مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله
العقد اليهودي مع أمريكا!

مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 10 رمضان 1447هـ
تقرير | أنس القاضي
تقدّم ورقة د، ستيفن ويندمولر، المنشورة في "مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية -إسرائيلي" تاريخ 24 فبراير 2026م، بعنوان:" العقد اليهودي مع أمريكا: العهد، والمواطنة، وسياسات الانتماء"، تقدم الورقة سالفة الذكر، تصوراً نظرياً لما يسميه "العقد اليهودي مع أمريكا"، وهو مفهوم أدبي لا يشير إلى وثيقة قانونية محددة، بل إلى إطار لتفسير العلاقة حيث يستعير فكرة "العهد" من التراث التوراتي، ويستخدمها لوصف طبيعة العلاقة بين اليهود الأمريكيين والدولة الأمريكية،  التي من خلالها تنعكس في العلاقات بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

 وتمتاز هذه الأطروحة بأنها لا تنطلق من التحليل الجيوسياسي التقليدي الذي يفسر العلاقة الأمريكية الإسرائيلية بوصفها تحالف مصالح بين أمريكا و"إسرائيل" وهو في طبيعة الحال تفسير واقعي، ولا من المقاربة الشائعة التي تركز حصراً على دور جماعات الضغط اليهودية وهي فعلاً ضاغطة على السياسة الأمريكية وتسهم في صوغ سياسة العدوان في المنطقة لضمان التفوق الصهيوني، بل تنقل زاوية النظر إلى الداخل الأمريكي ذاته، أي إلى  نشاط اليهود كأفراد بوصفهم مواطنين أمريكيين.

تستند الورقة إلى مساهمات مفكرين يهود أمريكيين تناولوا فكرة "العهد" في السياق السياسي الأمريكي، من بينهم جوناثان سارنا، ومايكل والزر، ودان إلعازار، وويل هيربرغ، وقد رأى هؤلاء في التجربة الأمريكية نموذجاً يسمح بتعدد الهويات الدينية ضمن إطار دستوري، بحيث تحافظ الجماعات على خصوصيتها الدينية، وفي الوقت ذاته تنخرط بالكامل في الحياة السياسية الأمريكية.

بهذا المعنى، لا تُقدَّم العلاقة مع "إسرائيل" في هذا التصور كملف خارجي مستقل أو كنتاج ظرفي لحسابات استراتيجية، بل كامتداد لبنية تاريخية–مدنية تشكّلت داخل المجتمع الأمريكي، حيث يُعاد تعريف موقع اليهود بوصفهم شركاء في "عهد" دستوري يربطهم بالدولة الأمريكية، ومن داخل هذا الإطار تُفهم أنماط مشاركتهم السياسية، بما في ذلك دعم كيان الاحتلال الصهيوني، وتكمن خصوصية هذه المقاربة في أنها تحاول تفسير عمق واستمرارية العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية من خلال حركة داخلية طويلة الأمد، لا من خلال توازنات القوة الإقليمية وحدها، ومن ثم تعيد تأطير النقاش حول العلاقة بين الطرفين على مستوى الهوية السياسية والمؤسسات الدستورية، لا على مستوى التحالفات العسكرية أو المصالح الاستراتيجية فحسب.

  • اليهودي كمواطن أمريكي

تقارن الورقة بين التجربة الأوروبية لليهود والتجربة الأمريكية، ففي السياق الأوروبي ساد نموذج يسمه الكاتب بـ"التسامح المشروط"، حيث ارتبط وجود اليهود القانوني بإرادة الحاكم وبإعلان الولاء له، من دون ضمان مساواة مدنية كاملة، وكان يُنظر إليهم كجماعة ذات وضع قانوني خاص.

أما في الولايات المتحدة فقد نشأ إطار مختلف، إذ يكفل التعديل الأول للدستور الأمريكي عام 1791م حرية الدين عبر بندين أساسيين، أولهما منع الكونغرس من سن أي قانون يؤسس لدين رسمي للدولة، وثانيهما ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية، وبذلك لا توجد ديانة رسمية مفروضة، ولا قيود قانونية على ممارسة الانتماء الديني، وقد أتاح هذا الإطار الدستوري لليهود ممارسة شعائرهم وهويتهم من دون اشتراط الاندماج القسري أو التخلي عن الخصوصية الدينية، وفي هذا السياق تتشكل علاقة مدنية–دستورية متبادلة، تقوم على ضمان الدولة للحرية الدينية والمساواة المدنية، مقابل انخراط اليهود الكامل في النظام السياسي الأمريكي بوصفهم مواطنين متساوي الحقوق والواجبات.

  • الوطنية الأمريكية اليهودية

يُقدَّم الولاء في هذه المقاربة بوصفه التزاماً سياسياً دستورياً، يتمثل في الامتثال للقانون الأمريكي، والمشاركة في العملية الانتخابية، والخدمة في مؤسسات الدولة، والانخراط في الاقتصاد والمجتمع، وهو ولاء موجّه إلى الدستور والنظام السياسي لا إلى سلطة دينية أو حاكم فرد، وبهذا المعنى لا يختلف من حيث طبيعته القانونية عن ولاء أي مواطن أمريكي آخر، ويُصاغ هذا الالتزام بوصفه ركناً أساسياً في «العقد»، إذ يؤكد اندماج اليهود في الدولة الأمريكية بوصفهم جزءاً من بنيتها الوطنية، لا كجماعة تعيش في ظل حماية خاصة أو امتياز استثنائي.

  • تطور الحضور السياسي اليهودي

تعرض الورقة مساراً تاريخياً متدرجاً للحضور السياسي اليهودي في الولايات المتحدة، يبدأ بمرحلة «مقدمي الالتماسات» بين 1654م و1870م، حيث انحصر النشاط السياسي لليهود أساساً في تقديم العرائض والطلبات الرسمية إلى السلطات المحلية أو الفدرالية، للمطالبة بحماية قانونية أو إزالة قيود قائمة، وقد استخدمت الجاليات اليهودية في المستعمرات الأولى هذا الأسلوب لضمان حق الإقامة وممارسة التجارة والشعائر، كما ظهرت التماسات تتعلق بإلغاء صيغ القسم الديني التي كانت تفترض الانتماء المسيحي في بعض الولايات، وهو ما عُدّ آنذاك خطوة أولى نحو تثبيت المساواة القانونية، وتميزت هذه المرحلة بتركيزها على تأمين الاعتراف والاندماج القانوني داخل الدولة الناشئة،

 ابتداءً من 1870م وحتى 1930م برزت مرحلة ما يمكن وصفه بـ«الشخصيات النافذة»، حيث لعب أفراد يهود أدواراً مؤثرة في الحياة العامة اعتماداً على مواقعهم الاقتصادية والفكرية وشبكات علاقاتهم الشخصية مع دوائر القرار، ومن بين الأمثلة البارزة لويس برانديز الذي أصبح لاحقاً أول قاضٍ يهودي في المحكمة العليا الأمريكية عام 1916م، وكان قبل ذلك محامياً إصلاحياً ذا تأثير واسع في قضايا الاحتكار والشفافية الاقتصادية، وكذلك جاكوب شيف المصرفي البارز في نيويورك الذي نسج علاقات وثيقة مع دوائر مالية وسياسية، وأسهم في تمويل مشروعات عامة ومبادرات ذات أبعاد سياسية، كما برز أوسكار شتراوس الذي شغل منصب وزير التجارة والعمل عام 1906م، ليكون أول يهودي يتولى حقيبة وزارية في الولايات المتحدة،

اتسمت هذه المرحلة بأن التأثير لم يكن قائماً بعد على بنية مؤسسية جماعية متماسكة، بل اعتمد على الحضور الفردي وبناء الروابط الشخصية مع النخب السياسية والاقتصادية، ومع اتساع موجات الهجرة اليهودية من أوروبا الشرقية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وما رافقها من تحديات اجتماعية وثقافية، بدأت تتبلور الحاجة إلى أطر تمثيلية أكثر تنظيماً للدفاع عن مصالح الجاليات الجديدة، وهو ما مهّد للانتقال لاحقاً إلى مرحلة العمل المؤسسي المنظم في العقود التالية.

بين 1930م و1960م دخل النشاط السياسي مرحلة العمل المؤسسي المنظم، حيث تعزز دور منظمات يهودية وطنية مثل اللجنة اليهودية الأمريكية التي تأسست عام 1906م لكنها توسعت في نشاطها خلال ثلاثينيات القرن العشرين في مواجهة النزعات المعادية لليهود، ورابطة مكافحة التشهير  التي ركزت على مكافحة الكراهية والتمييز الديني والعرقي، والمؤتمر اليهودي الأمريكي الذي تبنى خطاباً أكثر انخراطاً في الدفاع القانوني والسياسي عن الحقوق المدنية، كما لعبت منظمات إغاثية وتمثيلية أخرى دوراً في متابعة قضايا الهجرة وإعادة توطين اللاجئين اليهود بعد الحرب العالمية الثانية.

برز تأثير هذه المؤسسات في الضغط من أجل تشريعات تحظر التمييز في التوظيف والتعليم، وفي دعم قوانين الحقوق المدنية في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، كما شاركت قيادات ومنظمات يهودية في تحالفات واسعة دعمت حركة الحقوق المدنية للأمريكيين من أصول أفريقية، سواء عبر الدعم القانوني أو المشاركة الميدانية أو التمويل، وهو ما عزز صورة الحضور اليهودي بوصفه جزءاً من شبكة إصلاحية أوسع تعمل داخل النظام السياسي الأمريكي، مستندة إلى الأدوات الدستورية ذاتها التي تتيح لجماعات المصالح التأثير في التشريع والسياسات العامة،

منذ ستينيات القرن العشرين وحتى 2026م تتحدث الورقة عن مرحلة "الشراكة"، حيث لم يعد النشاط مقتصراً على الدفاع عن حقوق جماعة محددة، بل أصبح جزءاً من شبكة أوسع من جماعات المصالح التي تعمل داخل مؤسسات الدولة، وفي هذه المرحلة تعزز الحضور في مجالات القرار الداخلي، مثل السياسات التعليمية، وقوانين مكافحة التمييز، والهجرة، والرعاية الاجتماعية، كما اتسع نطاق التأثير ليشمل السياسة الخارجية الأمريكية، خاصة في ما يتعلق بمنطقة "الشرق الأوسط" والعلاقة مع "إسرائيل"، ويتم هذا التأثير من خلال التواصل مع أعضاء الكونغرس، والمشاركة في جلسات الاستماع، ودعم حملات انتخابية، وإعداد أوراق سياسات، أي داخل البنية المؤسسية الأمريكية نفسها.

  • "إسرائيل" ضمن الإطار المدني الأمريكي

تُدرج الورقة دعم كيان الاحتلال الصهيوني ضمن هذا التطور التاريخي للحضور السياسي اليهودي، باعتباره ممارسة سياسية تستند إلى الحقوق التي يكفلها الدستور الأمريكي، مثل حرية التعبير، وحق الالتماس، وحرية التنظيم، وقد بدأت أشكال المناصرة لإسرائيل منذ نكبة العام 1948م، عبر دعم فكرة الوطن القومي اليهودي، ثم تطورت بعد قيام الكيان إلى شبكة منظمة من المؤسسات المعنية بالعلاقة الأمريكية الإسرائيلية.

من أبرز هذه المؤسسات "لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية"، التي تأسست في خمسينيات القرن العشرين، وعملت على بناء علاقات مستمرة مع أعضاء الكونغرس من الحزبين، وعلى تقديم معلومات وتقارير تتعلق بالأمن الإقليمي في "الشرق الأوسط"، كما اعتمدت استراتيجية توسيع قاعدة الدعم عبر إشراك نخب غير يهودية في مجالات الأعمال والتعليم والدين والحكومة، بحيث لا يُقدَّم دعم "إسرائيل" بوصفه قضية تخص جماعة بعينها، بل بوصفه جزءاً من رؤية أوسع للسياسة الخارجية الأمريكية.

ترتبط فاعلية هذه الشبكات بقدرتها على العمل ضمن قواعد النظام القائم، من خلال التمويل السياسي الانتخابي، وتنظيم المؤتمرات، والتواصل المباشر مع صناع القرار، والمشاركة في النقاشات العامة، وقد ظهر تأثير هذا الحضور في مواقف متكررة للكونغرس تتعلق بالمساعدات العسكرية لإسرائيل، أو بقرارات دعمها في المحافل الدولية، كما تجلى في سرعة تمرير حزم مساعدات إلى الكيا الصهيوني عند التطورات الأمنية والعسكرية في المنطقة.

وفق هذه المقاربة، لا يُفهم الدعم الأمريكي لإسرائيل بوصفه مجرد نتيجة لتحالف استراتيجي بينهما، بل كنتاج لتفاعل داخلي طويل الأمد داخل المجتمع الأمريكي، حيث تتقاطع الهوية الدينية الثقافية مع آليات العمل السياسي، وتُترجم هذه التفاعلات إلى سياسات تُصاغ داخل المؤسسات الأمريكية نفسها، ضمن الإطار الدستوري الذي ينظم نشاط جماعات المصالح في الولايات المتحدة.

  • خاتمة

تخلص الورقة إلى أن "العقد اليهودي مع أمريكا" يرمز إلى علاقة مدنية دستورية متبادلة، وفرت لليهود حرية ومساواة غير مسبوقة في تاريخهم الحديث، ومكّنتهم من أن يصبحوا فاعلين مؤثرين داخل النظام السياسي الأمريكي، ووفق هذا التصور فإن فهم العلاقة الأمريكية الإسرائيلية يقتضي النظر إلى الداخل الأمريكي، أي إلى بنية الدولة وآليات العمل السياسي، بقدر ما يقتضي تحليل التوازنات الجيوسياسية الخارجية.

  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر