مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير – 25 شوال 1447هـ
تقرير | وديع العبسي
ضغط آخر يتشكل أمام ترامب ويكاد ينهي ما تبقى له من مستقبل سياسي، فالخروج من مأزق إيران يبدو مستحيلاً بالشكل الذي يريده، والبقاء فيه يعني انتحاراً أكيداً، والورطة تنسحب على حزبه وحضوره السياسي والشعبي في الداخل الأمريكي، وفي الانتظار انتخابات نصفية تقترب، والطريق إليها يبدو ملغّماً بعد أن صارت الأصوات أعلى، مطالِبةً بإقالته من الرئاسة.
تصوّر المجرم ترامب أنه -بتنفيذ حملة عسكرية ضد إيران، واغتنامه المكاسب السياسية والاقتصادية بما في ذلك تعزيز مكانة بلاده وحضورها الدولي- سيضمن البقاء في السلطة بنفس المساحة المريحة من الحركة، والتعامل الدكتاتوري مع الآخرين، والتفرد بالقرارات. إلا أنه تورّط، وتراكمت عليه النتائج الكارثية، ليخرج -كُليّة- في لحظة يأس، وقناعة بكون هذه التجربة من الصراع مع إيران لم تكن بالشكل الذي رسمه له نتنياهو، صارخاً: "افتحوا المضيق اللعين أيها الأوغاد المجانين، أو أنكم ستعيشون في الجحيم". صراخٌ رأى فيه محللون تعبيراً واضحاً عن تعقُّد المهمة، فلم تكن حاسمة وسريعة، ولم تكن رحلة قصيرة كما ردد بداية الحملة.
أما الأمريكيون فقد رأوا في صراخه خسارة أكيدة، بالاستناد إلى أن مضيق هرمز لم يكن ضمن أهداف الحملة، إذ لم يكن مغلقاً أصلاً، ولم تكن هناك كل هذه التعقيدات في سوق الطاقة وسلاسل الإمداد والتوريد.
-
هذيان ترامبي جديد
ومع فشل الوصول إلى حل في مفاوضات إسلام آباد - 11 أبريل، بلغ الأمر بالمجرم ترامب حالة من فقدان السيطرة، أو حتى استيعاب ما يجري حوله، ليخرج بتصريحات أكثر انفعالية زادت من تراكم القرائن على أنه لا يدير سياسة، وإنما أهواء شخصية وانفعالات شخص مسكون بالعظمة، ويستثيره ما يتعارض مع ما يحدده، ليذهب إلى التهديد بفرض حصار على مضيق هرمز، والتحرك فيه كما يشاء بالتعاون مع دول إقليمية وفق ما غرد عقب عودة نائبه فانس من إسلام آباد خالي الوفاض. وهي خلاصات لهذيانات أخرى، عبّرت -حسب محللين- عن شخصية مختلة ومهزوزة لا تحمل مؤهلات القيادة.
فشل محادثات إسلام آباد -بسبب التعنت الأمريكي وسعي وفد واشنطن لانتزاع تنازلات لم يتمكن من تحقيقها عبر الحرب- لا شك بأنه يزيد الوضع تعقيداً، ومعه لم يعد مستبعداً عودة الحرب حتى قبل انتهاء مهلة الأسبوعين، خصوصاً مع الخرق الفاضح الذي بدأته "إسرائيل" بشن الغارات القاتلة على لبنان والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 350 لبنانياً، وتحذير إيران الحاسم -حسب مصادر إيرانية- بأن طهران ترهن فتح مضيق هرمز بالالتزام الإسرائيلي بوقف إطلاق النار في لبنان، وتؤكد رفضها أي تأجيل للتنفيذ إلى يوم الثلاثاء.
-
على موعد مع حقبة قاتمة
هكذا مع تعقُّد المهمة وفقدان ترامب للحيلة، يلجأ كعادته إلى القفز للأمام منفصلاً عن الحقائق كما هي على الأرض، غير أنه هذه المرة لا يتمتع بالمساحة الكافية التي تمكنه من التحرك والمناورة، ولا يزال يراوح في ذات الخيارين؛ إما الاستمرار في المغامرة والتضحية بكل شيء أو الاستسلام والانسحاب.
يرى محللون أن طموح ترامب ببث الحياة في شعاره (أمريكا أولاً)، تلاشى خصوصاً وأنه حطّ بلده في مرمى الازدراء من دول العالم التي باتت تنظر إلى الولايات المتحدة كدولة مارقة في شكل حديث.
هذه الحقيقة باتت تمثل سنداً للقوى السياسية داخل أمريكا -خصوصاً بين الديمقراطيين- بأن تجاهل ما يقوم به ترامب يعني أن البلاد ستكون على موعد مع حقبة قاتمة توظف فيه كل الإمكانات وقد لا تكفي لترميم ما أفسده ترامب بهمجيته وانتهاجه مبدأ نهب ثروات الشعوب من أجل تجاوز مشاكله الداخلية، وهو ما يهدد مكانة البلاد، ويعكس نفسه سلباً على مستوى المعيشة وحالة التطور الذي تعيشه.
-
تصاعدت موجة الرفض الأمريكي لترامب
بوادر استشعار الساسة الأمريكيين لكارثة ترامب التي يقود بلادهم إليها بدأت مع فقدان السيطرة على مسار المعركة بعد الأيام الأولى من شن الهجمات على إيران، فحينها صار النقد لسياسته أكثر حدة داخل الساحة السياسية الأمريكية. لهذا لم يقتصر الاعتراض وتوجيه النقد من الحزب الديمقراطي، وإنما هناك أيضاً من الجمهوريين من يرون أن ترامب بات يقامر بمستقبل الحزب والمكانة التي بنتها الولايات المتحدة خلال 250 عاماً. تؤكد النائبة ياسمين أنصاري أن "مصير القوات الأمريكية، والشعب الإيراني، وأسس نظامنا العالمي ذاتها على المحك".
قبل أيام طالب أكثر من 50 نائباً ديمقراطياً وأعضاء بارزون في مجلس الشيوخ بإقالة ترمب، وتصاعدت موجة الرفض لنزعته العدوانية ضد الآخرين، زاد وقعها بعد تهديده بـ"تدمير حضارة إيران" حسب زعمه، إذ رأى فيه بعض أهل السياسة في الولايات المتحدة شراً واضحاً قد يتسبب في ارتكاب جرائم حرب، خصوصاً مع افتقار مثل هذا التهديد لما يبرره. النائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين، وهي حليفة قوية سابقة لترمب، تؤكد أن: "التعديل الـ 25 الآن"، وقالت: "لم تسقط قنبلة واحدة على أمريكا. لا يمكننا قتل حضارة بأكملها. هذا شر وجنون".
-
البيت الأبيض: "الديمقراطيون مختلّون وضعفاء"
وبينما برزت أصوات قيادية من مجلس الشيوخ تؤكد أن ترامب لم يعد أهلاً لقيادة القوات المسلحة بعد فقدانه ثقة الشعب، ظهر متحدث البيت الأبيض متشنجاً في الرد على الدعوات لإقالة الرئيس، وقال لموقع أكسيوس: "الديمقراطيون في الكونغرس مختلون وضعفاء وغير فعّالين، ولهذا السبب وصلت معدلات تأييدهم إلى مستويات متدنية تاريخياً".
ولّد ترامب أيضاً بسلوكه الطائش حالة من انعدام اليقين على مستوى واقع البلد ومستقبله، وقابل ذلك تحريض قادة أركان الجيش للتمرد على أوامره كقائد للقوات المسلحة في حربه على إيران، فيما أظهرت استطلاعات الرأي تصدُّر نسبة من يرون بأن عزله بات حاجة تتطلبها المصالح الاستراتيجية للبلد، فضلاً عما عكَسَه ذلك من تراجع لشعبيته بشكل حاد عما كانت عليه بداية توليه للرئاسة الثانية.
حتى إذا انعدمت فرص الإقالة والعزل نتيجة سيطرة الحزب الجمهوري على مجلس النواب ومجلس الشيوخ، فإن الأكيد أن ترامب وإدارته قد عمّقوا الشقاق الذي يعيشه المجتمع الأمريكي، وعلى مستوى الولايات بين من يقف معه ومن يرى بأنه مختل عقلياً ومنفلت ومتهور وبات يشكل تهديداً للأمن القومي للبلاد، ما قد يُضاف إلى عوامل التفكك للاتحاد التي بدأت بالتراكم منذ سنوات، شهد بعضها حراك شعبي ومواجهات مع قوى الأمن.
