مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 23 ذو القعدة 1447هـ
في مشهد يعكس تحولاً في موازين القوة الإقليمية، انهارت خلال أيام، واحدة من أكثر المغامرات العسكرية-الدبلوماسية الأمريكية جرأةً في التاريخ الحديث، التي أطلق عليها مجرم الحرب ترامب اسم "مشروع الحرية". فبينما كانت واشنطن تستعد لإعادة فتح المضيق بالقوة، وتحشد مدمراتها لخرق الإجراءات الإيرانية، كان الحرس الثوري والجيش الإيراني قد أعدا كمينًا محكمًا: صواريخ باليستية وكروز، وطائرات مسيّرة ، والنتيجة كانت إصابة المدمرات الأمريكية، وانسحاب سريع تحت وطأة النيران، فيما تحول "مشروع الحرية" إلى مثال حي على الانتكاسة الاستراتيجية التي تتقن طهران صناعتها لأعدائها.
بعد النجاح الميداني، مضت طهران سريعًا إلى ترسيخ هذا النجاح في معادلات سياسية وعسكرية جديدة فجاء الرد على الورقة الأمريكية متزامنًا مع إعلان الجهوزية القتالية الكاملة، وتوجيهات جديدة من القائد العام للقوات المسلحة السيد مجتبى خامنئي، ومعادلة أشد صرامة من الحرس الثوري تهدد بضرب القواعد الأمريكية مباشرة مقابل أي استهداف للسفن الإيرانية، فضلاً عن فرض تصاريح عبور إلزامية للسفن في المضيق.
كيف استطاعت إيران، في غضون أيام، تحويل أزمة وجودية محتملة إلى فرصة لإعادة تعريف الردع الإقليمي؟ ولماذا فشلت الولايات المتحدة، رغم تفوقها التكنولوجي، في فرض إرادتها في واحدة من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم؟ وما الذي تعنيه هذه التحولات لمستقبل التوازنات في الخليج والعالم؟ وهذا ما سنحاول الإجابة عليه.
-
الانهيار الميداني لواشنطن
بينما كان البنتاغون يستعد لفرض سيطرته على مضيق هرمز وإعادة فتحه بالقوة، انهار المشروع الأمريكي في غضون ساعات، حيث اضطر مجرم الحرب ترامب لتعليق عملية "فتح مضيق هرمز" بمزاعم الاستجابة لمقترح باكستان بخفض التصعيد. وفي وقت لاحق. فجر الجمعة على وجه التحديد، حاول الأمريكي كسر الحظر الإيراني على مضيق هرمز عبر محاولة إدخال ثلاث بوارج أمريكية باتجاه مضيق عمان، لكنه فشل، وتعرضت القطع العسكرية للنيران الإيرانية.
الحرس الثوري أعلن أن قواته البحرية ردت على الخرق الأمريكي لوقف إطلاق النار الذي تمثل في استهداف ناقلتي نفط إيرانية قرب ميناء جاسك، بالتزامن مع اقتراب ثلاث مدمرات أمريكية من المضيق.
وفي تفاصيل العملية نفذ الحرس الثوري عملية مشتركة مكثفة ودقيقة للغاية، استخدمت فيها أنواعاً مختلفة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز المضادة للسفن، بالإضافة إلى طائرات مسيّرة تدميرية مزودة برؤوس حربية شديدة الانفجار أدت إلى تكبيد القوات الأمريكية خسائر ملحوظة وأضراراً جسيمة، قبل أن تفر المدمرات الثلاث سريعاً من نطاق مضيق هرمز.
وتزامنت العملية مع هجمات جوية أمريكية، فبحسب المتحدث باسم القيادة المركزية لمقر خاتم الأنبياء، فإن القوات الأمريكية شنت غارات جوية على مناطق مدنية في سواحل الخمير وسيريك وجزيرة قشم، بالتنسيق مع بعض دول المنطقة.
الجيش الإيراني -من جانبه- كشف أن القوات البحرية لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفذت عملية مشتركة (صاروخية – مسيّرية)، هاجمت من خلالها 3 مدمرات أمريكية بـ 8 صواريخ كروز و24 طائرة مسيّرة انتحارية، مؤكدا أن صاروخ كروز واحداً و 3 طائرات مسيّرة انتحارية تمكنت من إصابة المدمرات الأمريكية بنجاح، ما تسبب في نشوب حريق على متنها.
بعد الانكسار العسكري الأمريكي حاول ترامب تعويض خسائره بإشغال الرأي العام بمقترح جديد للحل، يتضمن نفس الشروط التعجيزية التي قدمتها واشنطن بداية العدوان أواخر فبراير الماضي، ولكن وكما أفشلت إيران الهجوم العسكري أرسلت اليوم ردها لباكستان بالتزامن مع إعلان الجهوزية الكاملة لأي تصعيد.
إيران تسّلم ردها والسيد مجتبى خامنئي يوجه القوات المسلحة
وأعلنت إيران اليوم الأحد تسليم ردها على الورقة الأمريكية لإنهاء الحرب المفروضة عليها، فيما أعلنت القوات المسلحة الإيرانية التي استلمت توجيهات جديدة من السيد مجتبى الخامنئي جهوزيتها الدفاعية والهجومية لمواجهة أي خطأ استراتيجي أمريكي أو إسرائيلي بردّ صاعق وسريع.
ويعكس تزامن الرد الإيراني على الورقة الأمريكية مع إعلان الجهوزية القتالية سعي طهران إلى تثبيت معادلة تفاوضية تقوم على الاستمرار في المفاوضات من موقع القوة لا تحت ضغط التهديدات الأمريكية أو الإسرائيلية، بالإضافة إلى اقتدارها في خوض مواجهة طويلة.
كما يعكس التزامن هذا، وحدة القيادة الإيرانية وارتباط مؤسسات الدولة العسكرية والسياسية بما فيها الدبلوماسية الإيرانية بالقائد السيد مجتبى الخامنئي الذي يقود البلاد ويحظى بدعم كامل من الشعب والقوات المسلحة.
وقدم اللواء الطيار علي عبد اللهي قائد مقر «خاتم الأنبياء» المركزي اليوم الأحد تقريراً مفصلاً إلى السيد مجتبى الخامنئي، حول مستوى جاهزية القوات المسلحة الإيرانية بمختلف تشكيلاتها، لمواجهة أي تحركات أمريكية أو إسرائيلية، بردٍّ صاعق، سريع، ومقتدر، وأعلن اللواء عبد اللهي أن الامام السيد مجتبى الخامنئي بصفته القائد العام للقوات المسلحة أعرب عن تقديره لجميع المجاهدين البواسل والقوات المسلحة المقتدرة في البلاد، وقال انه استكمالاً لتدابير السيد مجتبى السابقة في «الحرب المفروضة الثالثة»، أصدر سماحته توجيهات جديدة وحاسمة لمواصلة التحركات والمواجهة المقتدرة للأعداء.
وقال قائد مقر «خاتم الأنبياء» المركزي في تقريره، بأن جميع رفاق الدرب وجنود الإسلام يتمتعون بروحيّة قتالية عالية وجاهزية تامة على الصعيدين الدفاعي والهجومي، ويمتلكون الخطط الاستراتيجية والتجهيزات والأسلحة اللازمة لمواجهة التحركات العدائية للأعداء الأمريكيين والصهاينة، مؤكداً أن أي خطأ استراتيجي أو تعرض أو عدوان من قبلهم سيُجابه بردٍّ صاعق، سريع، ومقتدر.
-
البحرية الإيرانية في تأهب دائم
ونظرا للتطورات المتسارعة نحو التصعيد سعت إيران لمضاعفة جهوزيتها في كافة تشكيلاتها العسكرية، خاصة القوات البحرية التي تتصدر مشهد المواجهة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، ففي هذا السياق أكد قائد القوة البحرية في الجيش الإيراني، الأدميرال شهرام إيراني، أن الغواصات الخفيفة التابعة للبحرية الإيرانية المنتشرة في مضيق هرمز دخلت حالة “تأهب قصوى على الزناد”.
وعن نوعية الأسلحة البحرية الإيرانية وقدراتها التدميرية أكد الأدميرال إيراني أن “الغواصات الخفيفة محلية الصنع والمتناسبة مع طبيعة التهديدات والقدرات والاحتياجات العملياتية، تتواجد حالياً في مياه مضيق هرمز، وهي في طور الانتشار والتموضع في قاع البحر، وأبرز قدرات هذه الغواصات “الاستقرار في قاع البحر والبقاء في العمق لفترات طويلة ضمن مياه مسار الاقتدار في ممر مضيق هرمز، بما يتيح رصد وتدمير مختلف أنواع السفن المعادية، وهو ما جعلها تُعرف -في الأدبيات اليومية للضباط وضباط الصف- باسم “دلافين الخليج الفارسي”.
-
السفن الإيرانية مقابل القواعد الأمريكية
وفي إطار السعي الإيراني لتثبيت المعادلات العسكرية لصالحها، وضع الحرس الثوري الإسلامي، اليوم الأحد، معادلة جديدة أكثر صرامة، ففيما سبق كانت إيران ترد على استهداف سفنها باستهداف السفن العسكرية الأمريكية، أما الآن -وضمن معادلة الحرس الثوري- فإن أي تعرض لناقلات النفط أو السفن التجارية التابعة للجمهورية الإسلامية سيتبعه هجوم عنيف ضد أحد المراكز الأمريكية في المنطقة وسفن العدو".
قائد القوة الجوفضائية في حرس الثورة العميد مجيد موسوي عزز من هذا المشهد قائلا: "إن صواريخ ومسيرات القوة "مصوّبة نحو الأهداف الأمريكية في المنطقة وسفن العدو المعتدي"، مشيراً إلى أنهم بانتظار أوامر الإطلاق.
قبل ذلك كانت بحرية الحرس الثوري الإيراني قد أعلنت عن إجراءات جديدة لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز مضمونها:
العبور بتصريح إيراني مسبق: لن تتمكن أي سفينة تجارية أو حربية من عبور المضيق إلا بعد الحصول على تصريح من الجانب الإيراني.
آلية إلكترونية: سترسل إيران بريداً إلكترونياً إلى مالكي السفن يتضمن "القواعد واللوائح الجديدة"، وستتلقى السفن المرخصة إشعاراً بالعبور.
خريطة جديدة للمضيق: تم توسيع نطاق السيطرة الإيرانية في الخريطة البحرية، بما يعكس "المنطقة الآمنة" التي تحددها طهران.
استثناءات عقابية: بحسب تصريحات نائب رئيس البرلمان الإيراني علي مكزاد، فإن مشروع قانون جديد سيُعرض للتصويت يمنع بشكل كامل السفن الإسرائيلية من عبور هرمز في جميع الأوقات، وكذلك سفن "الدول المعادية" ما لم تدفع تعويضات عن الحرب التي تسببوا بها.
-
لماذا نجحت إيران حيث فشلت أمريكا؟
بحسب خبراء عسكريين استعانت بهم وكالات أنباء عالمية، فإن نجاح إيران في إفشال المخطط الأمريكي الأخير في مضيق هرمز يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسة:
الاستباقية الإيرانية: لم تنتظر إيران حتى تقترب المدمرات إلى نقطة الإطلاق الفعالة، بل هاجمتها وهي في حالة تأهب أقل، مستغلة تفوقها في المعلومات الاستخباراتية الميدانية.
تكتيك "إشباع الدفاعات": استخدام صواريخ باليستية (سريعة جداً ولكن قابلة للاعتراض بصعوبة) مع صواريخ كروز (بطيئة ولكنها تطير على ارتفاع منخفض) ومع طائرات مسيرة صغيرة (كثيرة العدد ورخيصة)، أدى إلى خلق فوضى في أنظمة "إيجيس" الدفاعية على المدمرات، ما سمح بإصابة الصواريخ أهدافها.
القرب الجغرافي: المضيق لا يتجاوز عرضه 50 كيلومتراً في أضيق نقطة، ما يعني أن زمن رحلة الصاروخ من الساحل الإيراني إلى هدف بحري لا يتجاوز بضع ثوانٍ، وهو وقت غير كافٍ لرد فعال.
-
"مشروع الحرية" – وُلد ميتاً ومات محرجاً
ربما كانت القمة في سلسلة الانتكاسات هي المصير الذي آل إليه ما يسمى "مشروع الحرية" الذي أعلنه ترامب بضجة إعلامية كبيرة. الفكرة كانت بسيطة على الورق: تشكيل تحالف بحري لمرافقة الناقلات التجارية بالقوة، وفرض عبور "آمن" لها في هرمز، وإظهار أن إيران لا تستطيع إغلاق المضيق، لكن على الأرض، لم يدم المشروع حتى 48 ساعة.
-
ومن الأسباب التي أفشلت المشروع بحسب التحليلات الغربية:
فهم خاطئ للعقيدة الإيرانية: اعتقد ترامب أن إيران ستخاف من المواجهة المباشرة وتتراجع، لكن طهران نظرت إلى المشروع على أنه تصعيد يهدف إلى خنقها، فكان ردها تصعيداً مضاعفاً عبر استهداف البوارج الأمريكية والسفن التي حاولت الاستجابة للمشروع الأمريكي.
رفض شركات الشحن: كما أوضحت شبكة "سي إن بي سي"، فإن شركات الشحن لن تخاطر بسفنها وطواقمها في منطقة تعتبر "منطقة حرب مفتوحة" حتى مع وجود مرافقة عسكرية، فإن الخوف من صاروخ واحد يخترق الدفاعات يكفي لتجنب المنطقة بالكامل، وهذا يعكس مدى انعدام الثقة في القدرات العسكرية الأمريكية.
-
ختاما
لقد أثبتت إيران -عبر عمليات نوعية مشتركة بين الحرس الثوري والجيش- أنها قوة إقليمية قادرة على فرض معادلاتها الميدانية، ودفع واشنطن إلى التراجع مرغمة. وفي المقابل، بدت الولايات المتحدة وكأنها تراوح في مأزق مزدوج: عسكريًا، فشلت في تأمين الملاحة أو حماية سفنها. واقتصاديًا، دفعت ثمناً باهظًا تمثل في تضخم غير مسبوق وأزمة وقود تضرب الأفقر أولًا.
اللافت أن إيران -وبعد تثبيت الردع العسكري- مضت قدمًا في ترسيخ قواعد اشتباك جديدة: من اشتراط تصاريح عبور للسفن، إلى فرض عقوبات بحرية على سفن العدو الإسرائيلي والدول المعادية، وصولًا إلى معادلة الحرس الثوري التي تهدد بضرب القواعد الأمريكية مباشرةً مقابل أي استهداف للسفن الإيرانية. كل ذلك يرسم ملامح مرحلة جديدة طهران فيها هي من تضع القواعد، وواشنطن هي من تحاول تجنب الأفخاخ.
