مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 1 جمادى الأولى 1448هـ
تقرير / وديع العبسي
تضيق الحلقة أكثر فأكثر على العدو السعودي. وما صار عليه من وضع بائس يراه البعض أمراً خارج المألوف؛ فالبلاد التي ظلت تبني نفسها وتستثمر أموالها في شراء السلاح وفرض خارطة نفوذ على مستوى المنطقة العربية والإسلامية ودول الغرب، تقف اليوم وحيدة عاجزة في مواجهة ورطة لا أفق لها.
ومع التصعيد اليمني في عمليات الردع، يتخلى كل العالم اليوم عن الرياض، بما فيه أمريكا التي لا تُعير مصالح ووضعية حليفتها السعودية (الخاضعة للهجمات اليمنية المؤثرة فعلياً) أي اهتمام، إذ نأى ترامب ببلاده عن الدخول بصورة واضحة في مواجهة مع اليمن، وإن كانت هي من تدير غرفة عمليات العدوان في السعودية.
يزداد المأزق تعقيداً، وكلما رفعت الرياض من وتيرة القتل للمدنيين في اليمن، عكس ذلك حجم تعاظم الشعور بالإحباط وقلة الحيلة في إنجاز أي فعل مؤثر يرفع عنها وطأة هذه التداعيات التي تخلفها العمليات اليمنية، فيما أصبحت الغارات التي تشنها على اليمن مثار جدل الإعلام الدولي الذي لا يجد لها أي جدوى، خصوصاً وأنها اكتفت بتكرار مشهد العدوان منذ اثني عشر عاماً، بقتل المدنيين وتدمير البنية التحتية وقصف المقصوف من قبل.
-
بين الاقتدار اليمني والإفلاس السعودي الأمريكي
يؤكد الخبراء والمراقبون أن السعودية وأمريكا استنفدتا كل ما يمكن أن تقوما به، وبات الاستمرار في شن الغارات ليس أكثر من شواهد على احتراق حضورهما في الساحة الدولية، وهو الذي يعكسه الفقدان الكلي للقدرة على استعادة إدارة المعركة أو على الأقل مواكبة مستوى التأثير اليمني في ضرباته الرادعة.
كل صاروخ يمني أو طائرة مسيرة يُحدث أثراً مشهوداً يضيفه العالم إلى شواهد الاقتدار اليمني، وفي المقابل فإن كل هجمة سعودية بإشراف أمريكي إنما تضاف إلى سجل الإفلاس الأخلاقي لهذه القوى المنفلتة من الإنسانية حين تعمد إلى مواصلة سلسلة الجرائم والمجازر ضد الأبرياء من النساء والأطفال، وفي كلتا الحالتين يعيش الكيانان حالة الهزيمة القاسية.
خلال الأيام الماضية تصاعدت العمليات اليمنية بشكل ملحوظ، وثبّتت حتمية لجوء السعودية وأمريكا إلى التعاطي العقلاني مع المعطيات الميدانية التي تحكمها وتضبطها دوافع حقوقية إنسانية وأخلاقية تتمثل برفع اليد عن التدخل في الشؤون اليمنية، والاعتراف بحق اليمنيين في امتلاك قرارهم السيادي. عدا ذلك، فإن القوات المسلحة تُراكم -في بياناتها- من مظاهر الثقة في مقابل دلالات الانكسار السعودي الأمريكي، سواء بالتحذير أو بالتأكيد على الثبات والاستمرار في فرض معادلة الحسم الهادفة إلى إجبار المحور السعودي الأمريكي على إيقاف العدوان ورفع الحصار.
وتؤكد القوات المسلحة على أن مرحلة جديدة من الردع الشامل قد بدأت بالفعل، تدخل فيها كافة المرافق الاقتصادية والعسكرية السعودية في المرمى المباشر للصواريخ والطائرات المسيرة، على أساس معادلات الخلاص والتحرر التي انفتحت على كل الأهداف الحيوية داخل العمق السعودي.
ويؤكد المحللون أن التركيز المباشر على شل حركة الملاحة الجوية السعودية، ثم تحديد اشتراط الحصول على موافقة وتصريح مسبق من "مركز تنسيق العمليات الإنسانية" في صنعاء للسماح حصراً بالرحلات الإنسانية، يمثل فرضاً عملياً لمعادلة سيادة جوية واقتصادية جديدة تُقيد الحركة في العمق السعودي، وتلغي تماماً القواعد والمظلات الأمنية السابقة التي اعتمدت عليها الرياض طوال السنوات الماضية.
-
مأزق سياسي وعسكري معقد
نجحت العمليات اليمنية المتصاعدة والمتلاحقة في وضع النظام السعودي أمام انكشاف أمني غير مسبوق لمفاصله الاقتصادية ومنشآته السيادية، حيث أظهرت تطوراً عملياتياً وتقنياً لسلاح الجو المسير والقوة الصاروخية التي أثبتت قدرتها على اختراق التغطيات الدفاعية والوصول إلى أهدافها بدقة متناهية، الأمر الذي يضع القيادة السعودية في مأزق سياسي وعسكري معقد لا يمكن حلحلته إلا بالانهاء الفوري والكامل لكافة أشكال التصعيد والعدوان على اليمن.
وهنا تبرز ردود الفعل الغربية بلا رتوش لتُقر بالعجز السعودي أمام القوة اليمنية، حيث توالت تحذيرات السفارات والقنصليات الغربية لرعاياها من تراجع الوضع الأمني داخل السعودية، الذي انعكس بصورة مباشرة على تعليق شركات الطيران الدولية لرحلاتها وإلغاء المسارات الجوية المارة فوق الأراضي السعودية أو المتجهة إلى مطاراتها السيادية، فيما رفعت العديد من الهيئات والشركات الدولية درجة المخاطر التشغيلية إلى أعلى مستوياتها.
يفيد موقع "سيمافور" الأمريكي -في تقرير تحليلي موسع- بأن حكومات غربية متعددة أصدرت إرشادات وتنبيهات أمنية طارئة تحذر فيها مواطنيها ودبلوماسييها من السفر إلى السعودية، ما دفع عدداً كبيراً من المدراء التنفيذيين والعمالة الماهرة والخبرات الأجنبية إلى مغادرة المملكة بصورة عاجلة، ونقل مقرات أعمالهم نحو عواصم ومدن خليجية أخرى.
وكشفت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في تقرير عن أزمة دبلوماسية واقتصادية متفاقمة تمثلت في الانسحاب الجماعي والمفاجئ لرؤساء كبرى شركات النفط والطاقة العالمية من المشاركة في مؤتمر الطاقة الدولي المرتقب عقده في العاصمة السعودية. تضمن التقرير إلغاء رؤساء وممثلي شركات مثل "إكسون موبيل" (ExxonMobil)، و"توتال إنرجيز" (TotalEnergies)، و"شل" (Shell)، و"بي بي" (BP) لمشاركاتهم المقررة بصفة رسمية، حيث أرجعوا ذلك إلى المخاوف الأمنية المتزايدة واضطرابات حركة الطيران المدني وعمليات التعليق المتكررة عقب الضربات اليمنية المتتالية التي استهدفت صالات ومرافق مطار الملك خالد الدولي في العاصمة الرياض.
-
استنفار أمني وارتباك غير مسبوق
ألحقت الهجمات العسكرية المباشرة التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية أضراراً وخسائر بالغة في عمق البنية التحتية والمرافق الاقتصادية السيادية للسعودية، وطالت الضربات الدقيقة المجمعات والمحطات التشغيلية التابعة لشركة النفط الوطنية "أرامكو"، وألحقت الأضرار المباشرة بصالات ومدارج مطار الملك خالد الدولي بالعاصمة الرياض، إلى جانب استهداف مطارات الدمام ونجران وجيزان. وقد كشفت هذه الضربات مستوى دقة التكتيكات الهجومية اليمنية التي تعتمد على الصواريخ المجنحة والمسيرات ذات الكفاءة العالية والتكنولوجيا المتطورة.
كما ولّدت العمليات اليمنية حالة استنفار أمني وارتباك غير مسبوق في إدارة الأزمات داخل المرافق الحيوية في قلب العاصمة الرياض. وأفادت وكالة "أسوشيتد برس" في تغطيتها الميدانية بأن الحجم الهائل للدمار والأضرار الناتجة عن الضربات الصاروخية والمسيرة أدى إلى تعطل خطوط الصيانة والخدمات اللوجستية في مطار خالد والمنشآت النفطية المحيطة. وأكدت الوكالة أن مشاهد الحرائق والانفجارات المتتالية شكلت صدمة للمجتمع الاستثماري ورجال الأعمال المتواجدين داخل العاصمة الرياض، وأوجدت انطباعاً أمنياً معقداً يصعب تجاوزه على المدى القريب، ما ينسف الروايات الرسمية السعودية حول السيطرة والقدرة على صد الاستهدافات.
-
نزيف مستمر للاحتياطات والأصول
يؤكد المراقبون أن السعودية في مواجهة حتمية أمام حرب استنزاف عسكرية واقتصادية طويلة الأجل، إذ تلتهم العمليات والضربات المتواصلة مقدراتها المالية واللوجستية بشكل يتجاوز قدرة ميزانيتها العامة على التحمل.
وكلفة تشغيل المنظومات الدفاعية المرتفعة، وإصلاح الأضرار المتكررة في المنشآت الحيوية، وتوقف أو تراجع الإنتاج في بعض قطاعات النفط والبتروكيماويات، كلها عوامل تضغط بقوة على الميزانية العامة، وتتسبب في نزيف مستمر للاحتياطات النقدية والأصول السيادية التي كانت مخصصة لمشاريع التحول الاقتصادي والتنموي. كما يفرض استمرار الهجمات اليمنية تكاليف دفاعية وسيادية باهظة، في وقت ترتفع فيه كلفة الدفاع الجوي والصيانة بنسب غير مسبوقة دون تحقيق أي ردع ميداني ملموس. ولا تتوقف الخسائر عند حدود الأرقام المالية المباشرة، بل تمتد لتشمل تكاليف التأمين البحري والجوي المتصاعدة، وارتفاع مخاطر الشحن، وتراجع الإيرادات السياحية والتجارية، وهو ما يضع الاقتصاد السعودي في مواجهة خطر الاستنزاف.
تؤكد مجلة "نيوزويك" الأمريكية أن الموقف السعودي يزداد صعوبة مع مرور الوقت، مشيرة إلى أن "السعودية تخسر معركة الاستنزاف الحالية، وتواجه استنزافاً استراتيجياً متسارعاً يضع اقتصادها ومؤسساتها السيادية تحت ضغوط لا يمكن احتواؤها على المدى الطويل".
وفي ذات السياق، أوضحت صحيفة "واشنطن بوست" أن الرياض أصبحت مكشوفة عسكرياً وأمنياً، وقالت "إن الكلفة المالية والأمنية لاستمرار الحرب باتت تفوق بشكل كبير قدرة المملكة على الاستمرار في هذا المسار دون مواجهة انهيارات هيكلية عميقة".
-
المستقبل السعودي في مهب الريح
وفق ذلك، لا شك بأن كلفة استمرار العدوان والحصار على اليمن تضع المستقبل الاقتصادي والاستثماري للسعودية على المحك، حيث تحول الرؤى المستقبلية والمشاريع العملاقة إلى خطط مهددة بالتوقف والتجميد. فلم تعد الرياض قادرة على تقديم نفسها كبيئة آمنة للمال والأعمال، وأصبحت منطقة مخاطر مرتفعة تتجنبها القوى الاقتصادية الكبرى، ما يضع استراتيجية التنوع الاقتصادي برمتها، ورؤية 2030 في مهب الريح أمام ضربات القوات اليمنية وتصاعد ألسنة الدخان فوق منشآتها.
يفيد موقع "سيمافور" الأمريكي في تقرير بأن الهجمات اليمنية المتتالية على الرياض تجعل مهمة إقناع المستثمرين الدوليين بأنها مركز عالمي للمال والتجارة والاستثمار أكثر صعوبة وتعقيداً من أي وقت مضى. ويوضح التقرير أن فقدان الثقة الأمنية يدفع بالمؤسسات المالية للبحث عن بدائل أكثر استقراراً بعيداً عن المملكة، ما ينعكس سلباً على القدرة التنافسية للرياض، ويهدد بتحويل مشاريعها المليارية إلى مشاريع معطلة لا تجد من يمولها أو يشغلها.
بينما تؤكد صحيفة "وول ستريت جورنال" في قراءتها لمشهد المخاطر الاستثمارية بأن "تكرار الضربات في العمق السعودي يبعث برسائل طاردة لرؤوس الأموال الأجنبية، ويقوض الأساس الذي بُنيت عليه خطط التحول الاقتصادي". وتشدد مجلة "فورين بوليسي" على أن "الاستمرار في الخيار العسكري ضد اليمن يعني تضحية الرياض بمستقبلها الاقتصادي ومكانتها التجارية لصالح صراع استنزافي لا يمكن الانتصار فيه".
-
تداعيات شاملة وانكشاف للاقتصاد السعودي
وتُبرز التطورات الأخيرة أن حجم التأثُّر الاقتصادي والأمني السعودي تجاوز الحدود التشغيلية البسيطة ليطال الهيكل الاستثماري الكلي؛ فمعها انعدمت جاذبية الموانئ والمطارات وانكشفت سلاسل الإمداد، إذ يعتمد الاقتصاد السعودي في مساره التطويري على التحول إلى مركز لوجستي عالمي يربط بين القارات الثلاث. غير أن استهداف المطارات والموانئ والمنشآت النفطية يعطل الملاحة والتجارة، ويجبر خطوط الشحن وشركات الطيران العالمية على تجنب الأجواء والموانئ السعودية أو فرض رسوم مخاطر مرتفعة للغاية، ما يُبطئ حركة البضائع ويزيد من كلفة التصدير والاستيراد.
وإثر ذلك، تجد الحكومة السعودية نفسها مضطرة لإنفاق مبالغ خيالية على شراء منظومات الصواريخ الدفاعية، وقطع الغيار، وأجهزة الرادار المتطورة، إلى جانب تغطية تكاليف عمليات الصيانة وإصلاح الأضرار الناتجة عن الهجمات على منشآت أرامكو والمطارات. وهذا الإنفاق العسكري الطارئ يأتي على حساب المشاريع التنموية والخدمية، ويتسبب في استنزاف متسارع للاحتياطي النقدي الأجنبي، وضغط متزايد على الصندوق السيادي. وإلى ذلك، يؤدي تكرار الانفجارات وتصاعد أعمدة الدخان في الرياض ومرافق أرامكو على مساحة واسعة إلى إعادة تعديل النظرة المستقبلية للاقتصاد السعودي من مستقرة إلى سلبية. هذا التراجع في التقييم يجعل الحصول على القروض الدولية أكثر كلفة، ويزيد من فوائد السندات التي تصدرها الحكومة لتغطية العجز المالي.
ولا تنفصل التطورات الميدانية في الداخل السعودي عن السياق الإقليمي والدولي المعقد، حيث تتصاعد حالة القلق في الدوائر الغربية والأمريكية من تبعات انهيار البيئة الأمنية في أكبر دولة مصدرة للنفط في المنطقة. وقد أبرزت القراءات التحليلية الصادرة عن مراكز الأبحاث والمجلات المتخصصة ارتفاعاً غير مسبوق في كلفة التأمين البحري على السفن المتجهة للموانئ السعودية، ما فرض أعباء إضافية على أسعار السلع الموردة للسوق السعودية. فيما كشفت التقارير الصادرة عن معاهد دراسات الحرب والبحوث الاستراتيجية مثل "معهد واشنطن" و"معهد RUSI" عن محدودية كفاءة المنظومات الدفاعية الغربية والأمريكية التي تمتلكها السعودية في التصدي للطائرات المسيرة والصواريخ المجنحة المنخفضة التحليق، ما يضع استراتيجية الاعتماد على الحماية الخارجية أمام تساؤلات جادة.
بينما تجد الدول الغربية نفسها في موقف حرج بين رغبتها في حماية تدفقات النفط والاستثمارات بالرياض، وبين واقع أمني فرضته القوات اليمنية يؤكد عدم إمكانية توفير الأمان للعمق السعودي طالما استمر العدوان والحصار على الشارع اليمني.
-
أكبر من قدرتها على التحمل
توضح المعطيات والتحليلات المتكاملة الصادرة عن مختلف المصادر الدولية أن الضربات اليمنية المتتالية أدت إلى فرض معادلة ردع جديدة وضعت النظام السعودي أمام خيارات معقدة؛ فالذهاب نحو مواصلة الخيار العسكري والعدوان لم يعد يحقق للرياض أيّاً من أهدافها المعلنة، بل بات يهدد أمن عاصمتها وعصب اقتصادها وشرايين طاقتها، ويحرمها من تقديم نفسها كمركز عالمي للمال والأعمال. وفي ذات الوقت يظل يكابر عن السبيل الوحيد لاستعادة الاستقرار والأمان وحماية البنية التحتية السعودية، وهو الاستجابة العقلانية لمقتضيات الواقع، وإنهاء العدوان والحصار بشكل كامل على الشعب اليمني، والتأسيس لمرحلة قائمة على احترام السيادة والمصالح المشتركة، إذ أثبتت التطورات أن كلفة استمرار الحرب باتت أكبر بكثير من قدرة المملكة على تحملها على كافة الأصعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية.
