مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 17 جمادى الأولى 1448هـ
تتطلب قراءة التحولات الكبرى والتحديات الوجودية التي تواجه الأمة الإسلامية فهماً عميقاً لطبيعة الصراع وسنة التدافع بين قوى الإصلاح والإفساد في الأرض. وفي هذا السياق، يبرز "الجهاد في سبيل الله" بكونه فريضة تشريعية وضرورة وجودية لا يمكن الاستغناء عنها؛ فبه تنتصر قيم الحق والخير والعدالة والرحمة، وبه يُدفع بأس الأشرار عن عباد الله لتظل الحياة آمنة ومنيعة.
إن تغييب هذه الفريضة — التي تضع الحق والعدل في موقع القوة والحماية — يترك الميدان عارضاً أمام قوى الطغيان والإجرام لتعيث في الأرض فساداً وتدمر الحرث والنسل. ومن هنا، يقدم التقرير قراءة تحليلية مقارنة بين زيف الشعارات البرّاقة التي ترفعها قوى الاستكبار العالمي المعاصر، وعلى رأسها النموذج الغربي والأمريكي والصهيوني، وبين النموذج القرآني الإيماني الأصيل الذي يمثل الملاذ الآمن والضمانة الحقيقية الوحيدة لخلاص الأمة وحماية مقدراتها.
-
حتمية الجهاد في سبيل الله
لا يمكن الاستغناء عن الجهاد في سبيل الله تعالى؛ فبه تنتصر قيم الحق والخير والعدالة والرحمة، وبه يُدفع بأس الأشرار عن عباد الله، حتى لا تُترك الدنيا ميداناً خالياً يتصرف فيه المفسدون كما يشاءون. فلو تُرك هؤلاء بلا مواجهة، لتسبّبت سيطرتهم في مخاطر جسيمة تطال المجتمع البشري برمّته: أمنَه واستقراره وسبل حياته وكرامته الإنسانية؛ ذلك أن طبيعتهم قائمة على الإفساد والظلم، وشرّهم يلحق بالناس أذىً بالغاً.
أمَّا الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" فهو الغني، الغني عن الناس كلهم، وعن المجاهدين بأجمعهم، وعن كل عملٍ صالح، من جهادٍ وغيره يعمله الإنسان، {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ}، {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ}، حتى تلك القيم والتعليمات التي قدَّمها الله لعباده، هي لصالحهم في حياتهم، قيم الحق، العدالة، الرحمة، الخير، هي لمصلحة الناس، وهي لاستقرار حياتهم، ولصلاح حياتهم؛ أمَّا إذا غُيِّبَت، وَغُيِّبَت هذه الفريضة، التي تجعل اتجاه الحق والعدل والخير في موقع القوة، والحماية للمجتمع، وتجعل المجتمع في حالة منعة، وعزة، وحماية؛ فالبديل عن ذلك هم الأشرار، بشرهم، بإجرامهم، بعدوانيَّتهم، بظلمهم، ببغيهم؛ ولذلك بيّن الله في القرآن الكريم الفارق الكبير بين جهتين:
-
- جهة تمثل الشر، ويتمثل الشر فيها.
-
- ونموذج يمثل الخير، ويتمثل الخير فيه.
فقال "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في القرآن الكريم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}[البقرة: 204-207]. هكذا أتت هذه الآيات الكريمة مترابطة؛ لتقدم نموذجين، كلاهما من الناس، وكلاهما يمثل امتداداً في المجتمع البشري في كل عصرٍ وجيل؛ ولذلك المسألة واقعية (مِنَ النَّاسِ) لا ينحصر هذا بعصرٍ وزمنٍ مُعَيَّن، ولا حتى- مثلاً- في فئة محدودة من الناس. هذا النموذج الشرير، الذي يتمثل الشر فيه، والإجرام، والعدوان، والظلم، والإفساد، بمستوى عالٍ جداً، وحالة واقعية، تمتد عبر العصور، وتُشَكِّل خَطراً على الناس في كل زمن. فالنموذج الذي يمثل الشر والإجرام، والنموذج الظلامي المفسد، هو من تتمثل فيه تلك المواصفات التي وضحها الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" بشكلٍ جلي، نموذج يستخدم العناوين الجذابة لمجرد الخداع فقط، هو على مستوى العناوين يُقدِّم للناس عناوين مخادعة، عناوين جذابة، عناوين تعجبهم؛ ولذلك قد يصل الحال بالكثير منهم إلى أن ينخدعوا به، بالرغم من سوئه كنموذج، وكفئة سيئة، ظالمة، مفسدة، لكنهم انخدعوا بتلك العناوين البرَّاقة الجذَّابة، التي هي لمجرد الخداع؛ بينما اتجاهه العملي والفعلي متباينٌ تماماً مع تلك العناوين حتى هي، وحتى المضمون الصحيح لها، العدو هو يستخدمها، تلك الفئة (فئة الشر والاجرام) تستخدم العناوين ولها أهداف أخرى؛ لمجرد الخداع، وتحاول أن تسوق بها الناس إلى أشياء أخرى أيضاً.
-
الغرب بين الشعارات البرّاقة والسجل الإجرامي
أوضحُ مَن تجتمع فيه تلك الصفات جمعاء، في أقواله وأفعاله وسلوكه وأساليبه، في عصرنا الحاضر، هو النموذج الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة و"إسرائيل"، ومَن يسير في ركابهم من أتباع الصهيونية وغيرهم ممن ينحون المنحى ذاته، وهو ما تعبّر عنه الآية الكريمة: {يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ}. والواقع أننا نشاهد الكثير من أبناء أمتنا — لا من المجتمعات الأخرى فحسب، بل من أبناء هذه الأمة المنتمية إلى الإسلام، التي أنعم الله عليها بالقرآن الكريم، وهو ما كان كفيلاً بأن يبلغ بها أعلى درجات الوعي والبصيرة، وأن يحصّنها من الانخداع بأي فئة من فئات الضلال — نشاهد الكثير من النخب والمثقفين والأكاديميين والسياسيين من أبنائها وهم معجبون إلى أقصى حدود الإعجاب بما يصدر عن الغرب: عن أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، وبما يردّده أتباع الصهيونية الوحشية والإجرامية من شعارات عن الحرية وحقوق الإنسان والحضارة والرفاهية والرقي والازدهار والسلام، بل وحتى حقوق الحيوان لا حقوق الإنسان وحده، وقائمة طويلة من العناوين البرّاقة والخادعة التي يكررونها ليل نهار، ويتولى التسويق لها المعجبون بهم وبأقوالهم، فيروّجونها تنظيرياً في المجالات الفكرية والثقافية والإعلامية والدعائية وغيرها. بل إن بعضهم يتتلمذ على أيديهم وينتسب إلى المدرسة الغربية؛ ليصبح مروّجاً لها ومعجباً برموزها من المفكرين والمثقفين، وبعضهم يتجنّد للترويج لما يقولون. ويمتد ذلك إلى الوسط النسائي أيضاً، إذ يُشهَر عنوان حقوق المرأة ويُتحدَّث به ليل نهار في بلدان كثيرة، ويُستخدَم أداةً لاختراق الشعوب، فتنخدع بعض النساء به كما انخدع كثير من الرجال، وتُعجَب بما يقولون، وتُستقطَب بعضهن تحت هذه الشعارات.
أولئك المعجبون بما يصدر عن الغرب — عن أمريكا و"إسرائيل" والدول الغربية وأتباع الصهيونية — يغفلون تماماً عن حقيقة أن مَن يرفعون تلك الشعارات اللامعة هم أصحاب أفعال وسيرة وسياسات وتوجهات بلغت ذروة الإجرام والوحشية والطغيان والإفساد في الأرض، وتدمير المجتمع البشري، والانسلاخ من القيم والأخلاق الفطرية الإنسانية التي أودعها الله سبحانه وتعالى في النفوس، وجعلها ميزة للإنسان حتى على سائر الحيوانات. ينسون أن الرصيد التاريخي لتلك الدول — الأمريكية والبريطانية والفرنسية والألمانية — رصيد إجرامي مهول ومفجع وكارثي وفظيع، حتى لكأنك تقرأ عن أسوأ ما ترويه كتب الطبيعة عن الغابة ووحوشها من ضباعٍ وذئابٍ وثعالب، فتجدهم أشد توحّشاً من وحوش الغابات؛ فسجل كل واحد منهم يقوم على قتل الملايين من البشر بأبشع أساليب الإبادة، من مختلف فئات الناس: رجالاً ونساءً، إذ لا حقوق للرجال عندهم ولا للنساء ولا للأطفال ولا للكبار ولا للصغار.
فالأمريكي — منذ اليوم الأول لنشأته — على ماذا أُسّس كيانه؟ لقد قام الكيان الأمريكي على الإجرام، بإبادة الهنود الحمر، السكان الأصليين لتلك الأرض التي سُمّيت أمريكا وقامت عليها الولايات المتحدة، إذ أباد المستعمرون الغزاة الأوروبيون — ممن اتجهوا إلى تلك المنطقة لاحتلالها والسيطرة عليها ومحو سكانها — الملايين منهم: أطفالاً ونساءً وكباراً وصغاراً. ومَن يطالع ما جرى من ممارسات إجرامية في إبادة الهنود الحمر يُصاب بالذهول والاستغراب: كيف يمكن لإنسان بقيت فيه ذرة من الإنسانية أن يتصرف بكل هذه الوحشية والإجرام والطغيان والعدوانية؟! لكن هذا هو ما حدث فعلاً.
ثم تَأمَّل سيرته بعد ذلك: فهو يتحدث عن السلام ليل نهار، وربما لا يوجد في العالم مَن يتحدث عن السلام بقدر ما يتحدث عنه الأمريكي، وعن حقوق الإنسان ورفاهية الشعوب وغير ذلك؛ ثم هو ذاته مَن أباد -في دقائق معدودة، ودفعة واحدة- مئات الآلاف من البشر في اليابان بقنابل نووية محرم استخدمها للإبادة الجماعية، ومسح مدنٍ كاملة من على وجه الأرض بمن فيها: أطفالها ونسائها وكبارها وصغارها. وهو مَن ارتكب ما ارتكب في فيتنام، فأحرق مئات الآلاف من البشر بالنار، بالوسائل والإمكانات والقنابل وكل أشكال القتل. وهو مَن اقترف في العالم الإسلامي ما اقترف: في العراق حيث أباد مئات الآلاف من أبناء الشعب العراقي المسلم ظلماً وعدواناً، وفي أفغانستان حيث أباد مئات الآلاف من أبناء شعبها المسلم، وارتكب الجرائم في كل بقاع العالم، حتى أصبح سجلّه الإجرامي أوسع من أي سجل آخر. وهو الشريك الأساسي للكيان الصهيوني الإسرائيلي في كل الجرائم التي يرتكبها منذ عقود في فلسطين ضد شعبها المظلوم، وضد البلدان العربية المجاورة: لبنان وسوريا والأردن ومصر.
وعلى النهج نفسه يسير الشركاء الآخرون: البريطاني، والفرنسي، والألماني، وغيرهم من الدول التي تخضع للوبيات الصهيونية.
-
النموذج القرآني الذي يحمي الأمة ويواجه قوى الشر
ومن هنا يتبيّن مدى الأهمية والضرورة لأن يكون في واقع الناس مَن يوفر لهم الحماية من ذلك الشر ابتداءً، وهو ما أشار إليه الله تعالى في الآيات التي تلت مباشرةً تلك الآيات التي وصفت لنا النموذج الإجرامي المفسد، ذلك الذي نرى أكبر مصاديقه في عصرنا — في الأمريكي والإسرائيلي ومن يدور في فلكهم — منطبقةً عليهم كل المواصفات: «أَلَدُّ الْخِصَامِ»، و«إِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ»، ونراها مجسدةً في أفعالهم ونهجهم بشكل تام. فعقب تلك الآيات مباشرةً، قدّم لنا الله النموذج الذي يشكّل حمايةً للأمة وصمّام أمانٍ لها، ووقايةً لها من شر ذلك النوع الإجرامي المفسد، في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]. فهذا هو النموذج الذي يقف في وجه أولئك، ويتصدى لهم، ويقي الأمة شرّهم؛ لأنهم يمثلون خطراً حقيقياً وفعلياً على الناس، وشواهد ذلك واضحةٌ تملأ سمع الدنيا وبصرها. فمن يمثل الضمانة للأمة، والحماية لها، والسند لها، هو هذا النموذج العظيم الذي تحدث الله عنه في تلك الآية الكريمة.
ولو أن هذا النموذج حضر من البداية وساد توجهه في واقع الأمة، لما بلغت الأمور ما بلغته؛ فمنذ اللحظات الأولى لاستقدام العصابات الصهيونية اليهودية الإجرامية إلى فلسطين المحتلة، بحمايةٍ بريطانيةٍ وإشرافٍ بريطاني، لو أن العرب اعتمدوا هذا التوجه القرآني الإيماني: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 207]، فأوجدوا هذا النموذج ودعموه وساندوه، لَحُميت المنطقة بأسرها، وحُميت فلسطين والشام كله، ومحيطها القريب: مصر — التي تكبّدت خسائر فادحة جداً من العدو الإسرائيلي — وسوريا ولبنان والأردن، ولبقيت البلدان والشعوب العربية والعالم الإسلامي في أمان، ولما وصلت الأوضاع إلى ما وصلت إليه اليوم.
صحيحٌ أن تحركاً ما حدث آنذاك، لكنه لم يكن بحجم المسؤولية، ولا بمستوى التحدي والمخاطر، ولا وفق رؤية صحيحة؛ فكانوا يتحركون كردة فعل لحظية، فيفشلون وينتهي الأمر، ثم يتحركون في مرحلة لاحقة تحركاً لحظياً آخر، غير مدروسٍ ولا مسنودٍ ولا قائمٍ على رؤيةٍ سليمة، فيفشلون مجدداً؛ لأنه لم ينبع من منطلقٍ صحيحٍ كهذا المنطلق: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207]؛ ولهذا كان الفشل نتيجة محتومة.
وهنا يتجلّى وجه الأهمية في أن تكون الانطلاقة إيمانيةً جهاديةً في سبيل الله؛ لأنها توفر الدافع الكبير القوي، والتقديس للمسؤولية، والبصيرة والوعي، والاستعداد العالي للتضحية، والصبر. ولهذا قدّم القرآن الكريم في تلك الآية النموذج الراقي الذي يمثل الأمل والخلاص، والسدّ المنيع في مواجهة قوى الشر الإجرامية.
أما أولئك الذين ينطلقون من هذا المنطلق القرآني، بهذه الانطلاقة المقدسة العظيمة — انطلاقة من أجل الله، غايتُها ابتغاء مرضاته، لا غايةً ماديةً ولا سياسيةً ولا انتهازيةً ولا استغلالاً للشعوب، بل غاية مقدسة عظيمة — فإنهم يصبحون محطّ رعاية الله وتأييده ومعونته، ويتحركون وفق تعليماته سبحانه وتعالى، وبالقيم الإيمانية الراقية والأخلاق الإيمانية العظيمة والتعليمات الإلهية القيّمة التي تميز انطلاقتهم. إنهم يحملون الدافع العظيم، فهم يتجنّدون مع الله لحماية عباده: حماة الأوطان والأعراض والممتلكات والأمة، ودرعها الحقيقي وذُخرها الذين يجب أن تلتفّ حولهم. وهم يتحركون لمصلحة الناس، في سبيل الله، وسبيل الله هو حماية الأمة وإنقاذ المستضعفين ودفع شر الأشرار والمجرمين. وسقف منطلقهم في العطاء عالٍ: بذل النفس وتقديم الروح في سبيل الله تعالى؛ ولذلك يقدّمون كل شيء دونها: الجهد والمال والعمل والتحرك الفاعل؛ فمن انطلق بهذه الروحية — مستعداً لتقديم نفسه وحياته — فسيكون بلا شك على درجة عالية من الفاعلية في كل الأعمال، وسيقدم النفس والحياة بكل رحابة صدر. فهم ينطلقون بفاعليةٍ عالية، وسقفٍ مرتفع، وصبرٍ عظيم، وثباتٍ كبير، وتماسكٍ متين، ويحظون برعاية الله وعونه وفق ما وعدهم في كتابه الكريم. كما أن هذا السقف العالي يحررهم من القيود والمخاوف، ويرتقي بالأمة إلى مستوى مواجهة المخاطر والتحديات مهما بلغ حجمها ومهما امتلك الأعداء من قوة؛ لأن من ينطلقون هذا المنطلق لا يكبّلهم الخوف والرعب ولا الذلة من المواجهة ونتائجها، فهم يواجهون وهم مستعدون للشهادة في سبيل الله.
والأمة اليوم في أمسّ الحاجة إلى هذا النموذج، في مقابل التحديات التي عظمت حتى بلغت ما بلغته؛ فقد تخاذلت الأمة لزمنٍ طويل، وفرّطت لزمنٍ طويل، حتى تمكّن العدو مما وصل إليه، وتراجعت عن كثيرٍ من مبادئها وقيمها وأخلاقها حتى آلت إلى ما آلت إليه. إنها بحاجةٍ إلى النموذج الإيماني الجهادي القرآني الذي ينطلق ببصيرةٍ ووعي، ويعرف عدوه من صديقه؛ فاتجاه الأعداء في استهداف الأمة مستمرٌ لا يتوقف، والسياسات والخيارات الأخرى لن تقي الأمة شرّهم، وقد جرّبها العرب مراراً ففشلت جميعها: كم من مبادرات، وكم من تنازلات، وكم من قمم، وكم من اتفاقيات برعاية أمريكية وأوروبية وغيرها، وكلها فشلت، ولم تشكل أي حماية للأمة.
واليوم يتحدث الإسرائيلي بكل ثقةٍ بأن الأمريكي سيمنحه الضفة الغربية وغزة أيضاً، بل إن من اختاره [ترامب] سفيراً له لدى الكيان الإسرائيلي يصرّح بأنه لا يؤمن بوجود احتلالٍ في فلسطين إطلاقاً، ولا يعترف بشيءٍ اسمه الضفة الغربية ولا شيء اسمه غزة، بل بالمسميات اليهودية وحدها! و[ترامب] هو ذاته الذي وهب الجولان السوري المحتل للعدو الإسرائيلي وكأنه من إرث أبيه.
أما المجاهدون من أبناء الأمة — في فلسطين ولبنان والعراق واليمن — فهم الذين اختاروا الخيار الصحيح والصائب والحكيم، وعلى الأمة أن تعزّز هذا الاتجاه؛ لأنه الخيار الوحيد الذي يحميها من الضياع والاستنزاف؛ أما الخيارات البديلة فليست إلا استسلاماً وضياعاً، أو استغلالاً بيد العدو، واستنزافاً وقتالاً مع الأمريكي، كما يفعل البعض.
ختاماً، يتضح جلياً أن الأمة الإسلامية اليوم، وأمام تعاظم التحديات واتساع دائرة استهدافها، باتت في أمسّ الحاجة إلى العودة الواعية للنموذج الإيماني الجهادي القرآني، مستلهمةً روح العطاء والتضحية التي جسدها المجاهدون الصادقون في فلسطين ولبنان والعراق واليمن.
لقد سقطت كل الرهانات على الحلول السياسية الهزيلة، والتنازلات المستمرة، والاتفاقيات المبرمة برعاية المستكبرين، لتثبت التجارب التاريخية والمعاصرة أن البديل عن المقاومة والجهاد ليس سوى الاستسلام والضياع والاستنزاف.
إن الانطلاقة الجهادية الواعية هي الخيار الوحيد والحكيم لحماية الأوطان، وصون الكرامة الإنسانية، ووقف زحف قوى الشر والإجرام، وإعادة الأمة إلى موقع العزة والمنعة الذي ارتضاه الله لها.






