مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 20 محرم 1448هـ
اعتمدت الاستراتيجية السعودية في اليمن، منذ 2015، على ركيزة أساسية هي السيطرة الجوية المطلقة، وهذه السيطرة كانت العمود الفقري لكل أشكال الضغط الأخرى: الحصار الاقتصادي، منع وصول المساعدات، التحكم بحركة الأشخاص، وفرض العزلة الدولية. كان الافتراض السعودي الضمني أن التفوق الجوي الكاسح كفيل بضمان الاستمرار في فرض الشروط دون تكلفة استراتيجية كبرى.
هذا الافتراض تعرض للتآكل التدريجي خلال سنوات الحرب، لكنه انهار بشكل كامل في اللحظة التي حاولت فيها المقاتلات السعودية اعتراض الطائرة الإيرانية وفشلت في الـ3 من يونيو الجاري، والرسالة هنا تتعلق بقدرة الدفاعات الجوية اليمنية على التصدي أولا، والقدرة المعلنة والمثبتة على نقل المعركة إلى قلب العمق السعودي ثانيا.
-
قدرات مثبتة وتهديدات ذات مصداقية
التحذير الوارد في بيان القوات المسلحة من أن أي تكرار للخرق الجوي "سيقابل بردٍّ شامل باستهداف مطارات العدو السعودي ومصالحه الحيوية في البر والبحر" يستند إلى سجل حافل من العمليات النوعية التي أثبتت فيها القوات المسلحة اليمنية قدراتها على ضرب أهداف استراتيجية بدقة متزايدة.
لقد مرت القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة اليمنية بسلسلة من التطورات النوعية خلال سنوات الحرب، ففي البداية، كانت هذه القدرات محدودة المدى والدقة، لكن عمليات التطوير المستمرة أثمرت عن منظومة متكاملة قادرة على الوصول إلى أهداف تبعد آلاف الكيلومترات، كما أثبتت عمليات استهداف العمق الإسرائيلي، والأهم من ذلك، أن هذه القدرات أثبتت فاعليتها في مواجهة أحدث منظومات الدفاع الجوي التي تمتلكها السعودية والتحالف الأمريكي الإسرائيلي.
ما يضاعف من خطورة هذه القدرات على الحسابات السعودية هو طبيعة الأهداف التي يمكن أن تطالها، فالمملكة تعتمد على بنية تحتية حيوية فائقة الحساسية: محطات ضخ النفط، وحقول الغوار العملاقة، ومجمعات التكرير والبتروكيماويات في رابغ وينبع، ومحطات تحلية المياه، وخطوط الأنابيب الاستراتيجية، واستهداف هذه المنشآت -ولو بشكل جزئي- يمكن أن يلحق ضرراً بالاقتصاد السعودي يفوق بأضعاف ما تأمل الرياض في تحقيقه من استمرار الحصار على اليمن، فمن استطاع أن يجبر الأساطيل الضاربة على مغادرة البحر الأحمر هو قادر على إغلاق السواحل والموانئ السعودية، فالربط بين ما تحقق في المواجهة البحرية مع الولايات المتحدة وما يمكن أن يتحقق في مواجهة السعودية هو جوهر الردع الجديد الذي تبنيه القوات المسلحة اليمنية، ما يعني أنها لم تعد تهدد بقدرات محتملة، بل تستند إلى إنجازات ميدانية موثقة.
-
إعادة تعريفٍ شامل لقواعد الاشتباك
قبل بيان القوات المسلحة، كانت قواعد الاشتباك تحكمها معادلة غير متكافئة: للسعودية الحق في فرض حظر جوي كامل، بينما تنحصر الخيارات اليمنية في الدفاع والرد المحدود استنادا إلى الالتزام المبدئي لصنعاء بالاتفاقات، وهذه المعادلة هي التي انهارت اليوم، فالقواعد الجديدة التي يبشر بها بيان القوات المسلحة تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل الاستراتيجي، فكما تحاول السعودية منع الملاحة الجوية من وإلى اليمن، فإن اليمن قادر على تعطيل الملاحة الجوية من وإلى السعودية، وكما يهدد الحصار السعودي الاقتصاد اليمني، فإن اليمن قادر على تهديد الاقتصاد السعودي في الصميم، وكما انتهكت السعودية السيادة اليمنية لسنوات، فإن اليمن بات قادراً على انتهاك السيادة السعودية في أي لحظة.
هذا التحول في قواعد الاشتباك لا يقتصر على البعد العسكري المباشر، بل يمتد ليشمل البعد الاقتصادي والاستراتيجي، فتركيز القوات المسلحة على "استهداف المصالح الحيوية في البر والبحر" تفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة: من استهداف حقول النفط ومنشآت أرامكو، إلى تهديد الملاحة في المياه الإقليمية السعودية، إلى ضرب مراكز القيادة والسيطرة، وهي رسالة بأن تكلفة استمرار الحصار على اليمن ستصبح باهظة إلى درجة قد لا تحتملها الحسابات الاستراتيجية السعودية.
-
وحدة الساحات والنفير الداخلي
من الأبعاد المركزية التي أبرزها البيان العسكري هو دعوته الصريحة "لأبناء شعبنا العزيز لمواصلة النفير العام والجهوزية القتالية تلبية لدعوة السيد القائد". هذه الدعوة هي مؤشر على تحول استراتيجي عميق في طبيعة المواجهة مع السعودية، فحالة النفير المستمرة التي يعيشها المجتمع اليمني، خاصة في المناطق القبلية، تمثل أحد أهم مصادر القوة التي تراكمت خلال سنوات العدوان، وعلى عكس الجيوش النظامية التقليدية التي يمكن تدمير بنيتها التحتية أو استنزاف قدراتها، فإن الجيش الشعبي المبني على أساس التعبئة المجتمعية الواسعة يمثل خصماً مراوغاً يصعب هزيمته.
ما يضاعف من أهمية هذه التعبئة في السياق الراهن هو أنها أصبحت تعبئة هجومية تستهدف انتزاع الحقوق وانتزاع السيادة فالجماهير اليمنية لم تعد تكتفي بالصمود في وجه العدوان، بل أصبحت تتطلع إلى مرحلة الحسم وفرض الشروط، وهذا التحول يمنح القيادة تفويضاً شعبياً واسعاً للمضي قدماً في خيارات كانت ستبدو قبل سنوات مغامرة غير محسوبة.
-
التماسك الداخلي: الرد على رهان التفكك
منذ بداية العدوان، راهن تحالف العدوان على استراتيجية مزدوجة تقوم على الضغط العسكري من الخارج، وإثارة الانقسامات من الداخل، وكان الهدف المعلن هو إحداث شرخ في الجبهة الداخلية اليمنية يوازي الشرخ الذي تعاني منه الجبهة الموالية لتحالف العدوان، لكن هذا الرهان فشل بشكل ذريع.
اليوم، ومع تخطي الحرب عامها الحادي عشر، نجد أن الجبهة الداخلية في المناطق الحرة أكثر تماسكاً من أي وقت مضى، والبيان العسكري يعكس هذه الحقيقة بوضوح حين يؤكد على جاهزية القوات المسلحة بكافة تشكيلاتها لأي خيارات يتخذها السيد القائد، وهذه الجاهزية هي ترجمة لوحدة القرار السياسي والعسكري والشعبي، خاصة وأن القبائل اليمنية أثبتت -طيلة الأيام الماضية- قدرتها على إحداث تغييرات جوهرية في المعركة، حيث خرجت كبرى القبائل اليمنية في عروض عسكرية معلنة النكف والنفير العام والجهوزية الكاملة لأي تصعيد أو قرارات يتخذها السيد القائد، والأهم من ذلك أن وحدة الجبهة الداخلية -والتي تشمل الجبهة العسكرية والشعبية والقبلية- تشكل تحدياً استراتيجياً للسعودية التي راهنت على أن استمرار الضغط سيؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف القيادة وإفقادها قاعدتها الشعبية، لكن ما حدث هو العكس تماماً، فكلما زاد الضغط زاد الالتفاف حول القيادة، وكلما طال أمد الحرب تعمقت حالة التعبئة المجتمعية.
-
الاستناد إلى الهوية الإيمانية
لا يمكن فهم عمق التماسك الداخلي اليمني دون استحضار البعد الإيماني والهوية اليمنية التي تشكل الإطار الجامع لهذه التعبئة، فتأكيد السيد القائد على الهوية الإيمانية يؤكد أن هذه المواجهة لا تُفهم في سياقها اليمني فقط، بل هي جزء من صراع أوسع يمتد إلى مواجهة الاستكبار العالمي والهيمنة الأمريكية والصهيونية في المنطقة، وهذا المنطلق يمنح الشعب اليمني دافعا قويا للصمود يتجاوز مجرد الدفاع عن الأرض، ويرتقي إلى مستوى الدفاع عن الهوية، وهو ما يفسر استمرار حالة التعبئة رغم طول أمد الحرب وقسوة الحصار، فالحرب لم تعد حرباً على اليمن ككيان جغرافي، بل أصبحت حرباً على مشروع حضاري وثقافي، وهذا ما يجعل احتمالات الانهيار الداخلي أو التفكك أقل بكثير مما تراهن عليه الحسابات السعودية.
-
طبيعة العلاقة مع إيران: من الدعم المعنوي إلى الشراكة الاستراتيجية
تشكل رحلة الطائرة الإيرانية إلى صنعاء، والإشادة الرسمية اليمنية بالموقف الإيراني، علامة فارقة في تطور العلاقة بين صنعاء وطهران لتكون علاقة شراكة استراتيجية، وهذه الشراكة تكتسب أهمية استراتيجية كبرى في ضوء المتغيرات الإقليمية الأخيرة، فإيران التي أثبتت قدرتها على الصمود في وجه الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، ونجحت في ترسيخ معادلات إقليمية بلغة النار والحديد، باتت حليفاً أكثر جرأة وقدرة على تحدي الترتيبات التي تحاول السعودية فرضها، فدخول الطائرة الإيرانية إلى صنعاء دون إذن سعودي هو رسالة بأن طهران لا تعترف بالوصاية السعودية على اليمن، وأنها مستعدة للتصرف على هذا الأساس.
في الختام، تجسّد الخطوة اليمنية في التصدي لمحاولة منع الطائرة الإيرانية وكسر الحصار الجوي، نقلةً استراتيجية فارقة في مسار الصراع مع العدو السعودي الأمريكي. لقد تحوّل اليمن -باعتماده على الله وعلى قدراته الذاتية وثباته الأسطوري- من موقع المُحاصَر إلى موقع الفاعل الذي يفرض معادلات الردع ويملي شروطه. إنه إعلان عملي بأن عصر الوصاية السعودية قد ولّى بلا رجعة، وأن مرحلة "لا حرب ولا سلم" قد طُويت لتحل محلها مرحلة الحسم وانتزاع الحقوق كاملة، والكرة الآن في الملعب السعودي، والخيارات واضحة: إما سلام الندّية والاحترام المتبادل، وإما حربٌ يدفع المعتدي فاتورتها الباهظة في عمق أرضه واقتصاده.

.jpg)




