مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 22 شعبان 1447هـ
تقرير | يحيى الشامي
لو كنت فلسطينياً فإنك -بعد قرارات الصهاينة بالأمس الأخطر منذ العام 67- لن تستطيع بناء غرفة واحدة على أرضك دون موافقة المحتل الصهيوني، في مقابل تسهيل وتشجيع وتمويل لكل مغتصب يهودي قرر السيطرة على قطعة أرض راقته أو مزرعة استهوته، في سياق توسع في بناء المغتصبات غير مشروط ولا محدود يمضي فيه الكيان رسمياً، ويشجع عليه المغتصبين ويدعمهم ويحميهم.
الخطوة وصفتها مصادر فلسطينية وعربية متعددة بأنها "الأخطر منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967"، إذ صادق ما يسمى المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينيت) على حزمة قرارات تشكل تحولاً جذرياً في الواقع القانوني والجغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي قرارات جرى تمريرها وإقرارها في ظل صمت عربي مفجع، بل وتطبيع متصاعد وغير مسبوق، يفتح الباب على مصراعيه لمرحلة جديدة من التوسع الاستيطاني غير المسبوق كذلك، وتضع حداً فعلياً لأي إمكانية لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة.
-
إلغاء حاجز القانون الأردني
منذ عقود، ظل القانون الأردني الصادر عام 1953 يشكل عقبة قانونية أمام تفريط الفلسطينيين في أراضيهم للمغتصبين اليهود، هذا القانون -الذي ظل سارياً رغم تواجد الاحتلال الإسرائيلي- كان يجرّم بيع الأراضي الفلسطينية لليهود تحت طائلة العقوبات القاسية.
مصادر قانونية فلسطينية تؤكد أن إلغاء هذا القانون يعني عملياً رفع الغطاء القانوني الأخير عن حماية الأراضي الفلسطينية، فبموجب القرار الجديد لم يعد الفلسطيني بحاجة إلى التلاعب بالوثائق أو الاستعانة بوسطاء لبيع أرضه؛ بل ستصبح العملية مباشرة وعلنية و"قانونية" من منظور الاحتلال وبموجب القوانين الإحلالية الجديدة التي تخدم المحتل وتمكنه من خيار آخر لتوسعة سيطرته على مزيد من الأراضي الفلسطينية.
لكن الأخطر -بحسب مصادر متابعة للشأن القانوني- هو قرار "رفع السرية عن سجلات الأراضي"، لأنها الخطوة التي تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها تفتح خزائن المعلومات الجغرافية والملكية أمام المغتصبين اليهود والجمعيات الاستيطانية النشطة في عمليات السيطرة وقضم الأراضي الفلسطينية، ما يُمكّنهم من استهداف الأراضي الاستراتيجية بكفاءة عالية، وبمعنى آخر فإن ما كان يتم بالتجزئة على مدى عقود، أصبح ممكناً بالجملة خلال أسابيع قليلة، وفي غضون أيام معدودة.
-
نزع الهوية الإسلامية عن الخليل ثاني أقدس المقدسات
تكتسب قرارات ما يُسمى الكابينيت بُعداً استراتيجياً خطيراً في مدينة الخليل، المدينة التاريخية بأهميتها الدينية والتراثية، فبموجب القرارات الجديدة تُسحب صلاحيات التخطيط والبناء والإشراف في محيط الحرم الإبراهيمي من البلدية الفلسطينية، وتُنقل كاملةً إلى ما تُسمى "الإدارة المدنية الإسرائيلية"، وهي جهاز عسكري-مدني يُشرف على أعمال البناء والاستيطان.
مصادر عربية ترى -وهي محقة- أن هذا القرار يعني "تهويداً كاملاً" للحرم الإبراهيمي والمنطقة المحيطة به، فالفلسطيني -بحسب هذه المصادر- أصبح بحاجة إلى تصريح إسرائيلي لبناء غرفة واحدة على أرضه، فيما يحصل المغتصب اليهودي المحتل -وفق تعريف القانون الدولي- على تسهيلات غير مسبوقة للبناء والتوسع، ويحظى بالحماية الكاملة من قبل جيش وسلطات العدو الإسرائيلي.
مصادر فلسطينية تؤكد أن القرارات الجديدة أضفت ما يمكن وصفه -وفق هوى المحتل- بـ"الشرعية القانونية" على ممارسات كانت تحدث فعلياً منذ سنوات، فالفلسطيني في الخليل -بحسب القرارات الصهيونية الجديدة وشهادات متطابقة- سيحتاج من اليوم وصاعداً إلى موافقة مسبقة من سلطات العدو الاسرائيلي حتى لدفن موتاه في مقابر عائلية، فيما تُطلق قوات العدوة قنابل الغاز على المشيعين وتفرقهم، وحتى تقررُ الغاء التشييع أو في أحسن الأحوال تأجيله وتبديل المقبرة موضع الدفن.
-
تفكيك اتفاق أوسلو ودفن المسار التفاوضي
تتجاوز هذه القرارات حدود الخليل لتطال مناطق "أ" و"ب" وفق التقسيم الذي فرضه واقع ووقائع الاحتلال، والتي يفترض أن تكون خاضعة للسيطرة الفلسطينية الكاملة أو المشتركة بموجب اتفاق أوسلو. فبموجب القرارات الجديدة تُوسع سلطات العدو الإسرائيلي صلاحيات الرقابة والهدم لتشمل هذه المناطق، مما يُبطل عملياً ما تبقى من اتفاقيات التسوية، وأوهام المسار السياسي التي أفضت الى هذه الاتفاقيات.
هذه القرارات العابرة لكل الخطوط الحمراء وآخر آمال المسار التفاوضي هي في الحقيقة "دق المسمار الأخير في نعش أوسلو"، فالاتفاق -الذي كان يُنظر إليه على أنه مرحلة انتقالية نحو الدولة- تحول إلى "أداة لتجزئة الضفة وتكريس الاحتلال وفرض واقع ترسم تفاصيله وفصوله سلطات العدو". واليوم، مع توسع صلاحيات سلطات العدو الإسرائيلية لتشمل المناطق "أ" و"ب"، يصبح الحديث عن "سلطة فلسطينية" مجرد وصف شكلي لا مضمون له، بل ولا وجود معتبر له.
-
شمال الضفة.. نموذجاً آخر
في شمال الضفة الغربية تتكشف ملامح المخطط الذي جاءت القرارات لفرضه وتنفيذه في الواقع وبوضوح، فعلى سبيل المثال في بلدة برقة شمال نابلس، حيث يقع موقع "المسعودية" الأثري على خط سكة حديد الحجاز التاريخية، تمنع السلطات الإسرائيلية وصول الفلسطينيين إلى مواقع أثرية وزراعية واسعة.
مصادر ميدانية فلسطينية تؤكد أن مصادرة الأراضي في الشمال تطال مساحات شاسعة، بعضها يحتوي على آثار تراثية وتاريخية، وبموجب القرارات الجديدة سيصبح الفلسطينيون ممنوعين من الاقتراب من هذه المواقع، ناهيك عن زراعتها أو رعي ماشيتهم فيها.
"الهدف هو تهجير تدريجي"، تقول مجريات التوسعة الاستيطانية ومسار الضم الجاري في الضفة، "فمن يُمنع من الوصول إلى أرضه وزراعتها ورعي ماشيته، سيُجبر في نهاية المطاف على تركها".
-
إعلان موت "حلِّ الدولتين"
في قراءة سياسية متأنية وواقعية لخطوات الصهاينة وقراراتهم الأخيرة لا يمكن تحليل المشهد وقراءة التفاصيل بعيداً عن غاياتها الصهيونية من أن هذه القرارات تمثل "إعلاناً صريحاً عن نهاية مشروع الدولة الفلسطينية"، فالضم الفعلي الواسع، الذي تمارسه سلطات العدو الإسرائيلي عبر الاستيطان والسيطرة والضم اليومي بعدة وسائل وطرق على الأراضي، يُفقد أي حديث عن "دولة متجاورة" معنى عملياً.
ما يعني -بطريقة أو بأخرى- أن "زمن المواطن -من الدرجة الثانية- قد انتهى"، كما يقول مسؤولون إسرائيليون، إشارة إلى المغتصبين الذين سيحظون بكامل الحقوق والحماية، فيما يتحول الفلسطيني إلى "مواطن من الدرجة الثالثة" في أحسن الأحوال، أو إلى "دخيل" في أرضه في أسوأها.
-
صمت مدفوع بالتطبيع
تبرز هذه القرارات في سياق إقليمي مثير للقلق، ففي الوقت الذي كانت فيه مثل هذه الخطوات -في عقود سابقة- تُشعل فتيل التوتر الإقليمي وتستدعي مواقف حادة، اليوم تغرق الأنظمة العربية في "سبات التطبيع"، باردة من الحمية، واهنة وباهتة.
مصادر دبلوماسية عربية تؤكد أن التطبيع المتسارع أضعف الموقف العربي إلى حد بعيد، فالقرارات الإسرائيلية، التي كانت في غير زمن لتُعتبر "إعلان حرب"، تمر اليوم دون ردود فعل تذكر، فيما تستمر التحالفات الإقليمية مع الكيان المحتل على قدم وساق، وبوتيرة غير مسبوقة.
وتشكل قرارات مايسمى الكابينيت الإسرائيلي الأخيرة نقطة تحول خطيرة في تاريخ الصراع مع العدو الإسرائيلي متعددة الساحات، فهي لا تُشرّع الاستيطان فحسب، بل تعمد -من منظور المحتل- الى تشريع الاقتلاع والتهجير والضم، وهي لا تُلغي القانون الأردني فحسب، بل تُلغي أي أمل بتحقيق العدالة أو التسوية العادلة، وبالتالي تقفل تماماً نوافذ الأمل التي ظل المطبعون لسنوات ينظرون عبرها إلى فرص "التعايش" و"حل الدولتين".
-
إيغال صهيوني وغياب عربي
وفي ظل غياب رد فعل عربي ودولي فاعل، يبدو أن الكيان المحتل مصمم على المضي قدماً في مخططه لـ"إعادة صياغة الجغرافيا بالقوة"، وصولا إلى ضم الضفة الغربية بالكامل، وإنهاء أي وجود فلسطيني ذي معنى على هذه الأرض.
وأمام هول الخطوة الصهيونية وفداحتها لا يبدو الموقف العربي فزعاً ولا حتى مكترثاً، بل يغرق في سبات التطبيع بارداً من الحمية واهناً وباهتاً، ولو كان في غير زمن التطبيع لعُدت القرارات الصهيونية إعلان حرب، وهي كذلك، ولاستدعت استنفار الجيوش قبل نفير القادة والزعماء.
في المقابل يحتفلُ الصهاينة بالخطوة. يتفاخر ما يسمى وزير الجيش بتعزيز القبضة الإسرائيلية في "يهودا" و"السامرة"، ويتباهى ما يسمى وزير المالية بالقول إنّ زمن المواطن من الدرجة الثانية قد انتهى، في إشارة إلى المغتصبين، ويعدها مجلس المستوطنات الإسرائيلية بالانفراجة الأكبر منذ ثمانية وخمسين عامًا، والحقيقة أنه منذ 7 عقود ما زال العرب في نكبتهم يعمهون.
