مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله
حرب باردة جديدة تُسقِط القطبية الواحدة: رؤية في التحولات الاستراتيجية

مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - متابعات - 22 ذو القعدة 1447هـ
تحليل | مطيع حسين الفقيه
تشير قراءة المشهد الجيوسياسي اليوم إلى تحول عميق في موازين القوى الدولية، حيث ننتقل من نظام "القطبية الأحادية" الذي تفرّدت به الولايات المتحدة بعد عام 1991 إلى مخاض عالم جديد متعدد الأقطاب.

قبل تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار المعسكر الشرقي في العام 1991م، كانت هناك حرب ضروس بين شرق الكرة الأرضية وغربها، ظهرت ملامحها مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية في العام 1945م، إذ كان يمثل الشرق -في ذلك الوقت- ما تسمى "معاهدة الصداقة والتعاون والتوجيه المشترك" عُرِفت بعد ذلك باسم حلف "وارسو" بقيادة الاتحاد السوفيتي، والغرب تقوده الولايات المتحدة تحت مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو). وكونها لم تكن حرباً في الميدان العسكري بالصواريخ والقنابل والطائرات، بل في ميادين أخرى أهمها الإعلام والاقتصاد فقد اتُفِق إعلامياً على تسميتها بالحرب الباردة.

بعد انتصار الحلفاء، بدأ الخلاف بين الرئيس السوفييتي "ستالين" والرئيس الأمريكي "روزفلت" -ومن بعده "ترومان"- حول مستقبل القارة العجوز (أوروبا) وتقاسم النفوذ فيها، ما أفضى إلى تقسيمها -بدون اتفاق- إلى شرقية وغربية. ولأن الولايات المتحدة -منذ نشأتها- لديها أطماع توسعية لا تتوقف، قامت في 4 أبريل 1949 بتأسيس حلف شمال الأطلسي (N-AT-O) كحلف عسكري يضم الولايات المتحدة وكندا ودول غرب أوروبا، كان الهدف الصريح هو الردع العسكري للاتحاد السوفيتي، ومحاولة السيطرة على أوروبا الشرقية وسحبها من تحت بساطه. في تلك اللحظة، أصبح الانقسام العسكري بين "الحلفاء" رسمياً ومؤسسياً.

ما يثير الاهتمام أن الاتحاد السوفيتي -رغم معرفته بالنوايا الغربية- لم يؤسس حلفه العسكري فوراً؛ بل انتظر 6 سنوات، وتحديداً حين انضمت ألمانيا الغربية إلى "الناتو" وتم تسليحها من جديد في عام 1955، إذ اعتبر السوفييت ذلك تهديداً وجودياً، فقاموا في 14 مايو 1955 بتأسيس "معاهدة الصداقة والتعاون والتوجيه المشترك" المعروفة بـ "حلف وارسو".

اليوم نجد أن أمريكا تحاول تكرار سيناريو "الناتو" في منطقتنا عبر محاولات بناء أحلاف عسكرية (ناتو عربي-صهيوني)، لكن الفارق الجوهري أن "محور المقاومة" استبق هذه الخطوة ببناء "حلف غير رسمي" لكنه فعال ميدانياً من خلال (وحدة الساحات)، قبل أن يتمكن الغرب من استكمال تطويقه، وهو ما يفسر ارتباك الاستراتيجية الأمريكية الحالية.

  • صعود المحور واستراتيجية "التحصين من الداخل" (الدرس السوفيتي)

تبرز إيران ومحور المقاومة اليوم كقوة إقليمية صلبة استطاعت تحويل "وحدة الساحات" إلى شبكة دفاعية هجومية مترابطة. لكن الأهم من القوة العسكرية هو تجنب الألغام التي سقط فيها الاتحاد السوفيتي، والتي يمكن تلخيصها في ثلاثة أسباب عالجها المحور:

1. عقيدة الأيديولوجيا مقابل الجمود: سقط السوفيت عندما فقد الشعب إيمانه بالأيديولوجيا الشيوعية التي تحولت إلى قشور بيروقراطية. في المقابل، يمتلك محور المقاومة عقيدة إيمانية وطنية متجذرة مرتبطة بالهوية الإيمانية والأرض والمقدسات، ما يمنحه "نفساً طويلاً" وصموداً شعبياً لا يتأثر بالحصار المادي.

2. الاكتفاء الذاتي وكسر التبعية: كان السوفيت يعتمدون على استيراد التكنولوجيا والحبوب من الغرب في مراحل ضعفهم. أما المحور اليوم فقد بنى قاعدة صناعية وعسكرية ذاتية بالكامل (من الرصاصة إلى القمر الاصطناعي)، ما جعل "سلاح العقوبات" -الذي أسقط السوفيت- قديماً وغير فعال.

3. المرونة السياسية (اللامركزية): عانى السوفيت من المركزية الشديدة التي شلت حركتهم. أما اليوم فمحور المقاومة يعمل كمنظومة "لامركزية"؛ فاليمن ولبنان والعراق وفلسطين يمتلكون استقلالية وقدرة ذاتية على اتخاذ القرار والمناورة، ما يجعل ضرب "الرأس" لا يؤدي لوفاة "الجسد".

تآكل الأدوات الأمريكية.. ما الذي فُقد من جعبة واشنطن؟: اعتمدت أمريكا في حربها الباردة السابقة على عناصر ليست متوفرة لها اليوم في مواجهة محور المقاومة (إيران وحلفائها):

القوة الاقتصادية المطلقة: بعد الحرب العالمية الثانية، كانت أمريكا تملك نصف ناتج العالم؛ اليوم هي غارقة في ديون تريليونية، وتُنافسها الصين كعملاق اقتصادي موازٍ.
التحكم بالرواية (القوة الناعمة): في الماضي، كانت هوليوود والإعلام الأمريكي يصورون أمريكا كمنقذ للعالم. اليوم -مع جرائم الكيان الصهيوني في غزة- كُشف القناع "الأخلاقي" لأمريكا أمام شعوب العالم، وحتى أمام شبابها في الجامعات الأمريكية.
الاستقرار الداخلي: لم تعد أمريكا ذلك "الجسد الواحد"؛ فالانقسام بين الديمقراطيين والجمهوريين وصل لمرحلة تهديد السلم الأهلي، ما يجعلها عاجزة عن الالتزام باستراتيجيات طويلة الأمد كما فعلت في "مشروع مارشال" بعد الحرب العالمية الثانية.
جبهة الشرق واليمن.. خنق القطبية الواحدة: بينما كان الاتحاد السوفيتي يواجه الغرب بشبه عزلة دولية في أواخر أيامه، يجد المحور اليوم ظهيراً عالمياً (روسيا، الصين، كوريا الشمالية). هذا التحالف ليس أيديولوجياً بالضرورة، بل هو "تحالف ضرورة" لإسقاط هيمنة القطب الواحد، فالصين وروسيا تدركان أن كسر إيران والمحور يعني وصول أمريكا إلى حدودهم المباشرة، لذا فإن دعمهم للمحور هو دفاع عن أمنهم القومي.

وبينما تتحكم إيران بكل أوراق المواجهة العسكرية والاقتصادية والسياسية وحتى المفاوضات، يمثل اليمن في هذه الحرب الباردة "المفاجأة الاستراتيجية". فمن خلال التحكم في باب المندب والبحر الأحمر، استطاع اليمن فرض حصار اقتصادي على الكيان الصهيوني وإذلال الأسطول الأمريكي. اليمن أثبت أن "وحدة الساحات" ليست شعاراً، بل هي قدرة على خنق عصب الاقتصاد العالمي للضغط على القرار السياسي في واشنطن و"تل أبيب".

  • المقارنات العكسية.. تفكك الغرب وصحوة الوعي العربي

  • نحن أمام مشهد "مرآة" للتاريخ، ولكن بنتائج معكوسة:

تفكك المعسكرات: في الماضي تفكك الشرق؛ اليوم نرى الناتو يعاني من خلافات بنيوية (خلافات فرنسا وألمانيا مع السياسة الأمريكية، وصعود اليمين الأوروبي الرافض للتبعية لواشنطن).
سلاح "الإسلاميين": استخدمت أمريكا في الثمانينيات من أطلقت عليهم اسم "المجاهدين العرب" ضد السوفيت في أفغانستان، لتضليل الرأي العام -وخصوصاً العربي والإسلامي وحتى بعض "المجاهدين" أنفسهم- أنه دفاع عن الدين والعقيدة، لتستغني عنهم أمريكا بعد أن حققت هدفها منهم. اليوم، حاولت أمريكا استخدام نفس أدواتها (القاعدة وداعش) ولكن بطريقة عكسية، إذ عمدت إلى جعل تنظيم القاعدة في أحداث 11 سبتمبر 2001، وبعد ذلك "داعش" في العراق،  ذريعة لوجودها العسكري والتحكم الاقتصادي في المنطقة العربية لكن المعادلة انقلبت؛ فالمقاومة الإسلامية الأصيلة -ممثلة بالمحور- هي التي تقود معركة التحرر، بينما أصبحت الحركات التي صنعتها المخابرات الأمريكية بمسميات "إسلامية" منبوذة ومكشوفة.
سقوط أقنعة التطبيع: اندفاع دول الخليج اليوم نحو التطبيع لم يُضعف المحور كما كان الصهيوني يخطط، بل أدّى لنتيجة عكسية وهي "تصحيح وعي الشارع". المواطن العربي يرى اليوم أن هناك معسكرين فقط: معسكر يدافع عن الكرامة والمقدسات، ومعسكر يهرول لحماية الكيان الصهيوني، وكما جاء الشهيد القائد رضوان الله عليه بالتوصيف القرآني لهذه الحالة: "إما مؤمن صريح أو منافق صريح". هذا الفرز التاريخي يسقط أدوات أمريكا الناعمة في المنطقة ويهيئ لثورة وعي شاملة.

  • حين تفشل "القوة الناعمة".. سيناريوهات المواجهة المباشرة

عندما تدرك واشنطن أن العقوبات الاقتصادية، والحروب بالوكالة، والضغوط الدبلوماسية قد فشلت جميعها في احتواء محور المقاومة، ستجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: الانسحاب التدريجي (خيار أفغانستان)، أو الانزلاق نحو استئناف المواجهة المباشرة التي تعلم أنها فيها خاسرة.

حاولت أمريكا استنزاف المحور، مستخدمة استراتيجية "الاحتواء الذكي"، عبر إشعال الفتن الداخلية (الاحتجاجات، الأزمات المعيشية، الحروب الست)، ثم العدوان على اليمن، وكانت تسعى -بكل جهدها- لتفكيك الساحات، لكنها اصطدمت بحقيقة أن المحور اليوم يمتلك "اقتصاداً مقاوماً" يعتمد على نفسه ولديه علاقات بالشرق (الصين وروسيا). هذا الفشل سيدفع "الصقور" في واشنطن و"تل أبيب" نحو التفكير في عمل عسكري، لكن المعطيات الميدانية تشير إلى أن أي مواجهة مباشرة ستكون "حرباً شاملة" لا تقتصر على الجغرافيا الإيرانية:

   إغلاق الممرات المائية: اليمن ليس مجرد جبهة إسناد، بل هو "قفل" التجارة العالمية. في حال المواجهة الشاملة، سيتحول البحر الأحمر وبحر العرب ومضيق هرمز إلى مناطق محرمة على الأسطول الغربي.

    تفكك الكيان الصهيوني: المواجهة المباشرة تعني فتح النيران من لبنان، اليمن ، العراق، وفلسطين في آن واحد، ما سيجعل "الجبهة الداخلية" للكيان في حالة انهيار كامل لا تستطيع أمريكا ترميمه مهما أرسلت من بوارج.

  معادلة "الردع بالرعب" وفشل الدفاعات الغربية: أثبتت التكنولوجيا العسكرية للمحور (خاصة الصواريخ الفرط صوتية والمسيرات الانقضاضية) تفوقها على منظومات الدفاع الغربية كـ(الباتريوت والقبة الحديدية). هذا الفشل التكنولوجي يعني أن القواعد الأمريكية في الخليج والمنطقة لم تعد "مراكز قوة"، بل أصبحت "رهائن استراتيجية" تحت رحمة نيران المحور.

  • تداعيات سقوط "الهيمنة" في الميدان

إن أي انكسار عسكري أمريكي مباشر في مواجهة المحور سيؤدي فوراً إلى:

تسارع التمدد الروسي والصيني: ستستغل موسكو وبيجين انشغال وانكسار أمريكا لحسم ملفات (أوكرانيا وتايوان) نهائياً، ما ينهي الوجود الأمريكي في شرق أوروبا وشرق آسيا.
سقوط أنظمة العمالة: الأنظمة العربية التي ربطت مصيرها بوهم "الحماية الأمريكية" ستجد نفسها وحيدة أمام شعوبها الغاضبة، ما سيؤدي إلى موجة تغيير جذرية تعيد شعوب المنطقة إلى خندق المقاومة.

  • الخاتمة: التحول التاريخي

إن الفارق الجوهري بين أمريكا ومحور المقاومة في أي مواجهة قادمة هو "إرادة القتال": أمريكا تقاتل من أجل "مصالح شركاتها ونفوذها الزائل"، بينما يقاتل المحور من أجل "وجوده وكرامته ومقدساته". هذا الفارق النفسي والعقائدي هو الذي جعل فيتنام وأفغانستان مقبرة للغزاة، وسيجعل من المنطقة العربية والإسلامية الساحة التي تُعلن فيها وفاة "القطبية الواحدة".

لقد استوعب المحور دروس الماضي، وحصّن نفسه بالتصنيع، والوحدة، والارتباط بالحقوق المشروعة، وهو اليوم جاهز ليس فقط للصمود في حرب باردة، بل لفرض واقع جديد يكتب تاريخه بأيدٍ وطنية حرة.

إن هذه الحرب الباردة الجديدة لا تهدف فقط لحماية إيران أو اليمن، بل هي مخاض لعالم جديد "متعدد الأقطاب" تنتهي فيه غطرسة القطب الواحد، وتستعيد فيه شعوب المنطقة سيادتها وقرارها. وبناءً على هذا المسار التصاعدي، يبدو أن العالم يقف على حافة تحول تاريخي؛ فالحرب الباردة ليست سوى مرحلة "عض أصابع" تسبق تشكل النظام العالمي الجديد.

  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر