مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 25 ربيع الآخر 1448هـ
خلال ثلاثة أيام فقط، أخذ المشهد العسكري اليمني منحى بالغ الأهمية، مع اتساع العمليات على امتداد أكثر من جبهة، وتزامن التقدم الميداني في محافظة تعز مع ضربات عسكرية وصلت إلى قلب العمق السعودي، واستهدفت منشآت نفطية ومطارات ومواقع عسكرية حساسة، في وقت كانت فيه التحشيدات السعودية تتعرض لضربات متلاحقة في الجوف ومأرب وتعز والساحل الغربي.
المشهد الذي تكشفه الوقائع المتتابعة بين الثالث والسادس من أكتوبر 2026 يرسم صورة لمواجهة دخلت مرحلة جديدة من حيث اتساع الجغرافيا، وتنوع أدوات الاشتباك، وطبيعة الأهداف، ومستوى الضغط الواقع على العدو السعودي، ففي الوقت الذي كانت فيه القوات المسلحة اليمنية تطرد تحشيدات العدو السعودي بعيداً عن مديريات تعز وتحقق تقدماً ميدانياً، كانت الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة اليمنية تضرب أهدافاً في الرياض ورابغ وخريص وعسير ونجران وجيزان، بينما بدأت صور الأقمار الصناعية تكشف حجم الحرائق والدخان في عدد من المنشآت الحيوية السعودية.
وهذه الصورة تمنح العمليات الأخيرة أهمية تتجاوز نتائج كل ضربة منفردة، لأنها تكشف اتساع دائرة الاشتباك من خطوط التماس المباشرة إلى العمق الاستراتيجي، ومن الجبهات البرية إلى المطارات والمنشآت النفطية ومجال الطيران، وصولاً إلى البنية الحيوية المرتبطة بالاقتصاد والطاقة.
-
تعز.. سقوط التحشيدات واتساع المساحة الميدانية
بدأت التطورات الكبرى من محافظة تعز، حيث نفذت القوات المسلحة اليمنية عمليات واسعة لاستكمال تطهير مناطق كانت تشهد تحشيدات تابعة للعدو السعودي، وتمكنت من السيطرة على سامع والتربة والشمايتين، ثم توسعت العمليات لتشمل المعافر والمواسط، قبل أن تصل في السادس من أكتوبر إلى مديرية الصلو.
هذه التطورات تحمل دلالة عسكرية واضحة؛ فالقوات اليمنية لم تتعامل مع التحشيدات باعتبارها تجمعات ثابتة تنتظر الهجوم، وإنما لاحقتها في مناطق انتشارها، وضربت آلياتها وتجمعاتها، وطاردت العناصر التي حاولت التقدم، وأجبرت تشكيلات جوية سعودية على مغادرة أجواء تعز بعد التصدي لها بصواريخ أرض ـ جو محلية الصنع.
وفي الجوف، تعرضت التحشيدات السعودية لضربات دفعتها إلى التراجع في المناطق الشرقية، مع إحراق عدد كبير من الآليات وسقوط عشرات القتلى والجرحى وملاحقة العناصر التي فرت إلى الصحراء. وفي مأرب، امتدت عمليات الاستهداف إلى شرق رغوان، في صورة تؤكد أن التحشيد السعودي وجد نفسه أمام جغرافيا واسعة من النار والاستهداف المتواصل.
أما في تعز، فقد حملت عملية السيطرة على المواسط دلالة سياسية وميدانية خاصة، نظراً لوجود منزل المرتزق رشاد العليمي في المديرية، حيث أعلنت القوات اليمنية إحكام السيطرة على المنزل وطرد التحشيدات السعودية من المنطقة، بالتزامن مع لقاء موسع لمشايخ وشخصيات ووجهاء وأعيان المحافظة أعلن رفض التحشيدات السعودية وتأييد معادلة الحصار بالحصار.
وهكذا أصبحت الجغرافيا التي أرادت السعودية استخدامها منصة ضغط على اليمن تتحول تدريجياً إلى مساحة مكلفة للتحشيد نفسه
-
السعودية تكشف حجم انخراطها في المعركة
مع اتساع الخسائر الميدانية للتحشيدات التابعة لها، انتقلت السعودية إلى مستوى أكثر وضوحاً في المشاركة المباشرة بعدما سعت جاهدة للتواري عن المشهد، حيث أُعلن العدو السعودي في الخامس من أكتوبر عن مشاركة مئة طائرة حربية في عملية عسكرية واسعة في باب المندب، تزامناً مع عشرات الغارات الجوية التي استهدفت مناطق مختلفة وفي موازاة ذلك، شهدت مناطق يمنية جرائم وانتهاكات بحق أسرى وشهداء، تضمنت دهس أسرى من القوات المسلحة بالمدرعات وتصوير الجريمة، إلى جانب التنكيل بجثامين شهداء في تعز.
المشهد يكشف طبيعة التصعيد الذي لجأت إليه السعودية عندما وجدت تحشيداتها تحت ضغط ميداني متزايد فالغارات ارتفعت بصورة متتابعة، ووصل عددها في الثالث من أكتوبر إلى 60 غارة وصاروخاً، ثم ارتفع إجمالي الغارات منذ بداية التصعيد إلى 1410، قبل أن يرتفع الرقم في الرابع من أكتوبر إلى 1460، وفي الخامس إلى 1576 غارة وصاروخاً.
وأمام هذا التصعيد، جاء الرد اليمني المؤكد بأن التصعيد بالتصعيد والنار بالنار؟
-
الرياض تحت النار
في الثالث من أكتوبر، نفذت القوات المسلحة اليمنية عملية عسكرية باستخدام عدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة استهدفت شركة أرامكو في الرياض، وأعلنت تحقيق إصابات دقيقة ومباشرة أدت إلى اشتعال النيران في المواقع المستهدفة.
ثم جاءت المعطيات التي رصدتها الأقمار الصناعية لتمنح الحدث بعداً إضافياً، حيث أظهرت صور منشورة عبر وكالة رويترز سحابة ضخمة من الدخان والنيران تتصاعد من محيط منشأة تابعة لأرامكو في العاصمة السعودية، فيما أظهرت صور Sentinel-2 اشتعال النيران في خزانات وقود داخل مصفاة أرامكو في الرياض.
ووفق المعطيات امتد عمود الدخان فوق مناطق عدة شمال الرياض، ووصل في ذروة تصاعده إلى نحو 107 كيلومترات، مع رصد اضطرابات في حركة الطيران فوق منطقة الرياض بالتزامن مع الحادثة. كما أشارت البيانات إلى احتراق ثلاثة خزانات لتخزين النفط، وقدرت شدة الحرائق بنحو 200 ميجاوات وهذه التفاصيل مهمة لأنها تنقل الحديث عن الضربة من مستوى الإعلان العسكري إلى مستوى الأثر المرئي الذي التقطته الأقمار الصناعية.
الدخان الذي ارتفع فوق الرياض هو صورة لما يعنيه وصول الصاروخ والمسيرة إلى منشأة تقع داخل واحدة من أكثر المناطق حساسية في الاقتصاد السعودي فأرامكو هي قلب منظومة الطاقة السعودية، وأي إصابة تلحق بمنشآتها تحمل قيمة اقتصادية وأمنية وسياسية، لأنها تمس البنية التي تعتمد عليها المملكة في إنتاج وتخزين ومعالجة وتصدير النفط.
-
4 أكتوبر.. الضربات تتوسع والعمق النفطي يدخل دائرة الاستهداف
في الرابع من أكتوبر، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ عمليتين نوعيتين استهدفتا أرامكو في الرياض ومنطقة خريص، مع تأكيد إصابات دقيقة واندلاع حرائق كبيرة في المواقع المستهدفة وهنا ظهر نمط متكرر في العمليات: الاستهداف لا يقتصر على موقع واحد، والجغرافيا السعودية تتحول إلى مساحة عمليات متعددة المحاور.
وفي الوقت نفسه، كانت الجبهات البرية تشهد عمليات مكثفة ضد التحشيدات السعودية في الجوف وتعز والساحل الغربي، بما يعني أن القوة اليمنية تتحرك ضمن مسارين متوازيين: الضغط على التحشيدات في الداخل اليمني، وضرب العمق الذي يأتي منه القرار العسكري والدعم اللوجستي والاقتصادي للحرب.
وفي تعز، تمكنت القوات المسلحة من طرد التحشيدات السعودية من التربة والشمايتين وسامع، بينما تعرض تشكيلان سعوديان من طراز F-15 للتصدي وأُجبرا على مغادرة أجواء المحافظة باستخدام صواريخ أرض ـ جو محلية الصنع.
وهذا التطور يحمل دلالة تقنية مهمة، لأنه يضيف إلى العمليات البرية والضربات بعيدة المدى قدرة على التعامل مع الطيران المعادي، بما يوسع منظومة الردع ويجعل المجال الجوي نفسه جزءاً من معادلة الاشتباك.
-
5 أكتوبر.. الحظر على المطارات السعودية يدخل حيز التنفيذ
في الخامس من أكتوبر، اتسعت العمليات أكثر، حيث أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ ثلاث عمليات عسكرية باستخدام الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة، الأولى استهدفت مطار الملك خالد في الرياض، وأدت الإصابة إلى تعطل حركة الملاحة فيه والثانية استهدفت مصفاة أرامكو في رابغ، وأدت الإصابة إلى اشتعال النيران في الموقع أما الثالثة فشملت مطار أبها وقاعدة خميس مشيط ومعسكر عاكفة ومواقع حساسة أخرى في نجران وجيزان، مع إعلان تحقيق إصابات دقيقة وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية في تطور المعركة وتتمثل في دخول المطارات دائرة الضغط المتواصل وعندما تصبح المطارات جزءاً من مسرح العمليات، فإن تأثير الضربة يتجاوز الموقع المستهدف إلى حركة الطيران، وشركات النقل الجوي، وشبكات الملاحة، وحسابات التأمين، والقرار المتعلق باستمرار الرحلات.
ولهذا جاء التحذير اليمني لشركات الطيران العالمية من استخدام الأجواء السعودية، مع استثناء أجواء مكة المكرمة والمدينة المنورة، وإعلان القوات المسلحة أن الأجواء السعودية أصبحت مسرحاً للعمليات العسكرية وهذه الرسالة تضع المملكة أمام معادلة جديدة: الحرب التي بدأت على الأرض اليمنية أصبحت قادرة على التأثير في حركة الطيران داخل السعودية نفسها.
-
شواظ.. تطور جديد في أدوات المعركة
في الخامس من أكتوبر أيضاً، ظهرت مشاهد نوعية بثها الإعلام الحربي لعمليات استهداف التحشيدات السعودية بواسطة طائرات "شواظ" الانقضاضية المحلية، في أول كشف لهذا النوع من الطائرات المسيرة حيث تضمنت المشاهد 18 عملية استهداف مباشرة وموثقة لآليات وتجمعات تابعة للعدو السعودي. كما أظهرت مشاهد أخرى استهداف التحشيدات في رأس العارة بعدد من الصواريخ الباليستية محلية الصنع، فيما أعلن مصدر عسكري تنفيذ أكثر من 20 ضربة بين صاروخ ومسيرة ضد تحشيدات سعودية بين رأس العارة والسقيا، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى وإحراق عدد من الآليات.
هذه المشاهد لا تتعلق فقط بعدد الضربات؛ قيمتها الأبرز تكمن في الكشف عن تنوع الأدوات التي أصبحت متاحة في المعركة، وعن انتقال الصناعة العسكرية اليمنية إلى إنتاج منظومات متعددة المهام قادرة على العمل في بيئات اشتباك مختلفة.
وفي السادس من أكتوبر أعلنت القوات المسلحة مصرع وإصابة أكثر من 200 من التحشيدات السعودية، مع عشرات الضربات التي استهدفت تحركاتهم في رأس العارة والسقيا، وكانت الخسائر في الأفراد والآليات غير مسبوقة مقارنة بالمواجهات السابقة.
وفي تطور آخر، تمكنت القوات المسلحة اليمنية من إسقاط طائرة استطلاع مسلح سعودية من نوع "Wing Loong II" أثناء تنفيذها مهام عدائية في أجواء محافظة تعز، باستخدام سلاح مناسب وهذه العملية تضيف طبقة أخرى إلى مشهد المواجهة، إذ تجمع العمليات الأخيرة بين استهداف الطائرات المقاتلة، وإسقاط الطائرات المسيرة، وضرب التحشيدات البرية، واستهداف المنشآت الحيوية في العمق السعودي وهكذا تتشكل منظومة اشتباك متعددة المجالات: الأرض، والجو، والصواريخ، والطائرات المسيرة، والمنشآت النفطية، والمطارات.
-
رابغ وخريص.. الأقمار الصناعية تلتقط آثار النار
الأثر الأبرز للضربات اليمنية ظهر مجدداً في الخامس من أكتوبر مع صور الأقمار الصناعية التي أظهرت عمود دخان ضخماً ناتجاً عن حريق في مجمع مصفاة رابغ/بترو رابغ على ساحل البحر الأحمر، امتد لأكثر من 60 كيلومتراً.
ووفق البيانات رصد القمر الصناعي MTG-I1 حريقاً بقوة إشعاعية بلغت نحو 410 ميجاوات، بينما أظهرت بيانات FIRMS قراءة مرتفعة لمؤشر القدرة الإشعاعية للحريق بلغت نحو 126.94 ميجاوات، مع ترجيح اشتعال خزان نفط أو أكثر داخل الموقع، وتكمن أهمية رابغ في موقعها ووظيفتها؛ فالمجمع الصناعي المطل على البحر الأحمر يرتبط بقطاع التكرير والبتروكيماويات، وأي توقف أو أضرار تصيب منشآته يمكن أن تمتد آثارها إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد والطاقة.
وفي الوقت نفسه، أظهرت صور الأقمار الصناعية تعرض خط أنابيب النفط السعودي بين الشرق والغرب للضرب مرة أخرى، مع امتداد الدخان لمسافة 50 كيلومتراً من محطة الضخ رقم 2 شرق الرياض، كما أظهرت صور Sentinel-2L أعمدة دخان كثيفة من مشروع خريص للنفط والغاز التابع لأرامكو.
وفي الرابع من أكتوبر، رصدت الأقمار الصناعية أيضاً حرائق وإشارات حرارية مرتفعة وغير معتادة في حقل خريص النفطي ومحطة ينبع الشمالية للنفط الخام، عبر مستشعر VIIRS ونظام FIRMS التابع لوكالة ناسا.
وهنا يصبح المشهد أكثر وضوحاً، فالنيران تظهر في أكثر من نقطة ضمن البنية النفطية السعودية، فيما تتواصل العمليات العسكرية على الجبهات البرية وفي المطارات والمواقع العسكرية.
-
الحصار بالحصار.. معادلة تنتقل من الشعار إلى الميدان
الرسالة السياسية والعسكرية التي رافقت هذه العمليات جاءت واضحة في بيانات القوات المسلحة، وكذلك في تصريحات الرئيس مهدي المشاط، حيث جرى التأكيد على استمرار المعادلات حتى تحقيق أهدافها المتمثلة في إنهاء العدوان والحصار السعودي والعبارة المركزية التي تكررت في البيانات كانت "الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد".
وبقراءة الوقائع المتتابعة، تبدو هذه المعادلة وقد اكتسبت مضموناً عملياتياً واسعاً فالحصار لم يعد مرتبطاً بجبهة واحدة، والتصعيد لا يجري داخل نطاق جغرافي واحد فالرد أصبح يستهدف أدوات الضغط ومراكز الثقل المرتبطة بالعدوان، من التحشيدات العسكرية إلى المنشآت النفطية والمطارات والمواقع الحساسة.
وفي هذا السياق، جاء تصريح المصدر العسكري بأن لدى القوات المسلحة اليمنية من الجهوزية وأوراق القوة ما يجعل النظام السعودي ينهي عدوانه وحصاره، مع التأكيد على أن الضربات في العمق السعودي دفاعية وفق الموقف المعلن في المادة.
-
ثلاثة أيام غيّرت شكل المشهد
إذا جُمعت الوقائع خلال الفترة الممتدة من الثالث إلى السادس من أكتوبر، فإننا أمام سلسلة عمليات مترابطة زمنياً وميدانياً:
في تعز، تقدمت القوات المسلحة في سامع والتربة والشمايتين والمواسط والمعافر، ثم وصلت إلى الصلو، وطاردت التحشيدات السعودية وأخرجتها من مواقع عدة.
وفي الجوف، تعرضت التحشيدات لضربات أحرقت آلياتها وأوقعت خسائر بشرية وأجبرت عناصرها على الفرار.
وفي الساحل الغربي، تعرضت التحشيدات لضربات صاروخية ومسيرة مكثفة، مع مشاهد موثقة لعمليات استهداف مباشرة.
وفي الجو، جرى التصدي لمقاتلات F-15 وإسقاط طائرة Wing Loong II.
وفي العمق السعودي، تعرضت أرامكو في الرياض وخريص ورابغ لسلسلة من العمليات، إلى جانب استهداف مطار الملك خالد ومطار أبها وقاعدة خميس مشيط ومعسكر عاكفة ومواقع في نجران وجيزان ثم جاءت صور الأقمار الصناعية لتكشف حرائق وأعمدة دخان ضخمة في منشآت نفطية سعودية متعددة.
-
اليمن يكتب معادلة جديدة للردع
أهم ما تكشفه هذه التطورات هو أن القوة العسكرية اليمنية تتحرك ضمن تصور يقوم على تعدد الجبهات وتنوع أدوات الرد، بحيث تتزامن العمليات البرية مع الضربات بعيدة المدى، وتترافق عمليات طرد التحشيدات مع استهداف العمق، وتتداخل القوة الصاروخية مع الطائرات المسيرة والدفاعات الجوية.
وفي المقابل، فإن اتساع نطاق الأهداف داخل السعودية يفرض على الرياض إعادة توزيع مواردها الأمنية والعسكرية على مساحة شاسعة، من الحدود الجنوبية إلى الرياض، ومن منشآت الطاقة إلى المطارات، ومن مواقع التحشيد إلى خطوط النقل والمنشآت الصناعية.
وهذا هو جوهر التحول الذي تكشفه الأيام الثلاثة فالعدوان الذي أراد أن يفرض على اليمن حرباً طويلة ومفتوحة وجد نفسه أمام معركة متعددة الاتجاهات، يتعين عليه فيها حماية العمق والمنشآت والمطارات والمنشآت النفطية، بالتزامن مع محاولة الحفاظ على التحشيدات داخل اليمن ومع كل ضربة جديدة، تتسع قائمة المواقع التي تحتاج إلى الحماية، وتتضاعف كلفة الخطأ، وتصبح المسافة بين الجبهة ومركز القرار أقصر في الحسابات العسكرية.
-
الرياض جزء من الجبهة
المغزى الأكبر للعمليات الأخيرة يكمن في وصول النيران إلى الرياض، واستهداف أرامكو ومطار الملك خالد، بالتزامن مع ضربات في رابغ وخريص وينبع وأبها وخميس مشيط ونجران وجيزان فالعمق السعودي الذي كان يمثل مساحة آمنة لإدارة الحرب يتحول وفق الوقائع الواردة إلى مساحة ينبغي حساب احتمالات الضربة فيها والمشهد الذي ظهر فوق الرياض، بأعمدة الدخان الممتدة لعشرات الكيلومترات، يختزل الكثير من التحولات في هذه المعركة فالضربة أصبحت قابلة للرصد من الفضاء، والنار أصبحت شاهداً مرئياً على وصول الصراع إلى منشآت حساسة في قلب المملكة.
ومن هنا يمكن فهم التحذير اليمني لشركات الطيران باعتباره جزءاً من منظومة الردع؛ فحين تصبح المطارات والأجواء ضمن نطاق العمليات، فإن الحسابات الأمنية والاقتصادية تتحرك تلقائياً إلى مستوى آخر.
-
الميدان يقول كلمته
وسط كل هذه التطورات، بقيت الرسالة اليمنية الأكثر وضوحاً هي أن المعركة تُحسم في الميدان فالقوات المسلحة أعلنت امتلاك الجهوزية والإمكانات اللازمة لمواجهة التصعيد، وأكدت أن لديها أوراق قوة كافية لمواصلة العمليات وفي السادس من أكتوبر أعلنت استمرار السيطرة على مكتسباتها الميدانية، مع تأكيد سقوط أعداد كبيرة من أفراد التحشيدات السعودية وإحراق آلياتهم، واستمرار مطاردة التحشيدات في تعز وهكذا تتجمع خيوط المشهد في صورة واحدة فتعز تتقدم، الجوف تضرب، مأرب تستنزف التحشيدات، الساحل الغربي يشتعل، السماء اليمنية تواجه الطائرات المعادية، والعمق السعودي يتلقى الضربات في الرياض ورابغ وخريص وينبع وأبها وجيزان ونجران وهذه هي الصورة التي ترسمها وقائع الأيام الثلاثة.
إنها مواجهة تتسع جبهاتها، وتتعدد أدواتها، وتتغير فيها طبيعة الأهداف وهي مواجهة تقول فيها صنعاء، عبر الميدان، إن استهداف اليمن له كلفة، وإن المنشآت الحيوية ومراكز الثقل داخل المملكة تدخل دائرة الرد عندما يتواصل القصف على المدن والمنشآت اليمنية.
وفي نهاية المطاف، فإن الأرقام وحدها لا تكفي لوصف حجم التحول فخلف كل رقم جبهة، وخلف كل ضربة رسالة، وخلف كل عمود دخان سؤال كبير عن قدرة الرياض على مواصلة حرب تتسع رقعتها من الأرض اليمنية إلى عمقها الاقتصادي والعسكري والجوي.
ثلاثة أيام فقط كانت كافية لإظهار مشهد شديد الكثافة، تقدم ميداني يمني، ضربات في العمق، منشآت نفطية تشتعل، مطارات تتعطل، تحشيدات تتراجع، طائرات تُجبر على الانسحاب وأخرى تُسقط، وصور فضائية توثق آثار النار في قلب المنظومة النفطية السعودية وعندما تتزامن هذه الوقائع جميعاً في لحظة واحدة، فإنها تمنح المعركة عنواناً بأن اليمن يوسّع ميدان المواجهة، والسعودية تدفع ثمن نقل الحرب إلى مستوى أوسع والكلمة، كما قالت القوات المسلحة اليمنية، تبقى للميدان.



.jpg)


.jpg)