تجاه ذلك؟ من أين نستقيها؟ من أين نتزود بهذه الرؤية؟ من أين نحصل على الرؤية الصحيحة؟ ما هو المصدر الذي نثق به ونعتمد عليه في أن تكون لدينا رؤية صحيحة تجاه ذلك؟".
وأكد أن هذا شيء مهم بالنسبة لنا كمسلمين؛ لأن الحالة القائمة في أوساط الأمة هي حالة اضطراب رهيب جداً، وتعاملٌ بشكل غير صحيح، والكثير من أبناء أمتنا من الأكاديميين والسياسيين والعلماء والمتعلمين، ومعظم أبناء هذه الأمة، لم يتجهوا أصلاً إلى دراسة هذا الموضوع باهتمام وجدية ومسؤولية وعناية بحجم ما يشكله من خطورة وأهمية، وإنما يكتفي الكثير منهم بمواقف ارتجالية وبكل بساطة، فيتخذ قراراً حاسماً إما بالتنصل التام عن المسؤولية وترسيخ حالة اليأس والاستسلام في الأمة، أو بالدفع نحو خيارات خاطئة وكارثية في التمكين لأولئك الأعداء، والتوجه نحو العلاقة معهم والولاء لهم بما يمكنهم من الحصول على ما يريدون، والنتيجة كلها شر وخطر كبير على هذه الأمة في الدين والدنيا.
ونوّه إلى أنه "بدلاً من المواقف الارتجالية، والآراء المضطربة، والتحليلات الخاطئة، والأفكار الباطلة، والتصورات المغلوطة، ينبغي أن يكون المصدر الأساسي الذي نعود إليه هو القرآن الكريم؛ لأنه لا أحد من الناس، مهما كانت عبقريته وقدرته في التحليل السياسي والفهم السياسي، ومهما كان يمتلك من خلفية ثقافية ومعرفية تاريخية وغيرها، ومهما كان لديه من مهارة عالية في الاستقراء للواقع، لا يمكنه على الإطلاق أن يصل إلى مستوى القرآن الكريم، إلى مستوى هدى الله، إلى مستوى ما يقدمه الله لنا من الهدى.
وأوضح أن صيغة التأكيد في قوله تعالى: ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ دليل لكي نكون على ثقة تامة من ذلك، ولكي نتجه ونحسم المسألة بدلاً من أن نكون في حالة فوضوية، وحالة اضطراب، وتلقف للمفاهيم والتقديرات الخاطئة، والتصورات والتحليلات والمواقف الارتجالية، مبيناً أنه بدلاً من الحالة المضطربة والفوضوية في هذه الأمة يجب أن نتجه إلى القرآن الكريم، وأن هذا من الأمور المهمة التي ينبغي أن نعيها، وأن يحسم الإنسان المسلم المسألة من أساسها.
وحذر من خطورة أن يكون الإنسان مجرد متلقٍ كالصحن اللاقط من هنا وهناك للأجوبة المضطربة والمغلوطة، وبينها الدسّ والكثير مما ينتجه الأعداء لتضليل هذه الأمة حتى في الموقف منهم، مضيفاً: "ليس ما يسمعه الإنسان من رؤى وتحليلات وتصورات وأفكار مجرد أفكار خيالية مضطربة وتقديرات خاطئة وارتجالية فحسب، بل بينها الكثير مما سربه اليهود وأنتجوه للتأثير على الرأي العام؛ لأنهم يهتمون بهذه المسألة غاية الاهتمام، ويحرصون دائماً على أن يحتووا الموقف وردة الفعل من هذه الأمة تجاه مؤامراتهم وطغيانهم ومساعيهم لتحقيق أهدافهم الظلامية، الشيطانية، العدوانية، المدمرة التي تستهدفنا كأمة مسلمة".
وأكد أن الله سبحانه وتعالى "حسم المسألة بالاتجاه إلى المصدر الموثوق بكل ما تعنيه الكلمة، في أن ما يقدمه لنا هو حقائق لا ريب فيها ولا شك فيها؛ لأن القرآن الكريم هو كتاب الله، هدىً من الله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، يعلم الغيب والشهادة، يعلم بكل خفايا الأمور وذات الصدور بما يجري في واقع البشر والعباد، فسبحانه وتعالى من رسم السنن في هذه الحياة، وهو المدبر لشؤون السماوات والأرض، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولذلك نمسك كل الثقة بما يهدينا إليه، وبما يعلمنا من الحقائق عن أعدائنا".
و شدد السيد القائد على ضرورة أن تكون لدينا قاعدة أساسية وراسخة في قول الله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾، أي أنه أعلم بهم منا ومن كل أحد، من كل جهاز استخباراتي، ومن كل جهة سياسية، هو الأعلم بهم من كل أحد، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ حينما يخبرنا من هم هؤلاء الأعداء؟ كيف هم؟ ماذا يريدون؟ ماذا يسعون لتحقيقه؟ ماذا يشكلون من خطورة علينا؟ كيف ينبغي أن نتحرك لمواجهتهم؟ ماذا علينا أن نعمل؟ إلى آخر التفاصيل الكثيرة، مضيفاً "هو يقول لنا ويعلمنا، وهو يعلم بكل شيء عن علم، ليس هناك مجرد تحليلات قد يكون فيها الصواب والخطأ، أو قد يكون فيها تقديرات غير دقيقة".
-
حاجة الأمة إلى أقوم طريقة في مواجهة الأعداء
وتساءل السيد القائد في محاضرته اليوم: "ألسنا بحاجة إلى أقوم طريقة في مواجهة العدو؟ أقوم طريقة لأن نكون عليها في الحياة، أقوم طريقة في كل شؤوننا؟ فعلاً نحتاج إلى ذلك، فهو يقدم لنا الأقوم، الأرقى، الأحسن، الأفضل، والأعظم؛ هذا مهم بالنسبة لنا؛ لأنه يقينا من التخبط الذي وقع فيه العرب على مدى عقود من الزمن، ومنذ بدء الاحتلال البريطاني لفلسطين لأكثر من مئة عام، ثم من تمكينه للعدو الإسرائيلي، ونحن اليوم في العقد الثامن من الصراع الساخن مع العدو الإسرائيلي".
وقال: "المسألة هامة؛ لأن الناس يهدرون الوقت، والجهود، والإمكانات في خيارات خاطئة تكون نتيجتها التمكين للعدو أكثر، وأن يهبطوا بواقعهم إلى الأسوأ، وأن تكون الأضرار كبيرة والكلفة هائلة جداً في كل شيء؛ في دينهم ودنياهم وحريتهم وكرامتهم، فهذا يقيناً من الخيارات الخاطئة التي لها عواقب سيئة".
وأضاف: "في إطار هداية الله سبحانه وتعالى وما قدمه لنا في القرآن الكريم، كل ما نسير عليه في الاتجاه الصحيح موثوق ومضمون، تتحرك بثقة واطمئنان، وهذا شيء مهم أيضاً، مع أنه ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ بهذا المفهوم الشامل والواسع، ويهدي إلى الأداء الأقوم؛ يعني الطريقة التي نسير عليها، كيف نسير عليها بأرقى مستوى من الأداء"، مجيباً "حينما يهدينا الله إلى الموقف الصحيح، يهدينا أيضاً إلى كيف نتحرك في ذلك الموقف بأرقى مستوى في أدائنا العملي"
وبين السيد القائد أن لهذا أهمية كبيرة جداً، قائلاً: "كل ما يهدينا إليه، يهدينا أيضاً إلى طريقة تنفيذه بأرقى مستوى؛ مثلاً حينما يهدينا إلى التوحد والاعتصام بحبل الله جميعاً، وأن نكون أمة واحدة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وأن نتآخى في هذا الاتجاه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، فهو يهدي إلى التوحد على أكمل طريقة، أن نكون أنصاراً لله على أحسن طريقة، وأرقى ما تكون عليه أمة تنصر قضية على أحسن ما يمكن في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وهكذا، هذا ما يضمن لنا أن يكون أداؤنا العملي راقياً، وتحركنا بشكل صحيح".
واستطرد قائلاً: "حينما نستوعب، حينما نتفهم هدى الله سبحانه وتعالى؛ قد تحصل الكثير من الأخطاء، وقد يكون مستوى الأداء هابطاً، نتيجةً لماذ؟ لضعف الوعي، لعدم الاستيعاب الكافي، لعدم الالتزام بالقدر المفترض... إلى آخره. أيضاً حينما نسير على أساس القرآن الكريم، ليس فقط أننا سنحصل على الرؤية الصحيحة، والاتجاه الصحيح، والموقف الصحيح، وننسجم مع سنن الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة التي تكفل النجاح والنصر والاستقامة في شؤون الحياة، بل أكثر من ذلك؛ أنه صلة لنا بالله الحي القيوم — من أسماء الله الحسنى القيوم — والله سبحانه وتعالى يهدينا، وفي نفس الوقت هو المدبر لشؤون السماوات والأرض".
-
الرعاية والتدبير الإلهي في ميدان المواجهة
وأشار إلى أن الله سبحانه وتعالى ليس فقط يقدم الهداية ويتركنا للواقع، بل يمنّ علينا برعايته، ويشملنا بها في إطار تدبيره، تأتي من الله الرعاية؛ ولهذا يأتي من الله سبحانه وتعالى مع الهداية للموقف، الوعد بالنصر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾".
وأكد أن الله "لا يتعامل معنا كمستشار يقدم لنا المشورة والرؤية ويتركنا للواقع، ربنا الرحيم بنا مولانا نتولاه سبحانه وتعالى، فيشملنا برعايته، يهدينا في الواقع العملي مع الهداية التي قدمها في كتابه، تأتي هداية الإلهام، التوفيق، والتسديد في مسار العمل وفق هدايته بكتابه الكريم، وتأتي أيضاً في التفاصيل العملية التي نحتاج فيها إلى ذلك في كثير من الأمور، التي تمتد إلى تفاصيل كثيرة في إطار الموقف، والعمل، والمواجهة، والإنتاج، والتحرك في مختلف المجالات... إلى آخره".
وتابع: "ثم أيضاً يرعانا بأشكال الرعاية؛ المعونة، التيسير، التسديد، النصر، والتأييد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، والإمداد حتى بالسكينة على المستوى النفسي: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ الرعاية الواسعة، ومع ذلك يكتب لنا الأجر العظيم؛ ولهذا أتى في نفس الآية: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾، يعني يهدي للتي هي أقوم، وهذا الشيء نحتاج إليه جداً، نحن في أمسّ الحاجة، والهداية التي هي أقوم منّة عظيمة من الله علينا".
وزاد القائد: "ومع ذلك، حينما نتحرك فيما هو أقوم، أرقى، أحسن، أفضل، وأكمل شيء نسير عليه في مواقفنا وفي شؤون حياتنا، تستقيم به حياتنا، ونستفيد منه بشكل كامل، وننسجم — كما قلنا — مع السنن الإلهية التي رسمها الله في هذه الحياة وتستقيم بها هذه الحياة، مع ذلك يكتب لنا الأجر العظيم في الدنيا والآخرة؛ الأجر فيما يكافئنا به في الدنيا وفي الآخرة، الفوز برضوانه، الفوز بالجنة، الفوز بالنعيم الأبدي بأرقى نعيم، وهذا شيء عظيم جداً".
واعتبر أن "هذه من المحفزات الكبيرة جداً، والمميزات الكبرى، لأن يتجه الإنسان في هذه الحياة بجهده، بطاقته، بإمكاناته، باستثمار كل وقته وحياته في الاتجاه الذي يحظى فيه بكل هذا الخير، يعني أي رؤية أخرى، أي توجهات أخرى، ليس لها هذه النتائج، وهذه المحفزات، وهذه المكاسب الكبرى والعظيمة والمهمة. في هذه الدنيا تحظى بالعزة: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالكرامة، بالنصر، بالمعونة، بمكاسب كبيرة جداً تتحقق، وتسمو كإنسان لإنسانيتك، إطار لك، استجبت لله، اهتديت بهديه، تحركت وفق تعليماته، وفق هدايته، وفي نفس الوقت تضمن مستقبلك الأبدي في أرقى نعيم في الجنة، تحظى بالأجر الكبير، وحينما يقول الله هو: ﴿أَجْرًا كَبِيرًا﴾، بمعنى أنه أجر كبير جداً في كل موقف، في كل تحرك، في كل ما يتعلق بذلك الموقف من جهود أو متاعب أو صعوبات أو معاناة، كلها تكتب لك كما في الآيات المباركة من سورة التوبة؛ النصب، المخمصة، حتى حركتك حتى وأنت تمشي: ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾، كل شيء محسوب، مكتوب، تؤجر عليه، تثاب عليه، تحظى في مقابله من الله بالأجر".
-
عقوبة التنكر لنعمة الهداية
وأردف السيد القائد: "إذاً هذا إغراء كبير جداً للعمل بالقرآن، للعمل بالقرآن والاهتداء به، وأن يكون خيار الإنسان في هذه الحياة هو هذا الخيار وهذا الاتجاه، إغراءات عظيمة للاهتداء بالقرآن والعمل به لا مثيل لها في كل الرؤى الأخرى المباينة للقرآن، البعيدة عن القرآن، والتي هي مرتبطة بالشيطان ونهايتها جهنم، ونتيجتها الخسران الأبدي والعياذ بالله، لذلك يعتبر التنكر لهذه النعمة — نعمة الهداية التي هي أرقى هداية، أحسن وأفضل طريقة يمكن أن يسير عليها الإنسان في هذه الحياة وتستقيم بها هذه الحياة — التنكر لها والمباينة لها والابتعاد عنها ليس له أي مبرر".
وتساءل مستنكراً: "لماذا لا تقبل أن يقدم الله الأهدى بـ"التي هي أقوم" في كل شؤون حياتك فلا تقبلون بذلك؟ ماذا تريد؟ تتجه للآخرين إلى رؤاهم الناقصة، القاصرة، المغلوطة، التي فيها الكثير من الأخطاء والأباطيل، والتي لا يصحبها أي شيء مما يقدمه الله سبحانه وتعالى فتقبل بها؟ أو أنت بنفسك تعتمد على نظرتك القاصرة، فهمك المغلوط، تقديراتك الخاطئة بديلاً عن الاهتداء بما هو أقوم؟ ولهذا ما الذي يقابل التنكر لهذه النعمة الكبرى، حينما لا تقبل بأهدى وأقوم طريقة تسير عليها في هذه الحياة فتتنكر لها؟ قابل ذلك أشد عقوبة، أشد عقوبة وهي جهنم والعياذ بالله البديل عن ذلك؛ لأن الرؤى الأخرى والاتجاهات الأخرى هي كارثية في هذه الحياة، ينتج عنها تمكين الظلم، التمكين للطغاة، التمكين للجور، التمكين للطغيان، التمكين للفساد، فالنتيجة كارثية والعقوبة عليها هي جهنم والعياذ بالله".
واستشهد بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، موضحاً أن "هذا أيضاً احتجاج من الله على عباده حتى في يوم القيامة، حينما يستوعب من ابتعدوا عن هدى الله واتجهوا الاتجاهات المخالفة لهدى الله، ولا سيما أن الكثير من الأمور التي يجعلها الناس في نظرهم وتقديراتهم الخاطئة أموراً عادية، ويصنفونها بتصنيفات بسيطة، فيتعاطون معها ويتعاملون معها بشكل خاطئ وبكل استبساط لذلك؛ يعني يعتبرون المسألة عادية جداً، يتعاملون معها وفق مزاجهم بكل بساطة، وهي أمور كبيرة لها تأثيراتها الكبرى السلبية للغاية على حياتهم، وعلى دينهم، على واقعهم، على علاقتهم بالله، على مستقبلهم في الآخرة، لكنهم هم كان خطؤهم الأول الابتعاد عن القرآن حتى في تصنيف مستوى أهمية القضية وكيف ينبغي التعامل معها".
-
خطورة استبساط الصراع مع اليهود
وضرب السيد القائد مثالاً بالواقع قائلاً: "مثل ما هو حاصل الآن، كثير من الناس يعني مع أن الصراع مع اليهود من أخطر الأمور والقضايا التي لها تأثيرها الكبير جداً على واقع الأمة في دينها ودنياها، لا يزال الكثير من أبناء هذه الأمة يتعامل معه وكأنه من أبسط القضايا التي يكفي فيها التعامل وفق المزاج الشخصي، وفق أي فكرة يسمعها الإنسان من أي شخص، أو من أي تلفاز، من أي قناة، أو من أي إذاعة، أو يسمعون بها في أي مكان في مقيل أو سوق أو غير ذلك؛ هي كارثة هذه الحالة لدى الإنسان التي يتعامل معها بدون مسؤولية وبدون هدى وبدون بصيرة مع قضايا كبرى، فيستبسط المسألة غاية الاستبساط، يؤدي به إلى الخسران يوم القيامة، يرى الناس أنفسهم، الكثير منهم يرى نفسه خاسراً فيندم".
وتابع: "والله قد أقام الحجة على عباده، أن كتابه موجود بين هذه الأمة، لماذا لا تعود هذه الأمة إليه؟ والله يحتج بأنه أقام الحجة على عباده: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ﴾، هذا القرآن أتانا موجود في واقعنا، لا يستطيع أحد يوم القيامة أن يقول لم يكن هناك قرآن، لم يكن هناك كتاب لله سبحانه وتعالى فيه الهداية إلى ما ينبغي أن نعمل، ما هي المواقف التي نتحرك فيها... إلى آخره؟ ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، يعني يتناول كل قضية بالتفصيل؛ لأنه يقدم الهداية الكاملة وليس الهداية الناقصة والقاصرة، حتى لا يتعلم الإنسان بأنها لم تكتمل لديه الرؤية الصحيحة، ولم يعرف ما هو المقصود، وكان التقديم القرآني قاصراً ناقصاً في أن يوضح لنا أهمية المسألة ومستوى الموقف الصحيح وغير ذلك من التفاصيل، سواء ما تعلق بالصراع مع الأعداء أو في بقية مجالات الحياة، الله سبحانه وتعالى قدم لنا الهداية الكاملة الكافية، وله الحجة البالغة التامة على عباده".
وزاد في شرح الآية: "﴿فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، فيتناول كل قضية بالتفصيل، وعلى علم؛ يعني ليست مجرد تقديرات خاطئة وتحليلات كما هو الحال بالنسبة للإنسان الصحفي والإعلامي؛ قد يخطئ، قد يصيب، قد يبالغ، قد يقصّر، أما الله سبحانه وتعالى فهو يقدم ما يقدمه لنا على علم؛ علم بنا، علم بالإنسان، علم بالحياة، علم بما سيصل إليه الإنسان في المستقبل وأنه إذا لم يسر على هدى الله فسيكون مصيره سيئاً، علم بكل ما يتناوله في مختلف المواضيع والمجالات، مفصل على علم ممن يحيط بكل شيء علماً، ممن يعلم الغيب والشهادة، ممن يعلم السر في السماوات والأرض، ممن قال عن أعدائنا: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾".
-
المخرج الوحيد من التشتت والعبودية لليهود
ودعا السيد القائد إلى حسم الخيارات قائلاً: "ثم حينما نعود إلى القرآن الكريم ونحسم خيارنا ألا نترك أنفسنا تضيع ومستقبلنا وواقعنا يضيع في إطار حالة الاضطراب القائمة في واقع الأمة، المسيطرة على واقع الأمة؛ الاضطراب والفوضى، والرؤى المتباينة، والأفكار الناقصة، والتقديرات الخاطئة، والاستنتاجات والتصورات المغلوطة، ونترك كل ذلك، نترك للفلاسفة والمفكرين والعباقرة والسياسيين والأكاديميين كل ما لديهم من هذه الاضطرابات، ونتجه، بوجهتنا نحو القرآن، نحو الله، نحو هدى الله، نحو نور الله، النور الذي يخرجنا من الظلمات، لنتفهم، لنصغي، لنتأمل، ولنحسم الخيارات، لنسير ونحن على ثقة بقيمة هدى الله، بعظمة هدى الله، بأهمية هدى الله".
وأكد أن "سيكون لذلك أثره في أنفسنا، في أعمالنا، في مواقفنا، في مسيرة حياتنا، ثمرة الاهتداء بالقرآن الكريم هي ثمرة عظيمة ستغير واقعنا بكل تأكيد، وتنقلنا نقلة عظيمة من الحالة — حالة الضعة، حالة الهوان، حالة الضياع، حالة الشتات، حالة الانحطاط النفسي الذي يقبل بهيمنة وسيطرة اليهود والعبودية لهم — ينقلنا عن ذلك إلى مستوى عظيم".
-
ثمار الاهتداء بالقرآن على المستوى النفسي والسلوكي
وبيّن السيد القائد أن "ثمرة الاهتداء بالقرآن الكريم، ثمرة الاهتداء بهدى الله، نعمة الهداية هي تتجلى في نفسيات الناس؛ يعني حتى على المستوى النفسي ينقلك القرآن الكريم ضمن أولئك لتكون ضمن أولئك المؤمنين في تلك المواصفات الراقية، تكون من أولئك القوم الذين قال عنهم: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾، تكون من ضمن الأمة التي تتحرك بهذه الحياة تدعو إلى الخير، ليست تتنصل عن المسؤوليات وتهرب مما فيه الشرف والفضل والخير في الدنيا والآخرة، وتتجه تدعو إلى الخير تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، تتجه وفق المواصفات الإيمانية الراقية لعباد الله المؤمنين في سورة التوبة وغيرها".
وأضاف: "نعمة الهداية تتجلى في نفسيات الناس؛ تزكي النفوس، تهيئها وتؤهلها لتؤدي دوراً عظيماً في هذه الحياة وهي متخلصة من كل الشوائب السيئة التي تهبط بنفسية الإنسان؛ شوائب الأنانية، شوائب كل الجوانب التي تمثل خللاً في الحالة النفسية لدى الإنسان. يعني القرآن يزكي النفوس، تتحول إلى نفوس زاكية، صافية، نقية، طاهرة، تتجه بذكائها وبقيمها وأخلاقها نحو الأعمال العظيمة والمسؤوليات المقدسة، والمسارات الصحيحة والمواقف الكبيرة بكل عشق، بكل رغبة، بكل محبة، وكل ذلك أهميته ونتيجته تتجلى، نعمة الهداية في نفسيات الناس تصيغ نفسك صياغة إيمانية قرآنية راقية زاكية، وهذا من أهم ما نحتاج إليه في التغيير: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾".
وتابع: "وكذلك في سلوكهم؛ التصرفات، الأعمال، المواقف، التعامل مع الناس، التعامل فيما بينهم تحكمه تلك التعاليم القرآنية، يتخلص الإنسان من الحالة المزاجية أو من الحالة التي تتأثر بما فقده من التربية القرآنية والإيمانية الصياغة الأخرى، الصياغة الشيطانية التي تجعل نفسية الإنسان نفسية سيئة ملوثة، ملوثة بما يؤثر عليها من تأثيرات سيئة فتبعدها عن التفاعل مع هدى الله، التقبل لهدى الله، الانطباع بالقيم الراقية والأخلاق الكريمة.
وزاد " السلوك، الرؤى؛ بدلاً من أن يكون لدى الإنسان رؤى مغلوطة من هنا أو من هناك استنتجها هو بنظرة قاصرة أو تلقفها من الآخرين، يحمل الهدى، يحمل النور، يحمل الحقائق التي قدمها الله في القرآن الكريم، ويحمل أرقى رؤية للأشياء الصحيحة، وكذلك في المواقف؛ تتجهون في المواقف الصحيحة، المواقف الحكيمة التي دل عليها أحكم الحاكمين ربنا سبحانه وتعالى، في تصرفاتهم تكون حكيمة، وفي بيئتهم الاجتماعية بشكل عام كمجتمع حكيم وقوي، يتحركون على ما يتحركون كأمة يتميزون بهذا؛ أن يكونوا مجتمعاً قوياً وحكيماً، تتجلى هذه الحكمة في مواقفهم في تحركاتهم الصحيحة، ونموذج يتجلى في كل مواقفه وتصرفاته هدى الله".
-
نموذج الانضباط القرآني
واعتبر السيد القائد أن "هذا معيار مهم، معيار حتى للانتماء؛ لأن الإنسان مثلاً قد ينتمي، قد ينتمي إلى النهج القرآني، إلى المسيرة القرآنية، ولكن المعيار الذي يجلي واقعه هو بالثمرة؛ هل تتحقق هذه الثمرة في واقعه؟ هل هذه النتيجة ملموسة في نفسيته، في تصرفاته، في أعماله أم هي غائبة عن ذلك؟ هذه النصوص مستفادة من شهيد القرآن رضوان الله عليه في دروسه القيمة؛ دروس من هدي القرآن الكريم".
وشدد على أن "من يسيرون على القرآن يجب أن يقدموا أنفسهم نموذجاً لأمة منضبطة تماماً؛ يعني أول ما يستفيدون منه هو الانضباط، الالتزام وفق هدى الله، الخروج عن الحالة المزاجية، عن الحالات الخاطئة، عن الاضطراب في الرؤى من هنا وهناك؛ لأنهم يرتبطون هذا الارتباط بالقرآن الكريم، الرؤية قرآنية، التصرفات مضبوطة بضوابط القرآن، المواقف مضبوطة بضوابط القرآن، التوجهات كذلك، هذا يخرجهم من حالة الفوضى والاضطراب".
وعن خطورة الرؤى القاصرة اردف _يحفظه الله _ : "مثلاً حينما يستجد أي شيء، لا تأتي المسألة أن يتحول الحال بينهم إلى اختلافات واضطرابات وتقديرات وكل يقدم تحليلاً خاطئاً، هذا ينتج من رأسه فكرة وهذا تجاه موقف قد حسمه القرآن، بل يعودون رأساً إلى الرؤية القرآنية، إلى هدى الله سبحانه وتعالى، وأن هذا ما ينبغي أن نريه حتى كمنتمين إلى هذه المسيرة القرآنية المباركة، البعض قد لا ينتبه لهذه الأمور — كما قلنا — لا تترسخ عنده الثوابت، الثوابت والمفاهيم الأساسية فيعيش بعيداً عنها، ينتمي إلى المسيرة القرآنية، إلى النهج القراني، ولكنه تجاه كثير من الأمور يسابق ويبادر إلى أن يتعاطى من خلال حالته الذهنية والنفسية، تقديراته الخاطئة، فلا يعود ابتداءً إلى هدى الله، إلى الرؤية القرآنية".
وحذر من خطورة ذلك قائلاً: "قد تحصل حالة من الاضطراب في التفكير، في الرؤى، في التوجهات، تقييم للأمور، في النظرة إليها، في الموقف من الأولويات وغير ذلك، هذه حالة الاضطراب هي حالة بعيدة عن ثمرة الاهتداء بهدى الله سبحانه وتعالى؛ لأن من ثمرة ذلك أن الأمة التي تتحرك على هذا الأساس تكون أمة منضبطة تماماً، أمة عندها رؤية واضحة فتتحرك وفق رؤية واضحة، وتتحرك وفق أولويات رسمها الله في القرآن الكريم وأولويات حكيمة، ووفق أسس صحيحة، ليست تحركاتها عشوائية، ولا كل واحد يسير على هواه، ولا كل واحد (شاره من قرنه) كما في التعبير المحلي، وهذا يجعل من هذه الأمة أمة متميزة حتى عن الحالة التي يعاني منها العرب، يعاني منها المسلمون بشكل عام — كما قلنا — حالة اضطراب رهيبة جداً، حالة تباينات فظيعة في الآراء والمواقف والتوجهات، وحالة مأساوية وكارثية تجاه هذا الأمر".
وزاد: "جعل هذه الأمة التي تسير على أساس هدى الله، على الصلة بالقرآن الكريم، أمة منضبطة، ليست مشتتة على مستوى الآراء والمواقف والتقييمات والتقديرات؛ لا في المجال السياسي، ولا في المجال الإعلامي، ولا في الموقف — الموقف بشكل عام — أمة منضبطة وعندها رؤية واضحة، الكل يستوعب هذه الرؤية، ويلتزم بهذه الرؤية، ويقدم هذه الرؤية، إذا أراد أن ينشط ليخدم هذه الرؤية فسيتحرك على هذا الأساس، وليس ليقدم أطروحات أخرى متباينة، مضطربة، فوضوية، بنظرة قاصرة، بتفكير خاطئ، أو بتأثرات من هنا وهناك، ممن يتلقف ما يسمعه هنا أو هناك".
-
مسار المحاضرات القادمة
وعن مسار المحاضرات القادمة قال السيد القائد: "هي مسألة مهمة، لذلك دروسنا في هذه الأيام سنركز فيها إن شاء الله على ترسيخ الأسس والمفاهيم والثوابت القرآنية في الوعي عن العدو؛ كيف تكون نظرتنا إلى اليهود؟ اليهود هم العدو الأساس لهذه الأمة، العدو الأشد عداوة، العدو رقم واحد لنا كمسلمين، البقية هم في إطارهم؛ الموالون لهم من النصارى، الموالون لهم من المنافقين المنتسبين للإسلام والمسلمين، والبقية ممن يسير في خطهم ويدور في فلكهم. كيف نحمل الوعي الصحيح؟ كيف ننظر إلى العدو؟ كيف نتحرك على أساس صحيح تجاه العدو؟"
وأضاف: "نتحدث إن شاء الله على ضوء آيات قرآنية بالاستفادة مما قدمه شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي — رضوان الله عليه — في دروسه القيمة والعظيمة والمفيدة من هدي القرآن الكريم، و نركز مثلاً على آية آية من القرآن الكريم، ونقدم على ضوء ما نستفيده — كما قلنا — مما قدمه شهيد القرآن مفاهيم وثوابت ذات أهمية كبيرة جداً ينبغي أن نستوعبها بالشكل المطلوب، وأن تكون أساساً لموقفنا، لتوجهاتنا؛ إنها من هدى الله، لها هذه القيمة، لها هذه الأهمية أنها من هدى الله من القرآن الكريم، على ضوء آيات الله تبارك وتعالى، ليست رؤى شخصية، ليست اجتهاداً شخصياً، ليست تفكيراً مزاجياً من هنا أو هناك، ولا استنتاجاً بعيداً عن القرآن الكريم، من هدى الله من القرآن الكريم".
وحث على طريقة الاستفادة قائلاً: "تكون المسألة فيما يتعلق بالاستفادة من هذه الدروس؛ هي الحفظ للنص القرآني، للآية نفسها، أن نحفظ الآية القرآنية، يحفظها الإنسان، يتقن قراءتها، تترسخ عنده العناوين الأساسية بتلك المفاهيم والثوابت ويستوعبها جيداً، ثم أيضاً قد نلتفت إلى شواهد معينة وتفاصيل معينة تتعلق بالمرحلة التي نحن فيها؛ لأنه يمكن الاستفادة بشكل مباشر وهذا شيء قائم، يعني هناك مسارات لقراءة دروس من هدي القرآن الكريم وبرامج تقدم لها والاستفادة منها متاحة بشكل مباشر، وهذا شيء مطلوب أساساً. يكون هناك اهتمام بتلك الدروس القيمة المفيدة التي هي منهج لمسيرتنا القرآنية، ومع ذلك هذا مسار أيضاً من مسارات الاستفادة منها، نقدم منها كذلك ما نقتطفه من أسس ومفاهيم وثوابت على ضوء آيات قرآنية معينة، ونركز أيضاً على متطلبات لهذه المرحلة، متطلبات ملحة، ونخلص إلى ملخصات مهمة في هذا الاتجاه".
-
عمق القرآن وبركته البنّاءة لعامة الناس
وأشار إلى أهمية التهيئة النفسية في قوله "لكن ينبغي الاستيعاب والتفهم والإصغاء للاستفادة اللازمة للإنسان، كما قلنا في بداية الحديث؛ قد يتصور نفسه واعياً وفاهماً، ولكن يمكن للإنسان أن يقيس مستوى استفادته ومستوى وعيه — كما قلنا — بثمرة الاهتداء في نفسيته، في تصرفاته، في مواقفه، في أعماله، في توجهاته وفق ما ذكرناه من نصوص مهمة ومفيدة عن ثمرة الاهتداء بهدى الله كيف نكون كأمة؟ والإنسان بحاجة دائمة إلى ترسيخ هدى الله سبحانه وتعالى بما فيه من مفاهيم وثوابت في وعيه، في فكره، في نفسه حتى تكون راسخة بالشكل المطلوب".
وحذر من البدائل قائلاً: "الإنسان إذا لم يهتدِ بالقرآن ويستوعب رؤية القرآن، تتكون لديه تصورات خاطئة، أو يتقبل من الآخرين رؤى خاطئة، يكون فاضياً، جاهزاً للتأثر بما يسمع من هنا أو هناك، والموضوع في مجال الصراع مع اليهود ليس عادياً، بل تكون نتائج المفاهيم الخاطئة والمواقف الخاطئة كارثية على الناس في الدين والدنيا والآخرة، ولهذا نحن بحاجة إلى القرآن الكريم".
وأشار السيد القائد إلى أن ميزة القرآن الكريم، وميزة هدى الله، أنه عظيم في عمقه، وسعته، وشموله إلى حد عجيب يندهش الإنسان، وفوق مستوى ما نتخيل"
وعن سعة القرآن الكريم قال السيد القائد: "هو بحر لا يدرك قعره، كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: (بحر لا يدرك قعره)، وبحر عميق في مستوى شموله وعمق سعته، ولذا مهما كانت عبقرية الإنسان، مهما كان مستوى قدرته الذهنية في الاستيعاب والحفظ والفهم والقدرة على التفكير والقدرة على الاستيعاب، فهو لن يحيط علماً بما في القرآن الكريم، يبقى القرآن أعظم وأرقى، أكبر من مستوى فهمه، الإنسان يستفيد ما يحتاج إليه، وما ينتفع به، وما فيه النجاة له، فيه الخير له، لكن لا يتصور الإنسان أن قدرته الذهنية وإدراكه فوق مستوى القرآن وبالتالي سيستنزف كل ما في القرآن ويستنفد كل ما فيه ويكمل، وأصبح هنا قد أكمل ما في القرآن من هدى وأحاط به بكل تفاصيله وبكل ما فيه من النور، القرآن كتاب عظيم جداً يستوعب هذه الحياة وأكبر منها، لكن تستفيد من القرآن بقدر دلوك الذي تستفيد منه، كما لو نزلت أو كما لو ذهبت إلى بحر لتأخذ بدلوك شيئاً من الماء بما يملأ دلوك بمستوى ما تستفيده في قدراتك الذهنية وما يمنحك الله، الإنسان بحاجة إلى الله سبحانه وتعالى في الاهتداء بهدى الله".
وبيّن ميزة وضوح القرآن للعامة قائلاً: "وفي نفس الوقت، القرآن الكريم يقدم ثوابت عامة معروفة وواضحة يسهل فهمها حتى للعامة من الناس؛ يعني القرآن الكريم يقدم للإنسان مهما كانت قدرته الفكرية والذهنية ومستواه الثقافي والمعرفي، يقدم له ما يشبع نفسيته، يقدم له الهداية الواسعة بعمق عظيم، وفي نفس الوقت يقدم معارف وثوابت واضحة يمكن حتى لأي عامي من الناس أن يفهمها إذا أصغى لها، إنما يتطلب الأمر إصغاءً: استمع، ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾".
وأكد بقوله " الإنسان اذا ركز سيستفيد، من الثوابت، التي تُبنى عليها الكثير من التفاصيل، وتنقل العامي البسيط من الناس والأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب إلى أن يكون على درجة عالية من الوعي؛ لأنه يفهم تلك الثوابت التي يقدمها الله سبحانه وتعالى له في كتابه الكريم بشكل مبسط يسهل عليه فهمها والاستيعاب لها، وبالتالي يستنير بها، أصبح على نور، على بصيرة، على وعي، هذه من الميزات العظيمة للقرآن الكريم ولهدى الله سبحانه وتعالى".
واسترسل في ذكر المميزات: "من مميزات هدى الله سبحانه وتعالى وما يهدي إليه أنه يقدم لنا رؤية بناءة؛ تبني واقعنا، ليست استنزافية وليست بالشكل الذي يستنفد ما لدينا، يعني مثلاً تستنفد مداركك، معارفك، إمكاناتك، طاقاتك وغير ذلك وتحولك إلى صفر في هذه الحياة، لا، هي بالشكل الذي يبنيك؛ يبنيك في معارفك، في فهمك، في ثقافتك، يبنيك في واقع حياتك، يبنينا كأمة في واقعنا بشكل عام".
وتحدث السيد القائد عن البركة القرآنية قائلاً: "وهدى الله سبحانه وتعالى من مميزاته العظيمة أنه مبارك: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ في أربع آيات في القرآن يصفه بالبركة، هذه البركة لا تبقى هناك في المصحف ولا نستفيد منها، هي بركة لنا نحن؛ يعني بركة القرآن الكريم التي أكد الله عليها في أربع آيات في القرآن الكريم هي بركة تأتي إلينا؛ بركة في العلم، في الفهم، في المعرفة، بركة في الحياة، بركة في الجهود ونتائجها، بركة في الواقع، بركة شاملة، بركة عظيمة، وليس لدى أي رؤى أخرى من رؤى الناس وأفكارهم بركة فيمكن أن نقول إنها مباركة ويأتي منها البركات؛ لأن البركات مصدرها الله سبحانه وتعالى، يبارك الجهود فتكون نتائجها عظيمة وثمرتها كبيرة".
وأضاف: "هذا من المهم أن نحرص على الاستيعاب للمفاهيم والثوابت والاستحضار لها في مقام العمل، هذا سيفيدنا في مسألة الإجراءات العملية، الإرشادات العملية، التفاصيل العملية، الإنسان إذا لم يستوعب هذه الثوابت وهذه المفاهيم القرآنية لا يتقبل ولا يستوعب الكثير من الإرشادات العملية التفصيلية التي هي من متطلبات الموقف، من متطلبات المرحلة، من متطلبات المسؤولية، مما نحتاجه في إطار الصراع ما بيننا وبين الأعداء، نأمل إن شاء الله الاستفادة من هذه الدروس، هذه مقدمة لها ونبدأ فيها من الغد إن شاء الله، على أمل أن نستفيد منها جميعاً بتوفيق الله سبحانه وتعالى".
-
تحذير من الترويض والتدجين وفقدان المشاعر الإنسانية:
وأفرد السيد القائد جزءًا واسعًا من خطابه للتحذير من الآثار النفسية والسلوكية المترتبة على تكرار سماع أخبار الإساءة للمقدسات دون وجود ردود أفعال موازية من قبل الشعوب المسلمة، مشيرًا بكثيرٍ من القلق إلى أن خطورة هذا الوضع تكمن في إمكانية تحوله إلى "حالة اعتيادية روتينية" تنذر بضرب المناعة القيمية والأخلاقية لدى الفرد المسلم.
وقال محذّرًا: "يوشك أن يتحول مثل سماع هذا الخبر إلى حالة اعتيادية روتينية لدى الكثير من أبناء أمتنا الإسلامية، الذين تؤثر فيهم حالة الترويض في ظل وضعية الجمود والركود والتنصل عن المسؤولية والبعد عن التحرك المسؤول في إطار الموقف الحق الذي ينبغي أن نتحرك فيه كأمة مسلمة، تجاه مثل تلك الإساءات الرهيبة والفظيعة والشنيعة والخطيرة ضد أقدس المقدسات على وجه الأرض، وهو القرآن الكريم".
وشدّد على ضرورة أن يكون الإنسان المسلم حذرًا ويقظًا لحماية ضميره وقيمه الإنسانية والكرامة الأخلاقية من التلاشي، معتبرًا أن الاعتياد على الانتهاكات الصارخة بحق المصحف الشريف دون تأثر أو اتخاذ موقف يمثل خسارة حقيقية للجوهر الإنساني، ومؤشرًا على فقدان مشاعر الإباء والعزة.
واستطرد القائد مبينًا أن قوى الهيمنة وعلى رأسها أمريكا و(إسرائيل) تعتمد هذا الأسلوب بشكّلٍ مقصود لغايات دنيئة، قائلاً: "يهدف اليهود الصهاينة وأذنابهم في أمريكا وإسرائيل إلى ترويض المسلمين على المسكنة، وقتل روح الإباء فيهم، وإطفاء جذْوة العِزة مِنْ وجْدانهم، والتدجين لهم تجاه ما يفعله أعداؤهم مهما بلغ، يعني حتى لو ارتكب أعداؤهم بحقهم، أفضع وأبشع وأقبح، وأسوأ ما يمكن أن يفعلوه بهم".
أهداف الإساءة الصهيونية: "مقياس نبض الأمة" وفصلها عن عناصر قوتها
عرج السيد القائد على كشف الأهداف الخفية وراء إمعان الأعداء في توجيه الإهانات للمقدسات الإسلامية، مبيّنًا أنّ الإساءة للقرآن الكريم تمثل "مقياسًا مهمًا يقيسون به مستوى العلاقة الإيمانية الوجدانية للمسلمين بالقرآن الكريم".
وأبدى أسفه لما يكشفه الواقع الحالي من ضعف كبير في هذه العلاقة، مرجعًا حالة الركود والسكوت والتجاهل السائد في أوساط الكثير من المسلمين إلى هبوط مستوى التقديس والتعظيم لهذا النور المبارك، معتبرًا هذا الخنوع مؤشرًا خطيرًا يُغري الأعداء ويزيد من أطماعهم، لا سيما وأن الجهات المعتدية تتمثل في "أئمة الكفر أمريكا وإسرائيل" والذين وصفهم بأنهم "أسوأ الأعداء وأشدهم حقدًا، وأكثرهم طمعًا في هذه الأمة، في أوطانها، في ثرواتها، في خيراتها، في موقعها الجغرافي".
ولفت السيد القائد إلى هدف إستراتيجي آخر يتمثل في فصل الأمة تمامًا عن القرآن الكريم وضرب مكانته في النفوس عبر سياسات متنوعة تشمل: "إبعاد المسلمين عن الارتباط الروحي والوجداني بالقرآن واهتدائهم به، تغييب النص القرآني وتعاليمه من المناهج الدراسية والمسارات التعليمية والتثقيفية والإعلامية والتوعوية، تحويل التخاطب بالقرآن الكريم أو التذكير به في القضايا السياسية والمجالات الحياتية المهمة إلى سلوك "مستهجن ومستنكر وغريب"، وصولاً إلى حالة الهجر والإعراض الكامل".
-
عجز مليارَي مسلم والخيارات الاقتصادية والسياسية المتاحة:
في هذا السياق؛ انتقد السيد القائد بشدة غياب الموقف الفاعل من قبل الدول والحكومات الإسلامية، مستغربًا من بقاء أمة تضم نحو ملياري مسلم وتملك إمكانات ومقومات هائلة في موقع المتفرج الذي لا يتخذ "حتى أبسط المواقف والخطوات تجاه تلك الإساءات".
وأكّد أن هناك ترسانة من الخيارات العملية والمتاحة تمامًا أمام الحكومات والشعوب، والتي من شأنها أن تشكّل ضغطًا كبيرًا ومؤثرًا على المعتدين إذا ما وُجدت الإرادة السياسية، محدّدًا أبرز هذه الخيارات في: "المقاطعة الاقتصادية الشاملة، المقاطعة السياسية والدبلوماسية، استخدام أوراق الضغط الاقتصادي بأشكال وأساليب متعدّدة".
واستشهد في هذا السياق بالنموذج الإيراني ومستوى التأثير العالمي المترتب على صمود الجمهورية الإسلامية في وجه العدوان الأمريكي، وما أحدثه تأثر حركة تدفق النفط في العالم الإسلامي إلى الأسواق العالمية من ارتدادات كبرى، متسائلاً عن حجم الأثر الإستراتيجي لو اتجهت الأمة الإسلامية قاطبة بجميع دولها نحو تفعيل سلاح المقاطعة أو الضغط الاقتصادي والسياسي الموحد.
وخلص إلى أن "الإحجام عن هذه الخطوات لا يعود إلى قلة الحيلة، بل إلى انعدام الإرادة"، محذّرًا من أن عاقبة هذا التقاعس لن تقف عند حد مطامع الأعداء بل تتعداها إلى "العقوبة الإلهية التي هي بالتأكيد دائمة على الأمة حينما يصل بها الحال أن تعرض عن كتاب الله".
سقوط قناع حرية التعبير في الغرب وقمع التضامن مع فلسطين:
وشهدت كلمة السيد القائد تعريةً واضحة للمبررات السياسية والقانونية التي تسوقها الإدارات الغربية لحماية مرتكبي جرائم تدنيس المصحف، واصفًا مسألة التذرع بـ"حرية التعبير" بأنها "تبريرات سخيفة"، مشيرًا إلى المفارقة الصارخة بين حماية الشرطة الغربية لمن يحرقون المصحف وبين قمعهم العنيف لكل من يعبر عن رأيه تضامنًا مع مظلومية الشعب الفلسطيني.
وقال: "الاعتداء على المصحف، هو اعتداء مباشر، فعل جريمة فعلية. مع أنهم هناك، مثلا في الغرب، هم يلغون ويشطبون نهائيا حريات التعبير، حينما تكون المسألة التعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني المظلوم تجاه الجرائم الصهيونية اليهودية والأمريكية والإسرائيلية ضده"، لافتًا إلى "الجرائم التي فيها القتل لآلاف الأطفال، حتى الأطفال الخدج والرضع، التي فيها القتل للنساء بالآلاف، للكبار والصغار، الإبادة الجماعية، التدمير الشامل للمستشفيات والمدارس والمساكن والمدن، الاستهداف بالحصار والتجويع، وكل أشكال الاستهداف الظالم التي يمارسها العدو الإسرائيلي، وبشراكةٍ أمريكية ضد الشعب الفلسطيني".
وأوضح أن الأجهزة القمعية والشرطية في أمريكا، وألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، مارست كل أشكال التنكيل والاعتقال والضرب المبرح والإجراءات التعسفية ضد طلاب وطالبات وأساتذة الجامعات والعموم لمجرد خروجهم في احتجاجات سلمية أو اعتصامات تطالب بوقف الإبادة الجماعية في غزة وفلسطين، وتساءل مستنكرًا: "فأيّ حق تعبير يتحدثون عنه وهم لا يسمحون حتى بهذا مستوى من التعبير بالحق في التضامن الحق المشروع مع المظلومين؟".
-
موقف يمني متقدم: جهوزية عالية ومسارات عملية
واستعرض السيد القائد تموضع الشعب اليمني "يمن الإيمان والحكمة" في خضم هذه المواجهة الشاملة، واصفًا اليمن بأنه في طليعة الشعوب السباقة التي اتخذت الموقف الصحيح والمعلن ضداً على هذه الهجمة العدوانية ومقدساتها.
وحدّد معالم التحرك العملي والمستمر للشعب اليمني من خلال: "الخروج المليوني المستمر في المظاهرات والمسيرات والوقفات الكبيرة، النشاط الثقافي والتوعوي المتواصل لترسيخ الوعي القرآني، المقاطعة الفعلية والجادة للبضائع والمنتجات الأمريكية والإسرائيلية، التعبئة الجهادية العامة ورفع الجاهزية لمواجهة الأعداء".
وشدّد على وضوح الموقف اليمني وصراحته بالقول: "ونحن في واقع الحال في حالة عداء واضح وصريح ضد الصهيونية وذراعيها أمريكا و(إسرائيل) وهذا ما ينبغي أن يكون الإنسان المسلم فيه؛ يعني أنا أمة مستهدفة من أولئك، معتدى عليها من أولئك مظلومة من أولئك هم الذين ابتدأونا بالعداوة، بالظلم، بالاستهداف بالإجرام، بالهجمة الشاملة، بالعدوان بكل أشكاله وينبغي أن يكون التحرك تجاه ذلك دون كلل ولا ملل".
الدعوة إلى استراتيجية عظمى للعناية بالقرآن والتصدي للأعداء:
واختتم السيد القائد في هذه الجزئية من كلمته بالتشديد على أن المواجهة مع الأعداء ليست قضية مؤقتة المحتوى أو محكومة بردود أفعال آنية ولحظية، بل هي "مسارات عمل تبني الأمة لتكون في مستوى مواجهة أولئك الأعداء في كل المجالات وبكل اهتمام"، معتبرًا هذا التحرك من صميم "الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى" للوقوف بوجه الإفساد والضلال الإجرامي الصهيوني.
ودعا الأمة الإسلامية جمعاء، وكل من يملك ضميرًا حيًّا وإحساسًا بالانتماء للدين، إلى تبني "مسار مضاد" يتلخص في العناية القصوى بالقرآن الكريم تعويضًا وإحباطًا لمخططات فصل الأمة عنه.
واختتم موجهًا الدعوة قائلاً: "ينبغي أن يكون من ضمن اهتماماتنا جميعًا العناية بالقرآن الكريم، العناية به في كل المجالات على مستوى الارتداء، الاتباع، التمسك، العمل، الترسيخ لمسألة التعظيم للقرآن والتمسك بالقرآن الكريم، هذا من الأمور المهمة جدًا، يعني مسار لمواجهة مساري الأعداء، لديهم مسارٍ لها أهداف، تحدثنا عن البعض منها، يجب أن تقابل تلك المساعي بمواقف بأعمال باهتمامات واسعة".
ووضع السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي موجهاته الختامية بضرورة استعادة الأمة لعلاقتها الوجدانية والعملية بالمصحف الشريف، كركيزةٍ أساسية لا غنى عنها لردع المعتدين وتحصين المجتمع البشري من الأخطار المحدقة به.






