مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 13 ذو القعدة 1447هـ
ليس بالضرورة أن تكون المعركة متكافئة الأسلحة لتكون حاسمة النتائج، وليس دائماً من يمتلك الأحدث والأعلى تكلفةً هو من يكتب نهايات الحروب. في جنوب لبنان -حيث يلتقي ثبات الجبال بصمود الرجال- يكتب سلاح لم يأخذ حقه من التقدير الاستراتيجي فصولاً جديدة من تاريخ المواجهة مع العدو الإسرائيلي، إنه سلاح "المسيرات الانقضاضية"، ذلك المحلق الصامت الذي استطاع -في غضون أشهر- أن يحفر اسمه بحروف من نار في سجل الإنجازات الميدانية، وأن يزرع الرعب في قلب منظومة عسكرية كانت تظن أنها تحصنت من كل سلاح.
هذا السلاح، الذي أتت به المقاومة من رحم التحدي والإبداع بتقنية الألياف البصرية، تحول إلى معضلة إسرائيلية كبرى يعترف بها قادة وضباط العدو قبل المحللين. فهو من جعل دبابة الميركافا فريسة سهلة، وجرافات الهندسة أهدافاً مكشوفة، وتجمعات الصهاينة بمثابة "مربعات موت"، بل ودفع العدو إلى تغيير بروتوكولات إخلاء جرحاه هرباً من صياد لا يخطئ هدفه.
لقد أصبحت الطائرات الانقضاضية -وبإقرار إسرائيلي رسمي وعلني- التهديد الأكبر والأكثر إشكالية الذي يواجه قوات العدو الإسرائيلي اليوم. فما هي طبيعة هذا السلاح؟ وكيف استطاع أن يعيد تشكيل ميدان المعركة؟ وما الذي أحدثه في صفوف العدو، عسكرياً ونفسياً؟
-
المسيَّرات سلاح حاسم
لطالما اعتاد العدو الإسرائيلي على فرض سيطرته الجوية على كامل طبقات الأجواء، معتمداً على منظومات متطورة من الرادار والتشويش والاعتراض، لكن حزب الله نجح في كسر هذه القاعدة بإدخاله إلى المعركة جيلاً جديداً من المسيرات الهجومية، وتحديداً تلك التي تعمل بتقنية "الألياف البصرية"، فهذا النوع من المسيرات -كما ورد في تحليلات إسرائيلية متعددة- يتميز بكونه صامتاً، لا يبث إشارات إلكترونية يمكن التشويش عليها، فضلاً عن كونه منخفض الكلفة مقارنة بصواريخ الدفاع الجوي الباهظة التي يستخدمها العدو لمحاولة اعتراضه.
وهنا تكمن المفارقة التي أصابت العدو بالصدمة، فكيف يمكن للعدو الذي يمتلك أسطولاً من مقاتلات "F-35" ومنظومة "آرو" الاعتراضية أن يخشى من طائرات صغيرة لا تتجاوز حمولتها بضعة كيلوغرامات من المتفجرات؟ الإجابة يقدمها الإعلام العسكري الإسرائيلي بنفسه، عندما يقول إن هذه المسيرات "شكّلت مفاجأة كبيرة في ساحة المعركة، ولم نستعدَّ بشكل كافٍ لها" بحسب ما نقله موقع «i24NEWS» عن مصدر أمني كبير لدى العدو. هذا الإقرار يتقاطع مع ما أوردته قناة «كان» العبرية عن مصادر أمنية أقرّت بأن التهديد «معروف منذ أربع سنوات، لكن الاستعداد له كان ناقصاً، والآن ندفع الثمن» مشيراً إلى أن "جيش" العدو بدأ تدريبات محدودة فقط مع بداية الحملة. وهذا كله اعتراف بأن سلاح المسيرات نجح في استغلال نقطة عمى استراتيجية في منظومة دفاع العدو، وحول الخلل التقديري إلى خسائر دموية في الميدان.
-
الانهيار الميداني للعدو الإسرائيلي
وشكّل استخدام المسيرات الانقضاضية عبئا كبيرا على الواقع الميداني للعدو نظرا للتحدي الطارئ بحسب ما ذكره المراسل العسكري -في قناة "كان" العبرية"- الصهيوني "إيتاي بلومنتال"، والذي أشار إلى أن حزب الله عمل على الدفع بمسيّرات "FPV" الانتحارية إلى الواجهة، وهي طائرات تتميز بدقة عالية وقدرة على المناورة في تضاريس معقدة، ما يجعلها سلاحاً فعالاً ضد القوات البرية، وفي نفس السياق ذكرت إذاعة "جيش" العدو بأن وتيرة الاستخدام بلغت عشرات المسيّرات الهجومية أسبوعياً على مختلف الجبهات، بعضها ينفذ عمليات إسقاط ذخائر، فيما يُستخدم البعض الآخر كذخائر انتحارية مباشرة، وهذا الارتباك دفع بقوات العدو إلى نشر شبكات فوق المواقع العسكرية لاعتراض المسيّرات، في حين تقتصر التعليمات العملياتية -في كثير من الأحيان- على "اليقظة وإطلاق النار عند الرصد". هذه المحدودية في الوسائل دفعت قادة ميدانيين إلى التعبير عن إحباط كبير بحسب ما نقلته إذاعة "جيش" العدو، مع تأكيد أحد الضباط أنه «ليس هناك الكثير مما يمكن فعله حيال هذا التهديد».
ونظرا للمخاطر الكبيرة على العدو وما تم مناقشته على مستوى السلطات العليا في الكيان الإسرائيلي، فقد أفادت إذاعة "جيش" العدو أن تهديد المسيّرات كان محوراً رئيسياً في اجتماعات القيادة في قاعدة «رامات دافيد»، حيث وصفه قائد لواء المدفعية 282 بأنه "تحدٍّ عملياتي كبير يتطلب إعادة تنظيم شاملة لطرق المواجهة". وفي السياق ذاته، كشفت "i24NEWS" أن الاستخبارات العسكرية (أمان) أطلقت حملة تستهدف "سلسلة القيمة" الخاصة بمسيّرات حزب الله، عبر ضرب الموردين والمشغلين والمعدات، في محاولة لاحتواء التهديد من جذوره، خاصة مع تحذيرات من نية الحزب تكثيف استخدام هذا السلاح.
وحول جدوى عمليات الطائرات الانقضاضية أفادت صحيفة «معاريف» العبرية أن حزب الله نجح في فرض معادلة ميدانية معقّدة على "الجيش" الإسرائيلي عبر تكتيكات قتالية تهدف إلى منع تثبيت وجود دائم في جنوب لبنان. واعتبرت أن «حزب الله عاد إلى أيام المعادلات»، مضيفة أن «إسرائيل عادت عملياً إلى مرحلة ما قبل السابع من تشرين الأول 2023».
بدوره، تحدث "آفي أشكينازي" في صحيفة «معاريف»، عن إقرارا داخل جيش العدو بفقدان المكاسب التي تحققت في جولات سابقة، بل وذهب إلى حد القول إن «إسرائيل خسرت الحملة الحالية في لبنان»، داعياً من يسمى رئيس الأركان إلى التحرّك.
-
ما الذي أحدثته المسيرات في ميدان المعركة؟
إن النتائج الميدانية هي خير برهان، فقد استطاعت مسيرات المقاومة أن تفرض واقعاً جديداً على قوات العدو الإسرائيلي المتوغلة في جنوب لبنان، ويمكن إجماله في النقاط المحورية التالية:
تحييد التفوق الجوي والكشف الراداري: بفضل تقنية الألياف الضوئية، أصبحت المسيرات غير قابلة للتشويش الإلكتروني، كما أن حجمها الصغير وانخفاض بصمتها الحرارية يجعلان اكتشافها بواسطة الرادارات التقليدية أشبه بإيجاد إبرة في كومة قش، ما يعني أن قوات العدو باتت مكشوفة تماماً في العراء، وكل تحركاتها مرصودة من الأعلى دون أن يكون لديها إنذار مبكر حقيقي.
القناة 12 العبرية ذكرت أنّ حزب الله لجأ إلى استخدام مكثف للطائرات المسيرة المتفجرة كسلاح رئيسي بدلاً من الصواريخ والصواريخ المضادة للدبابات، وأوضحت أنّه «يتم التحكم بالطائرات من دون طيار من مسافة تصل إلى 15 كيلومترًا، وتحمل ما يصل إلى 6 كيلوغرامات من المتفجرات».
وأشارت إلى أنّ "الجيش" الإسرائيلي يقرّ بأن «حزب الله قد كثّف مؤخراً استخدامه لهذه الطائرات على حساب النيران المضادة للدبابات والصواريخ، مستفيداً من دقتها العالية نسبياً وصعوبة اعتراضها»، لافتاً إلى أنّ «هذه الطائرات المسيّرة تُشبه تلك المستخدمة في الحرب الأوكرانية - الروسية، ومن الواضح أن حزب الله بارعٌ جدًا في تشغيلها».
وفي مواجهة ما وصفته بـ«التهديد التكنولوجي» قالت القناة إنّ "الجيش" الإسرائيلي يجري «تجارب على أنظمة كشف واعتراض جديدة لا تعتمد على الحرب الإلكترونية، وذلك للتغلب على الصعوبات الناجمة عن استخدام الألياف الضوئية»، معتبرةً أنّها «أشبه بسباق تسلح تكنولوجي، ورغم أن إسرائيل في طليعة تكنولوجيا الاعتراض، إلا أنه لا يوجد حاليًا حلٌّ كامل لتهديد المحلّقات في أي مكان في العالم».
استهداف الدروع الثقيلة في نقطة ضعفها: دبابة "الميركافا"، التي يفاخر بها العدو ويعتبرها حصنه الحصين، تمكنت المسيرات من استهداف النقاط الأكثر ضعفاً في هذه الدبابة، وعلى رأسها الجزء العلوي من البرج والفتحات الحساسة لمنظومة "معطف الريح" الواقية، ما يعني عمليا إخراجها عن الخدمة. وكشفت القناة 12 العبرية أن حزب الله بات يستخدم المسيرات بدلاً من الصواريخ المضادة للدروع، نظراً لدقتها العالية وقدرتها على المناورة والانقضاض عمودياً على هدفها، ما أدى إلى تدمير عشرات الدبابات والآليات الثقيلة، وعلى رأسها جرافات "D9" التي كانت العمود الفقري للتقدم البري.
شل الحركة الميدانية وتحويل جبهة الاشتباك إلى "مربعات موت": وهذا هو الأثر المتعاظم. الصحف الإسرائيلية تحدثت بأن جنود العدو "مكشوفون ومعرضون للخطر"، وأن "كل حركة في منطقة مفتوحة أصبحت مخاطرة"، وهذه نتيجة مباشرة لفعالية سلاح المسيرات، فالعدو بات يدرك أن أي تجمع لجنوده، أو أي تمركز في مبنى، أو أي تحرك لآلية إخلاء، سيتم رصده فوراً من طائرة استطلاع، ليعقبها مباشرة ضربة من مسيرة انقضاضية. وهذا الإحساس بالانكشاف الدائم دفع بقادة الميدان التابعين للعدو الإسرائيلي إلى الإعلان بشكل علني عن "إحباط شديد"، وعن أنه "ليس هناك الكثير مما يمكن فعله حيال هذا التهديد" في حالة من الشلل التكتيكي، حيث يتحول زمام المبادرة إلى يد المقاومة، ويصبح العدو مشغولاً بالبقاء على قيد الحياة بدلاً من تنفيذ أي مهمة هجومية.
-
إرباك الإخلاء الطبي وإجهاض التعزيزات:
ربما كانت الصورة الأكثر دراماتيكية وتأثيراً هي تلك التي وثقتها كاميرات المسيرات بنفسها، عندما تستهدف قوة إخلاء إسرائيلية هرعت لإنقاذ جرحى العدو في هجوم سابق، ذلك هو "تكتيك الضربة المزدوجة" الذي أشارت إليه المصادر العسكرية الإسرائيلية، فاستهداف مروحيات الإخلاء أثناء هبوطها، أو في اللحظة التي تجمع فيها الجرحى، لم يسبب فقط خسائر إضافية، بل أدى إلى إجراء تغيير جذري في بروتوكولات الإخلاء القتالي، حيث أقر العدو بـ"تقليص مدة هبوط المروحيات داخل لبنان قدر الإمكان"، خوفاً من أن تكون هدفاً للمسيرة. وهذا يكشف حجم الرعب والإرباك الذي يعتري العدو ويضطره إلى تعديل طريقة إنقاذ جرحاه تحت وابل من الضربات الدقيقة التي لا يرى لها مصدراً.
وفي هذا السياق، قال "يوسي يهوشع" في صحيفة "يديعوت أحرونوت" إنّ "التهديد الأكبر الذي يواجه القوات حاليًا هو الطائرات المسيّرة المتفجرة. لم يعد هذا حدثًا استثنائيًا، بل أصبح واقعًا لا يُتصور"، معتبراً أنّ "الحادثة التي سقط فيها جندي وأصيب 6 جنود، ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة من الحوادث الخطيرة في القتال الدائر في جنوب لبنان". وأضاف: "يطلق حزب الله طائراته المسيّرة مرارًا وتكرارًا، ويتصرف في الميدان وكأنه يُسيطر سيطرة كاملة على الوضع"، مشيراً إلى أنّه "في الأسبوع الماضي، وقع هجوم مروّع في جنوب لبنان باستخدام المحلّقات المفخخة، ولا تزال تفاصيل الحدث تخضع للرقابة العسكرية".
-
التأثير النفسي والانهيار المعنوي لدى العدو
إن الخسائر البشرية والمادية -رغم قسوتها- ليست سوى جزء من الصورة، الإعلام العبري نفسه يتحدث عن "تزايد حالات الانتحار بين العسكريين"، وعن أن الجنود في جنوب لبنان يشعرون بأنهم "مكشوفون ومعرضون للخطر". وهذا الوصف ليس مجرد تعبير مجازي، بل هو تشخيص دقيق لحالة نفسية أثارها الخوف المستمر من طائر مجهول قد ينقض عليهم من السماء في أي لحظة.
صورة المجند الصهيوني الذي يجبر على قضاء ساعات وهو يحدق في السماء، غير قادر على أداء أي عملية هجومية، وهذا العجز اليومي، مع عدم امتلاك حل حقيقي للتصدي للتهديد، يزرع شعوراً عميقاً بالإحباط، ويقوض الثقة بالنفس لدى جنود وضباط العدو على حد سواء.
المشهد الأكبر: فشل استراتيجي واعتراف بالتورط في فخ لبنان
عندما تضع كل هذه الحقائق في سياقها الاستراتيجي، تدرك أن ما يحدث في جنوب لبنان ليس مجرد معركة خاسرة فقط، وإنما إجهاض لمشروع عسكري بأكمله، فالصحافة الإسرائيلية -وليس أي مصدر آخر- هي من تطلق أحكاماً مثل: "إسرائيل خسرت الحملة الحالية في لبنان"، و"القتال في لبنان ينتهي بفشل مطلق"، و"إسرائيل وقعت في الفخ الذي ظنت أنها نصبته لحزب الله". وهذه العناوين هي استنتاجات نابعة من إدراك أن سلاح المسيرات قلب موازين الردع الميداني، فبدلاً من أن يحقق العدو "تفوقاً برياً" ويغير الواقع على الأرض، وجد نفسه عالقاً في مستنقع، يتكبد خسائر يومية من سلاح رخيص الثمن، ويضطر لتقليص قواته، وينسحب تحت النار، ويترك "مستوطنيه الشماليين لمصيرهم"، كما وصفت ذلك "معاريف".
إن تهديد المسيرات تحول إلى عامل حاسم في منع العدو من تثبيت وجوده، وإجهاض أي محاولة لفرض واقع جديد.
-
ختاماً
وفي ظل ما أحدثته مسيرات المقاومة في ميدان جنوب لبنان، مع اعترافات العدو نفسه وهو يصف عجزه وارتباكه، فقد أثبت سلاح المسيرات الانقضاضية أنه سلاح غيَّرَ قواعد الاشتباك، فما حدث في جنوب لبنان هو إعلان عن ولادة مرحلة جديدة من الحرب اللامتكافئة، مرحلة أصبح فيها المستحيل ممكناً، وأصبح فيها الطاغي بكل عتاده مكشوفاً أمام المقاومة، فحين يعترف العدو بأنه "لم يستعد لهذا التهديد" رغم معرفته به منذ أربع سنوات، وحين يقر قادته بأن "لا حل حقيقياً" لمواجهة هذه المحلقات سوى أن يظل جنديهم محدقاً في السماء، وحين يتحدث الإعلام العبري عن "فشل مطلق"، و"خسارة الحملة"، و"وقعنا في الفخ"، فهذا يعني أن الميزان قد انقلب، وأن المعادلات التي كان العدو يظن أنها محسومة لم تعد كذلك.
إن رسالة مسيرات المقاومة إلى العدو الإسرائيلي واضحة، تتوجَّه إليه من فوق أسطح منازل بنت جبيل والقنطرة والطيبة والقوزح: "لن تكون آمنًا في سمائنا كما لست آمناً في أرضنا، ولكل فعل رد، ولكل غطرسة كاسر، ولكل تفوق جوي عين ترقبك من حيث لا تحتسب". لقد أثبت حزب الله -بهذا السلاح- أن الحرب الحديثة لم تعد حكراً على من يمتلك الأضخم والأعلى كلفة، بل أصبحت حكراً على من يمتلك الإرادة الأكثر صلابة، والرؤية الأكثر عمقاً، والقدرة على قراءة نقاط ضعف العدو، حيث لا يرى -هو نفسُه- ضعفَه.

.jpg)




