مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 12 ربيع أول 1448هـ
في ذكرى مولد النبي محمد صلى الله عليه وآله، تستعيد الأمة أعظم منعطف في تاريخها، يوم بزغ نور الرسالة الإلهية الخاتمة في واقعٍ أثقله الجهل والضلال، لتبدأ به مرحلة جديدة في مسيرة الإنسان، قوامها الهداية والتزكية والعلم، وإخراج الناس من الخضوع للباطل إلى العبودية لله وحده. فالمولد النبوي ليس مجرد ذكرى لميلاد رجل عظيم غيّر مجرى التاريخ، بل هو استحضار للمنّة الإلهية الكبرى التي تجسدت في بعثته، وللرسالة التي حملها مشروعًا متكاملًا لإصلاح الإنسان وإقامة القسط وتحريره من عبودية الطاغوت. ومن هنا، فإن الاحتفاء بهذه المناسبة لا يستقيم عند حدود التعبير عن المحبة والاعتزاز، بل يجد معناه الأعمق في العودة إلى حقيقة الرسالة، واستيعاب خصائصها وغاياتها، واستلهام منهجها في مواجهة ما تعيشه الأمة من ضلال وتبعية وفرقة وتخبط.
وفي هذا التقرير، نقترب من خصائص الرسالة المحمدية وغاياتها، بوصفها امتدادًا لمسيرة الهداية الإلهية، ومشروعًا ربانيًا شاملاً حمل للإنسان منهجًا للوعي والتزكية والتحرر وإقامة العدل، لنفهم من خلال ذكرى المولد النبوي أن الارتباط بالرسول صلى الله عليه وآله لا ينفصل عن الارتباط بالرسالة التي جاء بها، وأن استعادة الأمة لعافيتها مرهونة بمدى عودتها إلى هذا المنهج في الفكر والموقف والسلوك.
-
أولاً: خصائص الرسالة المحمدية
جاءت الرسالة المحمدية امتدادًا لمسيرة الرسالات والشرائع الإلهية السابقة، ضمن مشروع هداية واحد اصطفى الله له أنبياءه ورسله منذ آدم عليه السلام، وأراد به هداية البشر، وإقامة الحجة عليهم، وتجنيبهم التخبط والشقاء. وفي هذا السياق، يبرز القرآن الكريم وحدة الرسالات في أصلها وغايتها، وأن رسالة محمد صلوات الله عليه وعلى آله لم تكن بدعًا من الرسالات، ولا منفصلةً عما سبقها، بل جاءت امتدادًا لها وخاتمةً لمسيرتها؛ إذ أمره الله أن يقول: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9]. وتقوم هذه الرؤية المنهجية على اقتران الوجود الإنساني بالهدى الإلهي؛ إذ يمثل الاتباع لتعاليم الوحي ضمانةً للسلامة والنجاة، في حين يؤدي الإعراض عنها إلى الوقوع في الشقاء ومكابدة الخسران والتعرض لنقمة الله وبأسه وعذابه.
وفي ما يتعلق بآلية اختيار الرسول تتضح فلسفة الاصطفاء الإلهي بوصفها عملية تأهيل وإعداد رباني شامل يُكسب الشخصية الرسولية الكفاءة القيادية والروحية للاضطلاع بعبء الرسالة؛ كما في قوله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75]. ويزداد هذا المعنى جلاءً في الخطاب الإلهي لموسى عليه السلام: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 41]، والذي يجسد أرقى صور الإعداد النفسي والسلوكي للرسول، ليكون قادرًا على أداء مهام البلاغ المبين، وليكون في الوقت ذاته أنموذجًا قدويًا يُحتذى به في التطبيق العملي للقيم والتعاليم الدينية في واقع الحياة.
-
الإنقاذ الحضاري والتربوي من الضلال
كما تتجلى الرسالة المحمدية بوصفها مشروعًا إصلاحيًا شاملاً يهدف إلى الانتشال الحضاري والإنساني من غياهب الجاهلية والضلال إلى رحاب الوعي والهداية، وقد تجسد هذا المعنى في النص القرآني الذي يُؤرّخ للبعثة النبوية وأبعادها الوظيفية، كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة: 2-4].
وتتضمن هذه البعثة أبعادًا وظيفية ترتكز على ثلاثة تراتبيات تربوية ومعرفية متكاملة:
تتصدر هذه الأبعاد وظيفة {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ }، وهي المنهجية المنوطة بتشكيل وعي المجتمع وبنائه الفكري والبصيري، بما يحصن أفراده ضد محاولات التضليل والتزييف والإفساد، ويمنح الأمة مناعة معرفية تضمن استقامة مسارها.
ثم تأتي وظيفة { وَيُزَكِّيهِمْ } بوصفها ركنًا أساسيًا في البناء النفسي والسلوكي للإنسان؛ إذ لا يقتصر التحول الحضاري على التلقي الذهني، بل يمتد إلى التزكية الأخلاقية التي ترتقي بالفرد ليكون عنصرًا صالحًا ومصلحًا، قادرًا على تحقيق الفلاح في أبعاده الدنيوية والأخروية.
وتكتمل هذه المنظومة بوظيفة { وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، والتي تؤكد الدور القيادي والتعليمي للرسول صلوات الله عليه وعلى آله، إذ يمثل تعليم "الكتاب" تأسيس المرجعية التشريعية والقيمية للأمة، بينما يعبر تعليم "الحكمة" عن إكسابها الرشادة في السلوك والموقف والتطبيق. وتتجلى هذه الحكمة في إشاعة العقلانية والاتزان في إدارة الشؤون الحياتية، واتخاذ المبادرات السديدة في التعامل مع الأزمات والتحديات، ما يكفل للأمة عزة وجودها واستقلالية قرارها.
-
مشروع الرسالة الإلهية
يتجسد مشروع الرسالة الإلهية بوصفه منظومة تربوية وحضارية شاملة تتجاوز الأطر الزمانية، ليمتد أثر الرسالة في الأمة استمرارًا وتتابعًا بين أجيالها المتعاقبة؛ سلفها وخلفها، وتتكامل في هذه المهمة الرسالية الأبعاد المعرفية والسلوكية؛ إذ يمارس النبي صلوات الله عليه وعلى آله أدوارًا مركبّة تجمع بين المعلم الموجه، والمربي المصلح، والقائد الذي ينهض بمعالجة المشكلات وتزكية النفوس، ويقود المجتمع نحو غايات العزة والرشَاد والفلاح.
وترتكز هذه المنهجية التربوية على عمق الصلة بالله تعالى، كشرط أساسي لنيل التوفيق الإلهي والرضوان والتمكين، وهي رسالة تتكفل بتقديم هذا النموذج الإصلاحي الشامل للجيل المعاصر للبعثة ولجميع من يعقبهم من أجيال الأمة عبر التاريخ، اتساقًا مع التقرير القرآني لشمولية البعثة واستيعابها لللاحقين في قوله تعالى: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} [الجمعة: 3].
-
المبعث النبوي منّة إلهية وفضل عظيم
تتأكد المنهجية الإسلامية في النظر إلى البعثة النبوية بوصفها أعلى مراتب الفضل والمنّة الإلهية على البشرية؛ إذ لا تقتصر الرسالة على كونها تكليفًا تشريعيًا، بل تمثل إنعامًا ربانيًا يمنح الأمة موقعها الريادي واستحقاقها الحضاري. وتتجلى هذه الحقيقة في التقرير القرآني المباشر لمرتبة هذا الفضل في قوله تعالى: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة: 4].
ويرتبط هذا الفضل بمسؤولية مناطية تؤهل الأمة لتحقيق غايتها الوجودية والنهوض بالدور المناط بها في الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بما يكفل لها الخيرية والتمكين. وفي هذا السياق، ينص القرآن الكريم على مفهوم المنّة الإلهية المقترنة بالبعثة النبوية في قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164].
وتبرز أهمية هذه المنة في كونها المعيار الأساسي الذي يعصم المجتمع من الضياع الوجودي والتخبط الغائي في مختلف مناحي الحياة؛ إذ تعلو قيمة الهداية والتحصين المعرفي والنفسي على سائر النعم المادية التي تفقد قيمتها الغائية عند اقترانها بالشقاء والانحراف عن المنهج الهادي.
-
ثانياً: غايات الرسالة الالهية
-
أما غايات الرسالة الإلهية فتتمثل في ما يلي:
-
• إقامة القسط
من ضمن الغاية والهدف من إرسال الرسل وإنزال الكتب، والغاية من دين الله بشكل عام هو إقامة القسط، يقول الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}(الحديد: 25). ومن مفاهيم القسط العدل، {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}(الحديد: 25)، فالله جل شأنه رحيم بعباده يريد سعادتهم، يريد فلاحهم، يريد لهم الخير، يريد لهم ألا يُظلموا، ألا يُقهروا، ألا يُستذلوا، ألا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، فأرسل رسله، وأنزل كتبه التي فيها هديه وتعاليمه العظيمة ودينه القيم. هذا كله من أجل الناس ليقوم العدل فيهم وليعم الصلاح وليعم الخير، يترتب على ذلك كله زوال الظلم وزوال الفساد وزوال الشر، وكل هذه الثلاثيات يعاني منها الناس في حياتهم [الظلم، والفساد، والشر].
وإذا عدنا إلى واقع الأمة الإسلامية في هذا العصر ونظرنا إلى ما هي عليه، وما يلحق بها من ظلم وإذلال وقهر، وما هي فيه من شتات وفرقة وانحطاط وتخلف، نعرف مدى خسارتها حين أضاعت مسؤوليتها في التمسك برسالة الله وإقامة دينه الذي يكفل لها قيام العدل؛ فلنفهم أن طريق الخلاص من الظلم والهوان لكل شعوب أمتنا، والطريق إلى تحقيق العدل، وإزالة الظلم، وتعميم الخير، وإبعاد الشر، وتحقيق السعادة، الطريق إلى ذلك هو إقامة رسالة الله التي تتمثل بكتابه ودينه.
-
• التحرر من عبادة الطاغوت
غاية أخرى لرسالة الله ورسوله ذكرها الله سبحانه وتعالى بقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ}(النحل:36). إذاً فمن الأهداف الأساسية لرسالات الله عبر كل الأمم وإلى هذه الأمة خاتمة الأمم، ورسولها ونبيها خاتم الأنبياء، من الأهداف الأساسية والغايات الأساسية لرسالات الله ورسله وكتبه دفع الناس إلى التزام العبودية لله من خلال طاعته، واتباع هديه، والتزام أوامره، والانتهاء عن نواهيه، وتطبيق نظامه في الحياة، وتحرير العباد من الطاغوت بما يترتب على هيمنة الطاغوت من استعباد للناس وظلم لهم، وشر وفساد كبير.
والطاغوت هو عندما يتحكم على الناس طاغية يفرض عليهم ما يشاءه ويريده على هوى نفسه بعيداً عن دين الله وعن طاعة الله وعن كتاب الله، أو يُفرض عليهم نظام أو قانون يخالف الله ويتعارض مع دينه وهديه، وهذا من دلائل رحمة الله بعباده، ففي هديه ودينه وما بلَّغ به رسله الخير للناس والسعادة والعدل، أما الطاغوت فشر وظلم وضلال وخسران مبين.
نصل إلى نتيجة مهمة، إنه يتحقق للناس من خلال اتباع الرسول والقرآن التحرر من عبودية الطاغوت المذلة والسيئة والتي هي شر محض، ويتحقق لهم عبادة الله بشكل صحيح في إقامة دينه متكاملاً بما يحقق الخير لهم والعزة والفلاح، ولا يمكن أن يقبل الله من عباده أن يطيعوه في بعض الأمور المحدودة وما تبقى من أمورهم للطاغوت، كما يتصور البعض -وهم مخطئون- أنه يكفي من حياتنا خمس خصال لله والباقي من كل شؤون حياتنا ومواقفنا تكون على ما يريد الطاغوت، هذا خطأ كبير.
فالله جل شأنه يقول في القرآن الكريم: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا}(البقرة:256)، ومن خلال هذه الآية القرآنية المباركة يتضح أنه لا يتحقق الإيمان بالله إلا بالكفر بالطاغوت، ومن هذا المنطلق بعث الله خاتم رسله وأنبيائه محمد (صلى الله عليه وآله) بمشروع متكامل عظيم مرتبط بملك الله ورحمته؛ لإصلاح البشرية ودفعها إلى عبادة الله، وإنقاذها من الطاغوت والظلم والهوان، ولتحقيق العدل، وإتمام مكارم الأخلاق، والسمو بالإنسان ليقوم بمسؤوليته في الحياة مع مبدأ الثواب والعقاب، كما يقول الله جل شأنه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً}(الأحزاب: 45-48).
-
• إصلاح الإنسان وتربيته
غاية أخرى من الرسالة الإلهية هي إصلاح الإنسان وتربيته والارتقاء به وتكريمه وهدايته؛ ولذلك يذكِّرنا الله بعظيم النعمة علينا -نحن العرب- حينما يقول: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(الجمعة: 2-4). ولأن أمتنا في هذا العصر فقدت تفاعلها مع رسالة الله ودينه ونبيه فقد خسرت العدل، وغرقت في الظلم، وفقدت زكاء النفوس وكان البديل هو الانحطاط والسوء، وفقدت الحكمة وكان البديل هو الغباء والتخبط في المواقف والعشوائية في العمل واللغو في الكلام.
-
أبعاد ودلالات ذكرى المولد النبوي الشريف
إن لهذه المناسبة دلالتها المهمة وعطاءها الكبير، فهي احتفاء وتقدير للنعمة الإلهية واعتزاز وتشرفٌ بها {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}. وأي نعمة أعظم وأي شرف أكبر من نعمة الهدى الإلهي من خلال القرآن والرسول التي بها النجاة والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة، وهي كذلك رمز لأصالة الأمة وهويتها واستقلالها، وركيزة أساسية فارقة في مواجهة كل محاولات التذويب للأمة ومساعي الاحتواء لها وطمس هويتها من قبل أعدائها، وهي مناسبة للوحدة الإسلامية واستذكار القواسم المشتركة والكلمة السواء بين كل المسلمين، فالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) ليس رمزاً خاصاً بمذهب أو طائفة أو عرق أو بلد، وهي ذكرى وتذكير بالنبي الخاتم وبمقامه وبرسالته، وتعزيز الارتباط به وبرسالته، وهي منطلق مهم لتغيير الواقع السيئ والمرير والمهين الذي تعيشه الأمة، وإصلاح الخلل، وتصحيح الوضع الذي تعيشه الأمة الإسلامية، وتتحدد أهم الدلالات المنبثقة عن استحضار هذه المناسبة في المحاور الآتية:
-
• أولاً: ترسيخ الهوية والاستقلالية الحضارية
تُعد الذكرى ركيزة فارقة في تعزيز الأصالة الثقافية للأمة وتحصين كيانها المعرفي والقيمي ضد محاولات التذويب القسري، ومساعي الاحتواء وطمس الهوية، مما يمنح الأمة مناعة قدرة على الصمود والاستقلال الحضاري.
-
• ثانيًا: تعزيز الوحدة الإسلامية والرابطة الجامعة
يشكل الرسول صلوات الله عليه وعلى آله نقطة الالتقاء الجامعة ومحور القواسم المشتركة بين المكونات الإسلامية كافة؛ إذ يتسامى مقامه الشريف عن الأطر المذهبية والطائفية والعرقية والجغرافية، ليكون رمزًا كليًا يجمع الأمة على كلمة سواء، ويُفعّل أواصر التقارب بين أبنائها.
-
• ثالثًا: الانطلاق نحو الإصلاح والتغيير الحضاري
لا تقف هذه الذكرى عند حدود الاستذكار التاريخي للرسالة ومقام النبي الخاتم، بل تتعداه لتكون محطة مراجعة استراتيجية للواقع الإسلامي المعاصر، ومنطلقًا عمليًا لتشخيص مكامن الخلل، وتجاوز حالة التراجع، وبناء استجابة حضارية فاعلة تُعيد للأمة دورها الريادي.






