مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 22 ذو القعدة 1447هـ
تقرير | وديع العبسي
سيبقى السادس من مايو 2025من أيام الولايات المتحدة السوداء؛ ففيه بدأ مسارها العدواني الهمجي يشهد الانكسار، وبدأ سجلها يشهد توثيق نكسات استراتيجية لم تعشها من قبل، على إثْره تبدّلت نظرة العالم إلى "القوة التي لا تقهر" لتصير إلى دولة قابلة لـ"السحب والطرق"، وليخفت بريقها الإرهابي وهيلمان هيمنتها، ومعادلة الردع التي اكتسبتها من سلوكها المنحرف خلال الحرب العالمية الثانية.
في هذا التاريخ، السادس من مايو 2025، فوجئ العالم أجمع بقرار الإرهابي "ترامب" الانسحاب من مواجهة القوات المسلحة اليمنية في البحر الأحمر. وقْع الحدث دفع الكثير في العالم لمراجعة حساباتهم في الركون على القوة الأمريكية. وفي الحيثيات -بما اشتملت عليه من تجهيز وتسخير بلا سقف للقدرات العسكرية من أجل تنفيذ مهمة إنقاذ عاجلة للكيان من "التهديد اليمني"- ما أعطى الأفضلية لهذه القوة الناشئة بإمكانات بسيطة.
-
عن سابق نوايا وترتيب
اتجهت حينها الأنظار وكاميرات الرصد إلى عملية تحشيد لافتة للقوات الأمريكية ومدمراتها وحاملات الطائرات، وتوجيهها إلى المنطقة لتنفيذ عملية عدوانية على اليمن؛ ما كشف -في أولى الدلالات- بأن اتخاذ قرار العدوان لم يكن مصادفة، وإنما عن سابق نوايا وترتيب، بدأه المجرم "ترامب" قبل عودته إلى البيت الأبيض، بتأكيده -صراحةً- حتمية إنهاء التهديد اليمني للكيان.
حينها كان العدوان الإسرائيلي الهمجي على غزة في ذروته، فيما كانت مراحل تأديبه من قبل القوات اليمنية تسطر تحولات جديدة لم يألفها العالم من قبل وعلى نحو مطلق، فالصواريخ الباليستية والفرط صوتية والمتشظية والطائرات المسيرة أظهرت العدو كما هو على طبيعته بلا رتوش وبلا تضخيم إعلامي، وأحالت حياة الصهاينة إلى سباق "ماراثوني" متكرر هرباً من القصف إلى الملاجئ، وعقدت على الكثير من الغاصبين قدراتهم المعيشية عقب حصار طاف صداه كل العالم لميناء أم الرشراش، وأجبرت الشركات على قطع استثمارها مع العدو الإسرائيلي، وحولت الكيان إلى جغرافيا غير آمنة.
-
المواجهة تنسف رهانات أمريكا
تحرَّك المجرم متحزماً بالوهم بأن كل شيء سيعود إلى الوضعية الانسيابية في مواصلة المجند الصهيوني السير على طريق تنفيذ مخطط ترسيخ الاستباحة وتهيئة مناخات الظهور لما تسمى بـ"إسرائيل الكبرى"، وراهن -إلى جانب قادته المتطرفين في البيت الأبيض والبنتاغون- على الترهيب باعتبار أمريكا القوة الأولى عالمياً وصاحبة أكبر نفوذ على الدول، أنظمة حاكمة وقوى معارضة. راهنوا أيضاً -لتحقيق النصر السهل- على القناعة التقليدية التي صنفت اليمن لعقود طويلة كدولة ضعيفة نخرتها الحروب والخلافات، وأكلت أخضرها ويابسها، ولم تلتقط أنفاسها لتبني قدراتها، خصوصاً وهي التي تعرضت لعدوان ثمانِ سنوات متواصلة دمر كل شيء، وحصار أغرق البلاد في دوامة من الأزمات.
وهذه التفاصيل هي ذاتها التي جعلت المتابع الدولي يصطف إلى جانب "القوة العظمى"، ويضع في حكمه الاستباقي أن النزال غير متكافئ بالتالي فالنتيجة محسومة لصالح البلطجي الأمريكي. من أجل ذلك جاء إعلان المجرم الانسحاب كالصاعقة؛ وهذه النتيجة غير المتوقعة والفرار غير المدروس أربك التصورات المختزنة بشأن طبيعة قواعد القوة بعد عقود من حصرها على مستوى وحجم القدرات العسكرية، ونسف مفاهيم الردع التي ضللت العالم طويلاً وصنعت لأمريكا هالات جعلت منها دولة بمقدورها فعل أي شيء.
-
فرض معادلات جديدة
وكما لم يأتِ اتخاذ قرار الاعتداء على اليمنيين إلا بعد الترتيب والتهيئة له، جاء قرار الانسحاب بعد أن تسببت هزات الضربات اليمنية في "صحيان" المغرور الأمريكي من حالة الوهم وهو يرى مسارات الهجمات التي يتعرض لها تضرب أساطيله البحرية، وتسقط مقاتلاته ومسيّراته التجسسية، وتنسف هيبة حاملات الطائرات، وتواصل -في ذات الوقت- ضرب عمق الكيان الإسرائيلي وفرض الحصار عليه. يقول الأدميرال كيفن كيد دونيجان، القائد السابق للأسطول الخامس الأمريكي: "اليمنيون أسقطوا العديد من الطائرات بدون طيار الأمريكية من طراز ريبر، وقد اكتسبوا مكانة بارزة بين محور المقاومة، وزادوا من قدرتهم على تصنيع الأسلحة في اليمن. اليمنيون هم من جعلونا نشهد أول حرب فضائية على الإطلاق".
وفي تفاصيل المعركة وما انتهت إليه، تشَكَّل لليمن حضور استثنائي ارتقى به إلى مستوى القدرة القاهرة والقادرة على التأثير بعد نجاحه في فرض معادلات جديدة اعتبرها البعض تحولات في نسق العمليات البحرية لم يعشها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. وإثر ذلك جاءت النتيجة أكبر من قدرة المراقبين والمخدوعين بقوة أمريكا على استيعابها؛ فأمريكا تنسحب بشروط يمنية، واليمن في اتفاق إنهاء المواجهة يمنح العدو الأمريكي فرصة لملمة أشلائه والتوقف عن لعب دور المدافع عن الكيان، في مقابل استمرار اليمن في عملياته الإسنادية لغزة.
الحدث مثّل صفعة للعدو الإسرائيلي الذي أثار حينها رغبته أن يتضمن الاتفاق عدم استهداف اليمن لكيانه، إلا أن أمريكا لم تكن في مستوى يعطيها أي مساحة لوضع مثل هذا الشرط، ليجد الكيان نفسه في مواجهة عمليات فضح وتقزيم لقدراته، وعجز عن ضمان الحماية لمجتمع الغاصبين؛ وتعاظم الشعور بالخطر الوجودي.
-
نزيف حاد في القدرات وفي السمعة
يؤكد مراقبون بأن واشنطن تصورت أنه بذاك الحجم من التحشيد وتحريك ست حاملات طائرات ومدمرات كانت كافية لردع اليمن ورضوخه لإيقاف الهجمات على كيان الاحتلال ورفع الحصار عنه، إلا أن القوات اليمنية فجرت مفاجأة تراكمت طيلة أكثر من (50) يوماً من المواجهة حين فرضت حقائق جديدة، أبرزها انتهاء عصر الركون إلى هيبة الردع التي تمتعت به حاملات الطائرات لعقود. فما حاولت واشنطن الاستعانة به كأدوات تهديد وترهيب تحول إلى أهداف للقوات اليمنية.
ويقر الكثير من القادة الأمريكيين -بما فيهم عسكريون سابقون وحاليون- بأن القوات الأمريكية عاشت فصلاً صعباً خلال المواجهة مع اليمن في البحر الأحمر، تعرضت فيه لنزيف حاد في القدرات وفي السمعة، واصفين ما حدث بالهزيمة وإن لم تعلن واشنطن ذلك بشكل صريح. ويؤكد المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) لاري جونسون بأنه ليس هناك تفسير آخر لما حدث بكونه هزيمة للولايات المتحدة على يد القوات اليمنية.
جونسون أكد أيضاً أن العمليات اليمنية في البحر الأحمر فرضت واقعاً جديداً على القوى الغربية، وأظهرت فشل واشنطن وحلفائها في حماية خطوط الملاحة التي زعموا السيطرة عليها لعقود، مشيراً إلى أن القدرات اليمنية قلبت موازين القوة البحرية في المنطقة. فيما يقر متابعون بأن ما أظهره اليمن من قدرة فرض قراراته السيادية وثبات موقفه الداعم للقضية الفلسطينية لم يكن خلف موقف ترامب بالانسحاب فقط، إنما دفعه كذلك إلى وقف إطلاق النار في غزة.
