مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله
من التهديدات إلى التفاهمات: كيف فرضت طهران ميزان الردع

مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 1 محرم 1448هـ
تقرير | علي الدرواني
بدأت الحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية بتصريحات ترامب: "سنقضي على إيران، سننهي المنظومة الصاروخية الإيرانية، سنغير النظام في إيران، سنحول إيران إلى رماد"، وانتهت تصريحاته بأنه لولا وجوده كرئيس لأمريكا لما استطاع أحد التوصل إلى اتفاق مع إيران، ولولا تدخله لكانت إيران قادرة على توجيه ضربة قاضية استباقية لـ"إسرائيل".

بعيداً عن الخلافات السياسية والتعقيدات الدبلوماسية مع النظام الإيراني، فإن الواقعية السياسية تؤكد أن طهران استطاعت بناء معادلة ردع حقيقية هي الوحيدة الكفيلة بلجم الغطرسة الإسرائيلية في المنطقة؛ في وقتٍ تعيش فيه المنظومة العربية عجزاً استراتيجياً يجعل المرء يتحدى أن تصمد أيّ من عواصمها لساعات في مواجهة عسكرية مباشرة مع الكيان.

هل كانت أمريكا ستوقع الاتفاق مع إيران لو كانت قادرة على هزيمتها فعلاً، وتدمير نظامها، أو تدمير برنامجها النووي أو الصاروخي؟ الإجابة الواضحة هي أن الولايات المتحدة لو كانت قادرة لما أوقفت عدوانها، ولواصلت في تنفيذ المهمة حتى استكمالها، إلا أن أمراً من هذا لم يحدث. فما الذي يحدث إذن؟

  • الخطاب الأمريكي من التهويل إلى الإذعان والميدان يفكك العقوبات

ما يحدث باختصار هو ان العنجهية الترامبية اصطدمت  بجدار قواعد الاشتباك الصارمة وميزان الردع الذي أرسته طهران،  لقد أدركت واشنطن، خلف الستار الاستعراضي للتصريحات، أن تكلفة الحرب المباشرة مع طهران تتجاوز بكثير القدرة الأمريكية على الاحتمال؛ فالمسألة لم تعد نزهة عسكرية، بل مواجهة مفتوحة تعني اشتعال آبار النفط، وإغلاق المضائق المائية الحيوية، وتدفق آلاف الصواريخ نحو القواعد الأمريكية وحليفتها "إسرائيل". في عالم السياسة الواقعية، عندما تعجز القوة العسكرية الغاشمة عن تحقيق الحسم السريع وبأقل الخسائر، تتحول التهديدات الوجودية فوراً إلى طاولة مفاوضات، ويصبح 'الاتفاق' هو البديل الوحيد المتاح لتجنب سيناريو الانتحار الاستراتيجي.

إدارة إيران للمعركة أجبرت الولايات المتحدة على الانتقال من خطابات الحشد والتهويل إلى واقعية المصالح والبراغماتية.. فواشنطن تستخدم لغة القوة كأداة ضغط قصوى لرفع سقف الشروط، لكنها عندما تلمس صلابة في الطرف المقابل وجهوزية عالية للمواجهة، واستعداد لدفع الأكلاف، تعيد حساباتها بدقة التاجر وصانع الصفقات، وهذا هو ما فرض التراجع الأمريكي والاعتراف بالدور الإيراني، وليس ذلك من باب صحوة الضمير، وإنما من بوابة الاعتراف بالأمر الواقع الذي يقول بأن القوة الإقليمية لطهران باتت رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه مهما كان حجم الضربات، وبالتالي جاء قرار الذهاب نحو التسويات الدبلوماسية التي تحفظ ماء وجه القوة العظمى.

  • الحكمة والجرأة ترسم المسارات الثلاثة للانتصار الإيراني

الانتصار الإيراني اليوم عبر ثلاث مراحل مفصلية فرضتها لغة الصواريخ والميدان، المرحلة الأولى بدأت بالفعل مع وقف إطلاق النار، وهو الإعلان الضمني والعملي عن سقوط أوهام سحق محور المقاومة، واعتراف العدو بالعجز عن تغيير المعادلة العسكرية بالضربة القاضية، أما المرحلة الثانية فجاءت حالياً في إعلان مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، وهي خطوة تعكس النزول الأمريكي-الصهيوني عن شجرة الشروط المسبقة، والقبول بطهران كرقم صعب في صياغة أمن المنطقة، وأما المرحلة الثالثة فسوف تستكمل فصولها مع انتهاء المفاوضات حول الملف النووي ورفع العقوبات الجائرة، بما يلبي كامل الحقوق والخطوط الحمراء الإيرانية، ليتحول الصمود العسكري إلى وثيقة اعتراف دولي بمكانة إيران كقوة إقليمية عظمى ومحصنة.

  • مأزق الواقع الراهن وانحسار الخيارات الصهيونية

 تم ترويض الخطاب الصهيوني الناري بفعل ضربات الواقع؛ فرغم محاولات نتنياهو المستمرة لتسويق ما يصفه بـ "الانتصارات" وتغيير وجه "الشرق الأوسط" عبر الاغتيالات أو العمليات العسكرية، إلا أن الكيان وجد نفسه في خضم مواجهة استنزافية طويلة الأمد لا يستطع حسمها عسكرياً..  هذا العجز الميداني أجبر الولايات المتحدة على الذهاب نحو صياغة تفاهمات واتفاقات إقليمية مما يعكس عجز أمريكا والكيان في الحسم العسكري المطلق وتدمير البرامج الحيوية لإيران، ولولا العجز لما لجأت واشنطن إلى الدبلوماسية والتسويات الإجبارية.

ومن هنا فإن نتنياهو يسعى حالياً للتغطية على الإخفاق في تحقيق أهدافه بإسقاط النظام وإنهاء المنظومات الصاروخية أو تدمير البرنامج النووي، ويقدم في آخر خطاب له أمس، الاغتيالات والقتل والتدمير، كإنجازات للتغطية على الفشل الذريع، وكذلك يتذرع بالتمسك بالسيطرة على أراض ومناطق عازلة،  سواء في قطاع غزة أو جنوب لبنان أو أجزاء من سوريا، معلنا أن قواته لن تنسحب منها في المدى المنظور تحت ذريعة حماية أمن الكيان.. هذا الإصرار على البقاء يمثل محاولة لفرض واقع جغرافي بديل يعوض الفشل في تدمير ميزان الردع الإقليمي الذي فرضته جبهات المقاومة.

 أخطر ما يواجهه الكيان الصهيوني حالياً هو استبعاد هواجسه المباشرة من حسابات الحليف الأمريكي الأكبر عند صياغة الاتفاقات الكبرى. تشير التطورات السياسية إلى أن واشنطن باتت تتحرك وفق مصالحها البراغماتية الخاصة لتجنب حرب إقليمية شاملة لا تطيق تكلفتها الاقتصادية والعسكرية، مما ترك نتنياهو يطلق تصريحات إعلامية غاضبة يحاول فيها إثبات استقلالية قراره وعجز الآخرين عن فرض الإملاءات عليه، بينما تؤكد الوقائع على الأرض أن هامش المناورة للكيان بات أضيق من أي وقت مضى.

  • المكاسب بالتوازي مع التضحيات

في المحصلة لا يمكن قراءة المشهد دون التوقف عند حسابات الربح والخسارة بمعيارها الاستراتيجي الشامل.. فإذا كانت إيران قد قدمت تضحيات جسيمة وقاسية تمثلت في استشهاد كبار قادتها وعلى رأسهم السيد الإمام علي الخامنئي، وتعرضت لضربات عسكرية واقتصادية كبيرة، إلا أن العبرة في صراع الإرادات تكمن فيمن يضحك أخيراً ويفرض شروطه على الأرض، وبحسابات الجغرافيا السياسية وموازين القوى، خرجت طهران من هذه المعركة وهي تقبض على أهم الأوراق المصيرية في المنطقة، بتثبيت معادلة مضيق هرمز، كشريان اقتصادي عالمي تحت سيطرتها كما لم يكن من قبل. بالإضافة إلى تثبيت وحدة الساحات وتحويلها من شعار إلى شبكة ردع عسكرية مترابطة تطوق الكيان الصهيوني من كل حدب وصوب. وفوق كل ذلك تحصين النظام وحقوقه السيادية للشعب الإيراني وانتزاع اعتراف كامل بالحقوق النووية ورفع العقوبات.

إن الدمار يمكن ترميمه والقادة يخلفهم قادة، لكن خطوط الجغرافيا السياسية ومفاتيح القوة الاستراتيجية عندما كتبت بالدم لا يمكن لأحد أن يمحوها، لتخرج إيران من هذه المواجهة أكثر تحصينا، وأكثر نفوذا، كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي معادلة دولية قادمة.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر