مـوقع دائرة الثقافة القرآنية - تقارير - 25 ربيع الآخر 1448هـ
تقرير / وديع العبسي
ظلت قراءات الخبراء واستخلاصات المحللين وملاحظات المراقبين دائماً تؤكد بأن استمرار السعودية بعدوانها على الشعب اليمني إنما يعبر عن حالة يأس وإحباط لفشلها في تحقيق ما حددته قبل اثني عشر عاماً في البيت الأبيض الأمريكي. ولم تستند هذه القناعة على طول زمن القصف والقتل وفرض الحصار الخانق على اليمنيين فحسب، وإنما أيضاً إلى ما ولّده هذا العدوان من دافع قوي لبناء الذات وإثبات الحضور بغض النظر عما يمتلكه العدو من إمكانات.
وعمليات الاثنين، 5 أكتوبر 2026، النوعية في العمق السعودي، جاءت لتؤكد أن نهج المكابرة والتمادي الذي تتخذه القيادة السعودية لن يثمر سوى اتساع متزايد في جغرافيا الرد الدفاعي اليمني، وتعاظم مشهود في التأثير المباشر والردعي على عمق المملكة ومفاصلها الحيوية والإستراتيجية.
السعودية، التي ظلت لعقود طويلة نائية بنفسها عن تعرض أراضيها أو بنيتها التحتية لأي هجمات عسكرية مباشرة تمس مقوماتها الاقتصادية والأمنية، ترقب اليوم النيران وهي تتمدد وتنتشر في كامل جغرافيتها من أقصى الجنوب والشرق إلى قلب العاصمة الرياض والشريط الساحلي الغربي على البحر الأحمر دون أن يكون بمقدورها رد هذه الأخطار.
-
فشل كل الرهانات العسكرية للرياض
وهذا التطور في استمرار استهداف العمق السعودي بكل سلاسة، يعكس تحولاً هائلاً في معادلات التوازن الإقليمي؛ حيث لم تعد المظلات الدفاعية ولا التحالفات الإقليمية التي تشكلها السعودية كل حين وآخر قادرة على منع الأسلحة اليمنية الموجهة من الوصول إلى أهدافها بدقة عالية، ما يجعل كلفة التصعيد السعودي أكبر بكثير من أي مكاسب ميدانية قد تتطلع إلى تحقيقها. فيما يعكس هذا التحول وبشكل واضح فشل سلسلة متواصلة من الحسابات والرهانات العسكرية التي جربتها الرياض على مدى سنوات متواصلة من العدوان. فمنذ الإعلان الأول عما أسمي بـ "عاصفة الحزم" في مارس 2015، وما تلاها لاحقاً من الانتقال إلى مرحلة "إعادة الأمل"، انتهت كل تلك الإستراتيجيات بالإخفاق الميداني وعجز القدرة على حسم المعركة أو فرض واقع سياسي يخدم التطلعات السعودية في الأراضي اليمنية.
وعوضاً عن الاستفادة من تجارب الانكفاء ومراجعة مكامن الضعف والخلل في المؤسسة العسكرية ودراسة أسباب الإخفاق، جاءت المراهنة مجدداً على التصعيد وتدشين عمليات عسكرية مكثفة تحت مسميات جديدة مثل "فجر اليمن"، ليحدث العكس تماماً على أرض الواقع؛ إذ انقلبت الموازين سريعاً واتسعت دائرة الضربات الباليستية والمسيّرة اليمنية لتلغي فاعلية القصف الجوي المكثف، وتفرض معادلات ردع متجددة.
والأكيد أن هذا النمط المتكرر من الرهانات الفاشلة يثبت أن الانكفاء السعودي السابق لم يرافقه تقييم استراتيجي حقيقي للمعادلات الميدانية، بل كان مجرد محاولة لالتقاط الأنفاس والعودة إلى ذات الخيارات التقليدية التي أثبتت عجزها الميداني.
وتكشف العمليات اليمنية المتصاعدة منذ الشهر الماضي عن خارطة أهداف واسعة النطاق ومتكاملة طالت مناطق ومواقع حساسة لم تكن في حسابات العدو السعودي؛ إذ استهدفت سلسلةً من القطاعات الحيوية والإستراتيجية والعسكرية، شملت العاصمة الرياض، ومدينة جدة الحيوية، ومنشآت أرامكو في رابغ وينبع وغير مكان، ومطار أبها الدولي، وقاعدة خميس مشيط العسكرية، ومعسكر عاكفة في منطقة عسير، بالإضافة إلى مواقع حساسة وعسكرية موزعة في كل من نجران وجيزان. ويعكس هذا الشمول الجغرافي قدرة التخطيط الميداني اليمني على إدارة مواجهة متعددة المسارح في وقت واحد، وتوزيع الضربات المتقاطعة بما يربك غرف عمليات الدفاع الجوي للعدو.
-
اتساع خارطة الحرائق السعودية
تحمل دلالات استهداف العاصمة الرياض ومطار الملك خالد، وكذا المرافق الاقتصادية في رابغ وجدة يوم الاثنين، أبعاداً إستراتيجية في غاية الخطورة والتعقيد، فالرياض تمثل مركز القرار السياسي والإداري والمالي للسعودية، وتوقُف أو اضطراب حركة الملاحة الجوية في مطارها الرئيسي نتيجة الإصابة الدقيقة والمباشرة يتجاوز كونه مجرد تعطيل لرحلات جوية إلى تسببه في شل حركة المركز المالي والدبلوماسي وإرباك الأنشطة الاقتصادية.
أما ضرب مصفاة أرامكو في رابغ ومحيط جدة على الساحل الغربي واشتعال النيران في الموقع المستهدف فهو يمس مباشرة عصب الاقتصاد السعودي والإمدادات النفطية العالمية عبر البحر الأحمر، ما يبعث برسالة قاطعة بأن الكلفة الاقتصادية للتصعيد لن تتوقف عند حدود المناطق الجنوبية والحدودية، بل ستطال المنشآت الاقتصادية الكبرى والصناعية الحساسة في أي نقطة جغرافية داخل البلاد.
ومن واقع عمليات الاثنين أيضاً، والتي وسعت من خارطة الحرائق في الأراضي السعودية، انكشف مبكراً وبصورة واضحة عجز التحالف المستحدث باسم "حلف مكة" والتشكيلات التابعة له عن تغيير مجريات الأحداث أو حماية راعي الحلف؛ إذ قد يُنفذ غارات على أهداف داخل المحافظات اليمنية الحرة جرى استهدافها عدة مرات من قبل، إلا أن هذا القصف المكرر لم يعد يحقق أي قيمة عسكرية أو استراتيجية يُعتد بها بالنسبة للرياض. فالقضية الجوهرية والملحة بالنسبة للسعودية لم تعد تكمن في القدرة على شن غارات جوية إضافية داخل اليمن، بل في امتلاك منظومات دفاعية وإستراتيجية قادرة على رد الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة، ومنعها من الاختراق والوصول الدقيق إلى أهدافها في الرياض وباقي المناطق.
-
صعوبة استمرار الرهان العسكري
حظي هذا العجز الدفاعي السعودي المُزمن والتحوُّل في موازين القوة خلال الفترة الماضية بقراءات واسعة وتحليلات مستفيضة لدى كبرى المؤسسات الإعلامية ومراكز الأبحاث الدولية؛ حيث أكدت وكالة "رويترز" أن اتساع نطاق الهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة يهدد خطط الطمأنينة الاقتصادية، ويعطل سلاسل توريد الطاقة، ويرفع كلفة التأمين البحري على السفن والناقلات. فيما أشارت مجلة "بلومبرغ" إلى أن اضطراب البيئة الأمنية يرفع تكاليف التشغيل ويضع ظلالاً قاتمة على المشاريع الاقتصادية المستقبلية التي تراهن عليها القيادة السعودية لاستقطاب الاستثمارات ورؤوس الأموال.
وفي البعد الاستراتيجي لعمليات القوات المسلحة اليمنية، أفردت مجلة "فورين بوليسي" مساحات تحليليّة أكدت من خلالها أن اتساع دائرة الأهداف يضع القيادة السعودية أمام خيارات أحلاها مر، خصوصاً بعد أن أثبتت العمليات الجوية ضد اليمن عدم جدواها. وتضمنت التحليلات تصريحات لخبراء متابعين لشؤون الشرق الأوسط، أشارت إلى أن الرهان على الغارات العنيفة أثبت نتائجه العكسية، ولم يمنع القوات اليمنية من تطوير ذراعها الطولى وإعادة تصدير الأزمة إلى قلب العاصمة الرياض والمدن الصناعية. وترافق ذلك مع متابعات إعلامية صادرة عن وكالات أجنبية كـ "فرانس برس" وقناة "فرانس 24" وموقع "روسيا اليوم"، التي تناولت التحذيرات الموجهة لشركات الطيران العالمية لتجنُّب الأجواء السعودية، متطرقين إلى أن تحذيرات الملاحة الجوية تجعل الأجواء منطقة مخاطر تزيد من الضغوط المالية واللوجستية على حركة الملاحة الدولية.
-
تقييم المنظومات الهجومية والدفاعية
وعلى صعيد تقييم الأداء الميداني والدفاعي، تناولت تقارير صحفية عسكرية، بينها ما نشرته وكالة "أسوشيتد برس"، الهشاشة الدفاعية للأنظمة الاعتراضية أمام الهجمات المركبة التي تدمج الصواريخ المجنحة والباليستية بالطائرات المسيّرة، مشيرة إلى أن أنظمة الباتريوت والدفاعات الجوية التقليدية تواجه حالة إغراق تكتيكي حقيقي عند إطلاق هجمات ممتدة ومتزامنة نحو أهداف متعددة في الرياض وجدة وخميس مشيط، ما يقلل من فاعلية الاعتراض الميداني.
وأكدت تقارير استخباراتية وتحليلية، تداولتها منصات متخصصة كـ "إنتليجنس أونلاين" الفرنسية، أن المتابعات الميدانية ترصد تطوراً لافتاً ومستمراً في مدى ودقة المنظومات الهجومية اليمنية، ما يجعل المظلات الدفاعية السعودية غير قادرة على تأمين كامل الجغرافيا المترامية. وامتدت التحليلات التقنية والعسكرية إلى ما أفردته مجلات متخصصة كـ "ميليتري ووتش"، بالحديث عن التطور التكنولوجي في المسيرات والصواريخ الموجهة والتكتيكات المتبعة في المناورة، موضحة أن الاعتماد على التناغم بين المسيرات الاستطلاعية والهجومية والصواريخ المجنحة يتيح اختراق طبقات الرادار المتعددة والوصول إلى أهداف ذات أهمية عالية، مثل مطار الملك خالد والبنية النفطية في جدة، بنسبة دقة تشكل تحدياً كبيراً للتخطيط الدفاعي.
-
المكابرة لن تجلب للرياض الأمان
لا شك أن المكابرة وتجاهل معادلات الردع الجديدة سيؤديان بالضرورة إلى اتساع رقعة المواجهة وشمول مناطق جديدة كانت تُحسب نائية عن الصراع. والإصرار على النهج العسكري إنما يفاقم من اتساع دائرة النيران بدلاً من إخمادها، وهو ما يظهر اليوم في استهداف مناطق جديدة في العمق السعودي ليمثل واقعاً جديداً يفرض معالجة أسباب الصراع الجذرية والتوقف عن التصعيد.
على أنه بالنظر إلى معطيات الواقع الميداني، تتضح حقيقة واحدة لا تقبل التأويل، وهي إن الاستمرار في مسار المكابرة والتمادي لن يجلب للرياض الأمان المنشود ولن يحمي بنيتها التحتية، بل سيوسع دائرة النيران لتشمل مفاصل أكثر أهمية في أرجاء الداخل السعودي.
نجح الردع اليمني فعلياً في فرض معادلة جديدة حاسمة وطبيعية تقوم على أن حماية العمق السعودي والمنشآت الاقتصادية والمطارات الحيوية لن تتحقق عبر استمرار العدوان وقتل المدنيين وتدمير البنية التحتية، وإنما تتطلب بصورة حتمية التوقف الكلي عن كل أشكال الاستهداف للشعب اليمني، بما في ذلك إنهاء الحصار بشكل كامل وشامل دون أي شرط.



.jpg)


.jpg)