مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله
خنق بحري يقطع النفط وسحق بري للتحشيدات السعودية.. الرياض في المصيدة

مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 26 صفر  1448هـ
في تاريخ الحروب الطويلة، ثمّة لحظات فارقة تتكشّف فيها خيوط الاستراتيجية الكبرى التي ظلّت تُنسج في صمت وهدوء انطلاقا من ثبات الميدان، بالنسبة للقوات المسلحة اليمنية، هذه اللحظة تتجسّد اليوم في مشهدين متلازمين، يكمّل أحدهما الآخر ويكشفان عن عقل عسكري استراتيجي متفرّد، وعن جهوزية استثنائية بلغت ذروتها بعد اثني عشر عاماً من الحصار والعدوان السعودي الأمريكي، المشهد الأوّل بحري بامتياز، عنوانه فرض طوق خانق على الملاحة السعودية وصولاً إلى خنق شرايينها الاقتصادية، والمشهد الثاني بري استباقي، عنوانه تحويل التحشيدات السعودية إلى محارق تلتهم آخر أوراق العدو، والرابط بين المشهدين هو معادلة "الحصار بالحصار" التي أعلنتها القوات المسلحة وبدأت تفرض تفاصيلها على إيقاع الصواريخ والمسيّرات.

  • البحر الأحمر يضيق الخناق على العدو السعودي

منذ اللحظة التي أعلنت فيها القوات المسلحة اليمنية فرض حظر بحري على الملاحة السعودية في الـ 22 من يوليو الماضي، دخلت المعادلة إلى حيّز التنفيذ بوتيرة عالية اختارت صنعاء البحرَ مدخلاً استراتيجياً لإجبار العدو على رفع حصاره، لأنها تدرك أن 80 في المئة من الاقتصاد السعودي يقوم على عوائد النفط، وأن شريان هذا النفط هو البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

توزّع الجهد العسكري اليمني في هذا المسار على ثلاث جبهات ضاغطة، متكاملة فيما بينها لتشكّل كمّاشة محكمة، الجبهة الأولى هي الساحل الغربي والبحر الأحمر، حيث تحوّلت المياه التي طالما عدّتها الرياض امتداداً لنفوذها إلى منطقة محظورة على سفنها، تسع سفن نفطية سعودية تعرّضت للاستهداف المباشر، و29 سفينة أخرى أجبرت على التراجع وتغيير وجهتها، والرسالة الأبلغ تجلّت في استهداف السفينة "وفاء" قبالة ينبع شمال البحر الأحمر، في تأكيد عملي أن الحظر لا يتوقّف عند حدود باب المندب جنوباً، بل يمتدّ شمالاً ليطوّق الملاحة السعودية من كل جهة.

أما الجبهة الثانية فكانت استهداف العمق الاستراتيجي السعودي نفسه فالصواريخ الباليستية والمسيّرات اليمنية، التي طالما راهن العدو على أن منظوماته الدفاعية قادرة على اعتراضها، نجحت في اختراق هذه المنظومات والوصول إلى مراكز الطاقة الكبرى في الجبيل وينبع وبقيق ومصافي أرامكو في جيزان التي اشتعلت لأيام، وأُجبِرت الرياض على إيقاف ضخ النفط من منشآت تنتج أكثر من 400 ألف برميل يومياً من البنية النفطية السعودية التي هي عماد الاقتصاد وأساس النفوذ، وصارت هدفاً مكشوفاً ومتاحاً.

الجبهة الثالثة تمثّلت في استهداف تحشيدات العدو السعودي في الداخل اليمني، وهو ما سنفصّله لاحقاً، لكن المهم هنا هو إدراك التكامل بين الجبهات: بينما تشتعل المنشآت النفطية وتختنق الملاحة البحرية، كان العدو يحاول فتح منافذ برية جديدة عبر أدواته لقلب المعادلة، هذه المحاولة قُوبلت بجهوزية استخباراتية وعسكرية أحبطت المخطط قبل أن يبدأ.

  • الضربة الاستباقية... نهاية ورقَة الأدوات

عندما أدركت الرياض أن حصارها الجائر على اليمن قابله حصار مضاد يخنق اقتصادها، لجأت إلى خيار يائس: تجميع الآلاف من أدواتها من شذاذ الآفاق من مختلف التيارات والفصائل، وتزويدهم بعتاد ثقيل، تمهيداً لفتح جبهات متعددة تشغل القوات المسلحة اليمنية وتلهيها عن استكمال تنفيذ معادلة "الحصار بالحصار"، جرى التحشيد في مناطق متفرقة، بعضها قريب من خطوط التماس، وبعضها الآخر في عمق مناطق سيطرة العدو، تحت غطاء من التكتم والتضليل الإعلامي.

لكن ما حدث بعد ذلك مثّل صدمة استراتيجية كبرى فالقوات المسلحة اليمنية، بفضل جهوزية استخباراتية عالية، رصدت تفاصيل التحركات بدءاً من نقل الأفراد والمعدّات وصولاً إلى تحديد مواقع غرف العمليات ومخازن الأسلحة وفي اللحظة الحاسمة جاءت عندما اقترب العدو من استكمال تحضيراته النهائية وهنا، انطلقت موجات متزامنة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة نحو أهداف محدّدة بدقة متناهية:

في منطقة الوديعة شرقي البلاد، حيث تتمركز تحشيدات العدو السعودي من التيار السلفي، استهدفت الضربات معسكرات الرويك والعبر والثنية وما يسمى بالفرقة الأولى والثالثة طوارئ. النتيجة: مصرع وإصابة المئات، وتدمير شامل للمخازن والآليات العسكرية التي استغرق تجميعها أشهراً.

في مأرب، تلقّى معسكر "صحن الجن"، الذي يضم تحشيدات سعودية من تيار الإخوان المسلمين، ضربات نوعية حوّلت مخازن أسلحته وغرف قيادته إلى ركام وأنقاض.

في المخا، على الساحل الغربي، امتدّت النيران إلى تحشيدات العدو السعودي، من القوات التي ظلّت طوال السنوات الماضية بمنأى عن الصراعات الجانبية بين أطراف الارتزاق، وتم تجهيزها لتكون رأس حربة في أي عدوان مستقبلي.

هذه العمليات المركّبة حملت دلالات متعدّدة أولاً، أثبتت أن الرصد الاستخباراتي اليمني قادر على اختراق أدق التحركات اللوجستية للعدو، وتحديد اللحظة المثلى للضربة. ثانياً، أكدت أن القوات المسلحة اليمنية لا تكتفي بانتظار الهجوم، بل تتبنّى عقيدة استباقية تشلّ قدرات العدو قبل أن يتحرك. ثالثاً، وجّهت رسالة واضحة إلى كل من راهن على أن المال السعودي يمكن أن يخلق جيشاً قادراً على مواجهة الجيش اليمني، مفادها أن هؤلاء الأدوات تحوّلوا إلى مجرد أهداف مكشوفة، لا دروع بشرية تحميهم ولا تحصينات تمنع وصول الصواريخ إليهم.

  • المخا... رأس الجسر الذي تحوّل إلى مصيدة

تحتاج عملية استهداف تحشيدات العدو السعودي في المخا إلى وقفة تحليلية خاصة، لما تمثّله هذه المدينة الساحلية من ثقل استراتيجي في معادلة الصراع الإقليمي، فالمخا تطلّ على مضيق باب المندب، ولا تبعد عن الممر الدولي في البحر الأحمر سوى ستة كيلومترات وهذه المسافة الضئيلة جعلت منها، منذ احتلالها من قبل الإمارات والسعودية، نقطة ارتكاز عسكرية بالغة الخطورة.

لقد عملت الإمارات، عبر عميلها طارق عفاش، على تحويل ميناء المخا من منشأة اقتصادية يفترض أن تكون بوابة لانتعاش اليمن، إلى ثكنة عسكرية ضخمة تشرف عليها أطقم سعودية وإماراتية الهدف من هذا التحويل تجاوز السيطرة على اليمن إلى أبعاد إقليمية ودولية أوسع. فالمخا، إلى جانب جزيرة ميون المجاورة، تشكّلان نقطة تفتيش عائمة على واحد من أهم ممرات التجارة العالمية والسيطرة عليهما تمنح المحتلّين القدرة على مراقبة السفن التجارية وفرض شروطهم عليها، وهو ما يخدم أجندات أمريكية وإسرائيلية في التحكّم بحركة الملاحة الدولية، إضافة إلى توجيه ضربة استراتيجية لمشروع "الحزام والطريق" الصيني.

بعد سنوات من الاستثمار في هذا الموقع، ظنّت قوى الاحتلال أنها نجحت في خلق منطقة نفوذ محصّنة، وأن القوات المتمركزة فيها قادرة على الانطلاق نحو أي عملية عسكرية ضد المحافظات الحرة في أي لحظة غير أن الضربات اليمنية الأخيرة جاءت لتنسف هذه الفرضية من جذورها فاستهداف المخا بصواريخ باليستية ومسيّرات، وإيقاع إصابات دقيقة في من جيش العدو السعودي وأدواته الرخيصة ومخازنهم، وجّه رسالة مزدوجة، الأولى، أن لا مكان آمناً لأي قوة تحتل أرضاً يمنية، مهما بلغت تحصيناتها أو بُعدها الجغرافي والثانية، أن زمن التحشيد والزحف من المخا قد ولّى، وأن هذه المنطقة تحوّلت من نقطة انطلاق عدوانية إلى فخ استراتيجي يلتهم من يحاول التمركز فيها.

  •  ثلاثة أركان للجهوزية اليمنية

النجاح المذهل الذي تحقّق في البر والبحر معاً لا يمكن تفسيره بمعزل عن الجهوزية الاستثنائية التي بلغتها القوات المسلحة اليمنية على مستويات متعدّدة وهذه الجهوزية يمكن تفكيكها إلى ثلاثة أركان أساسية، شكلت معاً منظومة متكاملة حسمت المعركة:

الركن الأول هو التفوّق الاستخباراتي: لقد أثبتت العمليات الأخيرة أن القوات المسلحة تمتلك شبكة رصد واستطلاع قادرة على تتبّع تحركات العدو من مصدرها إلى وجهتها النهائية. تحركات الأدوات السعودية في الوديعة ومأرب والمخا لم تكن خارج المراقبة، وكذلك تحركات السفن السعودية التي حاولت التخفّي بإغلاق أجهزة التعريف الآلي. المعلومات التي تجمّعت سمحت بتحديد توقيت الضربة الأمثل، عندما تكون الخسائر البشرية والمادية في أقصى درجاتها، وعندما تكون الصدمة النفسية والاستراتيجية أكثر عمقاً.

الركن الثاني هو الدقة المتناهية في التنفيذ: الصواريخ الباليستية والمسيّرات اليمنية لم تكتف بإصابة أهدافها، بل أصابت النقاط الأكثر حساسية فيها: غرف القيادة والسيطرة، مخازن الذخيرة، تجمعات الأفراد في لحظات استعدادهم للتحرك وهذا المستوى من الدقة يعكس تطوّراً تقنياً هائلاً، وقدرة على برمجة الأهداف وتوجيه الذخائر بدقة تقلّ عن عشرة أمتار.

الركن الثالث هو القدرة على المناورة الاستراتيجية وإدارة جبهات متعددة في آن واحد: فبينما كانت القوات البحرية والصاروخية تفرض الحصار على الملاحة السعودية وتضرب منشآت أرامكو، كانت وحدات الاستخبارات والعمليات الخاصة ترصد التحشيدات السعودية في الداخل، وكانت منصّات الإطلاق تنتظر اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة وهذا التنسيق الرفيع بين مختلف أسلحة القتال يعكس عقيدة عسكرية متطورة، تدمج بين العمليات الدفاعية والهجومية، وبين الاستنزاف الاقتصادي والضربة العسكرية المباشرة.

  • التداعيات الاقتصادية والاستراتيجية على الرياض

الحديث عن استهداف التحشيدات السعودية وإنهاء ورقتها لا يكتمل من دون تسليط الضوء على التداعيات الاقتصادية التي تعانيها السعودية، والتي تشكّل السياق الأوسع الذي يفسّر الإصرار اليمني على تنفيذ معادلة "الحصار بالحصار" فبعد اثني عشر عاماً من حصار اليمن جواً وبحراً وبراً، وجدت الرياض نفسها أمام واقع معكوس تماماً.

حركة الملاحة السعودية في البحر الأحمر تحولت إلى كابوس لوجستي فبيانات التتبّع البحري الصادرة عن وكالات دولية كشفت أن ناقلات النفط السعودية إما تتوقّف عن البث للاختفاء من الرصد اليمني، أو تغيّر مسارها بالكامل لتسلك طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا وهذا المسار البديل يضاعف زمن الرحلات من 24 يوماً إلى 56 يوماً في بعض الحالات، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين إلى مستويات غير مسبوقة فيما شركات التأمين في سوق "لويدز" بلندن بدأت تستثني السفن المرتبطة بالسعودية من تغطية مخاطر الحرب، مما جعل كل رحلة بحرية سعودية مقامرة لا تجد من يغطّي خسائرها.

على صعيد الاقتصاد الكلي، سجّل الناتج المحلي الإجمالي السعودي انكماشاً بنسبة 4.8 في المئة في الربع الثاني من العام 2026، وهو أشد تراجع فصلي منذ جائحة كورونا، مدفوعاً بهبوط حاد في قطاع النفط بنسبة 24.7 في المئة نتيجة تعطّل حركة الشحن. مشاريع "رؤية 2030" التي راهن عليها محمد بن سلمان لتحديث الاقتصاد وجدت نفسها أمام استنزاف مزدوج: ارتفاع تكاليف النقل والتأمين من جهة، وتراجع الإيرادات النفطية من جهة أخرى.

هذه المعاناة الاقتصادية تفسّر جزئياً لماذا ألقت الرياض بورقة ادواتها القذرة في محاولة يائسة لتخفيف الضغط، لقد ظنّ صانع القرار السعودي أن إشعال الجبهات داخل اليمن سيمتصّ جزءاً من الجهود العسكرية اليمنية ويشتّت تركيزها غير أن النتيجة جاءت عكسية تماماً: خسرت السعودية أدواتها ومعدّاتها، وفشلت في فك الحصار، وتكشّف عجزها عن حماية أدواتها في الداخل اليمني.

  •  نهاية اللعبة السعودية واحتراق كل الأوراق

بعد هذه العمليات المتلاحقة والمتزامنة، يمكن القول بثقة إن النظام السعودي بات أمام مفترق طرق بعدما جرّب كل الأوراق وخسرها الواحدة تلو الأخرى فورقة الحصار الاقتصادي على اليمن قوبلت بحصار مضاد على الملاحة السعودية وورقة التفوق الجوي والتكنولوجي سقطت أمام الصواريخ والمسيّرات التي تخترق أعتى المنظومات الدفاعية وورقة التحشيدات في الداخل تحولت إلى رماد في صحراء الوديعة وساحات المخا ومأرب، كذلك ورقة التحالفات الدولية أخفقت، حيث رفضت 40 دولة من أصل 51 دُعيت للانضمام إلى التحالف البحري الجديد، وفضّلت واشنطن نفسها تجنّب المواجهة المباشرة، فيما التحالف السعودي التركي الباكستاني لا يمتلك أي مقومات هجومية تؤهله للدخول في المستنقع اليمني.

وبالتالي فإن ما يجري يعتبر إعادة تشكيل جذرية لموازين القوى في الإقليم، فاليمن الذي صبر اثني عشر عاماً تحت حصار قاس، يمسك اليوم بكل خيوط اللعبة، ومعادلة "الحصار بالحصار" التي بدأت في البحر امتدّت إلى البر، وانتقلت من فرض الحظر على السفن إلى استباق التحشيدات البرية السعودية، لترسم بذلك صورة استراتيجية متكاملة عنوانها الأبرز "إنهاء العدوان ورفع الحصار ليس مطلباً للتفاوض، بل حقيقة تُفرَض على الأرض بوسائل الردع المتعدّدة".

الرسالة اليمنية اليوم لا تحتمل التأويل لقد آن الأوان لأن يدرك النظام السعودي أن خياراته انحصرت في مسارين: إما الاستجابة للمطالب المشروعة للشعب اليمني وفي مقدمتها رفع الحصار وصرف المرتبات وإنهاء الاحتلال وجبر الضرر، وإما الاستمرار في رحلة الخسائر المتفاقمة، حيث كل يوم إضافي من العناد يعني مزيداً من الاستنزاف الاقتصادي والعسكري والأيام القادمة وحدها ستكشف أي المسارين سيختار، لكن الثابت الوحيد في هذه المعادلة هو أن صنعاء أوفت بوعدها، وأن إرادة اليمنيين، حين تتسلّح بالصبر والإيمان والقدرة، تصنع المعجزات.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر