مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير – 18 ذو القعدة 1447هـ
تقرير | يحيى الشامي
في خضم التصعيد العسكري والدبلوماسي حول مضيق هرمز، أطلقت الإدارة الأمريكية ما أسمته "مشروع الحرية" في محاولة لفتح ممر بحري تحت شعارات إنسانية لإخراج السفن العالقة، لكن المعطيات على الأرض والتصريحات الإيرانية الحاسمة وتحليلات الخبراء المستقلين ترسم صورة مختلفة تماما تؤكد فشلاً أمريكيا في اختراق القرار والسيادة الإيرانية، ومحاولات يائسة للالتفاف على واقع جديد تغيّر فيه ميزان القوى لصالح إيران في أحد أهم الممرات المائية في العالم.

  • الإعلان الأمريكي والرد الإيراني

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن بدء عملية "مشروع الحرية" صباح الاثنين، واصفاً إياها بأنها "جهود إنسانية" لتحرير السفن والبحارة العالقين خلف المضيق، لكن الإعلان جاء غامضاً، دون تفاصيل آلية التنفيذ أو الرؤية الواضحة، ما أثار انتقادات كبيرة وتساؤلات محقة حول جدواه الحقيقية.

وفي أول رد حاسم، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي أن "الأحداث في مضيق هرمز توضح أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة"، محذراً في تغريدة له: "مع إحراز المحادثات تقدماً بفضل الجهود الباكستانية، ينبغي على أمريكا أن تحذر من الانجرار مجدداً إلى المستنقع بفعل جهاتٍ مغرضة، وينبغي على الإمارات أن تفعل الشيءَ نفسَه"، وأضاف عراقتشي بوضوح: "ما يسمى 'مشروع الحرية' هو مشروعُ الطريق المسدود".

لم يتوقف الرد الإيراني عند المستوى الدبلوماسي، فقد نقلت وكالة تسنيم الإيرانية عن مصدر عسكري قوله "إن الجيش الأمريكي استهدف زورقين مدنيين ينقلان بضائع في مضيق هرمز، ما أسفر عن استشهاد خمسة مدنيين إيرانيين"، وأوضح المصدر أن التحقيق كشف أن "القوات الأمريكية هاجمت وأطلقت النار على قاربي شحن صغيرين يقلان مدنيين، كانا في طريقهما من خصب على الساحل العماني نحو الساحل الإيراني".

وفي المقابل، كانت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بررت لعمليتها بأن مروحيات من طراز "سي هوك" و"أباتشي" "استُخدمت للقضاء على قوارب إيرانية صغيرة كانت تهدد حركة الملاحة التجارية" حسب ادعاء سنتكوم.

  • العملية بعيون الصحافة الغربية

تعكس التحليلات الإعلامية الغربية شكوكاً عميقة حول جدوى "مشروع الحرية"، ففي مقابلة مع سكاي نيوز يحلل أحد الخبراء: "يجب أن نسأل: لماذا يحدث هذا؟ من شبه المؤكد أن هناك طريقًا مسدودًا في الوقت الحالي في المحادثات. النفط لا يتدفق. يبدو أن أزمة الطاقة العالمية تتصاعد، وترامب يزداد إحباطًا لعجزه عن مواجهة الصمود الإيراني. لذا أعتقد أن الهدف من هذا لا علاقة له بالجهود الإنسانية، بل يتعلق بتحدي سيطرة إيران الخانقة على مضيق هرمز".

وتذهب قناة الجزيرة الإنجليزية إلى تحليل مماثل على لسان خبير استضافته القناة: "أعتقد حاليًا أنها محاولة لكسر الجمود والمأزق الحالي ومحاولة خلق زخم، ولكن في الوقت نفسه، هناك دائمًا خطر سوء التقدير، وهذا الخطر مرتفع جدًا في الوقت الحالي".
وفي واشنطن نفسها انتقدت صحف أمريكية بارزة المبادرة، فصحيفة نيويورك تايمز رأت أن "مشروع الحرية" "يثير الكثير من التساؤلات وينطوي على بعض المخاطر"، محذرة من أنه "إذا سعت إيران إلى اعتراض السفن أو تحدي الجهود الأمريكية، فقد يؤدي ذلك إلى خرق وقف إطلاق النار الحالي".

أما واشنطن بوست فرأت في المبادرة "تحولاً في خطاب الرئيس ترامب"، مشيرة إلى أنه "كان قد قلّل سابقاً من شأن المسؤولية الأمريكية عن السفن العالقة في الخليج العربي".

  • استحالة لوجستية وتبعات اقتصادية

يُجمع العديد من المختصين على أن التنفيذ الفعلي لـ"مشروع الحرية" يواجه عقبات لوجستية وعسكرية يستحيل تجاوزها، ففي تقرير لفرانس 24، يؤكد المحللون: "من الناحية اللوجستية هذا أمر مستحيل. هناك آلاف السفن، والولايات المتحدة لا تمتلك سوى عدد محدود من القطع العسكرية البحرية".

أما بلومبرغ فتشير إلى رأي معظم المحللين العسكريين: "لا يمكن أن ينجح الأمر حتى يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، لأنه سيكون من السهل جدًا على إيران ضرب السفن حتى مع وجود مرافقة بحرية أمريكية. وستظل حركة المرور أقل بكثير".

وتعكس أسواق الطاقة العالمية حالة القلق هذه، فبحسب وول ستريت جورنال: "عقود النفط العاجلة أنهت تعاملات أمس الاثنين لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ اندلاع الحرب بارتفاع بلغ ستة في المائة"، وأضافت أن "خام برنت ارتفع 5.8% ليغلق عند 114.44 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى إغلاق منذ يونيو 2022".

وفي السياق ذاته، قال مايك ويرث، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة شيفرون: "إن نقصاً ملموساً في إمدادات النفط سيبدأ في الظهور في أنحاء العالم بسبب إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره عشرون في المائة من إمدادات النفط الخام العالمية".

  • خطوط إيرانية حمراء لا تقبل التجاوز

أكد العميد يدالله جواني، مساعد الشؤون السياسية في حرس الثورة، للتلفزيون الإيراني أن "حرس الثورة الإسلامية سيتصدى عسكرياً لأية سفينة معادية تحاول المرور عبر مضيق هرمز" وأضاف: "عبور مضيق هرمز للسفن غير المعادية بات مشروطاً بالحصول على إذن مسبق"، وتابع جواني بنبرة حازمة: "نعتمد استراتيجية الحكمة والقوة في مواجهة محاولات ترامب فرضَ حصارٍ بحري علينا، وأؤكد أن ادعاءاته بفتح ممرٍ في مضيق هرمز لدواعٍ إنسانية هي محض أكاذيب".

هذه التصريحات تعكس واقعاً ميدانياً ساخناً، فبحسب تحليل خبراء في الشؤون الاستراتيجية والأمن البحري، فإن "المضيق الضيق (167 كيلومتراً) والساحل الإيراني الممتد 2400 كيلومتر يضعان كل القطع العسكرية الأمريكية تحت النيران بشكل دائم"، ووفقاً للخبراء فـ"الولايات المتحدة لم تعد قادرة على حماية نفسها، ناهيك عن حماية السفن التجارية، وهي تراهن فقط على ردع إيران بتهديد الرد العنيف".

  • بين الواقع الميداني والغموض الاستراتيجي

في شهادة صوتية لوكالة تسنيم يقول مهدي محمدي، رئيس التحرير في الوكالة: "مضيق هرمز هو شريان حيوي خاضع للسيطرة الإيرانية المطلقة، وادّعاء أمريكا بالسعي لتأمين الملاحة في المضيق غايته التأثير على أسعار الطاقة. الوضع الراهن في هرمز هو نتيجة العدوان، ولا يمكن التلاعب بالألفاظ والتظاهر بأن ترامب يريد فتح المضيق من أجل بقية دول العالم".

أما إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، فيؤكد في شهادة أخرى: "تلقينا عبر الوسيط الباكستاني رداً أمريكياً على مقترحنا المكون من 14 بندا لإنهاء الحرب، وهو قيد الدراسة. وما زلنا نواجه طرفاً يغير مواقفه باستمرار، ويعرقل المسار الدبلوماسي". ويختتم بقائي بموقف يعكس الاستراتيجية الإيرانية الثابتة: "يدٌ تفاوض ويد على الزناد، موقف إيراني ثابت لا يتغير: الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تفرط بمكتسباتها، ولن تتراجع مهما اشتدت الضغوط".

  • تداعيات إقليمية ودولية: رفض أوروبي وتصعيد محتمل

لم تمر المحاولة الأمريكية دون ردود فعل دولية، فوزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أكد أن "عودة مضيق هرمز إلى عمله المعتاد لا تكون عبر الحرب، بل من خلال التفاوض"، مجدداً رفض بلاده المشاركة في أعمال عسكرية ضد إيران. وقال ألباريس: "إذا كانت الأنظار تتجه إلى مضيق هرمز فهذا لا يعني أن ننسى العدوان غير القانوني على لبنان".

  • هرمز جديد وعالم يتغير

ما يشهده مضيق هرمز اليوم هو في الواقع تحول جيوسياسي عميق، فإيران -من خلال سيطرتها الميدانية واستراتيجيتها التي تجمع بين "الحكمة والقوة"- رسخت واقعاً جديداً: لا عبور دون تنسيق، ولا سيادة دون إرادة.

في المقابل فإن "مشروع الحرية" الأمريكي، بكل ما يحمله من شعارات إنسانية، يبدو في النهاية غطاءً لفشل استراتيجي في التعامل مع قوة إقليمية صامدة، وكما يؤكد الخبراء وفق قراءتهم الموضوعية لمجريات الأحداث منذ بدايتها فادعاءات ترامب بفتح ممر إنساني هي محض أكاذيب ومحاولة متكررة لتهدئة الأسواق باللجوء إلى الإعلام.

والأهم -كما يجمع المراقبون- أن مضيق هرمز تغيّر إلى الأبد، ولن يعود إلى سابق عهده تحت أي ظرف. فهل تدرك واشنطن أن استمرار المراوحة بين التهديد والمناورة لن يغير المعادلة؟ وأن الحل الوحيد يكمن في العودة الجادة إلى المسار الدبلوماسي، واحترام سيادة الدول وحقوقها في مياهها الإقليمية؟ الجواب سيحدد ليس فقط مصير مضيق هرمز، بل مستقبل الاستقرار في منطقة تشكل قلب الاقتصاد العالمي.

والأمر الأكيد -كما تشهد عليه التطورات الأخيرة- هو أن أي محاولة لفرض الأمر الواقع بالقوة ستواجه برد حاسم، وأن "اليد على الزناد" الإيرانية استراتيجيةٌ دفاعية راسخة في وجه أي عدوان. في هذا السياق، يبدو أن "مشروع الحرية" الأمريكي، بدلاً من أن يكون حلاً، قد يصبح جزءاً من المشكلة الأكبر، أو هو  تصعيد لا يريده أحد، لكن تداعياته قد تطال الجميع.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر