أمين جعفر أسعد
يُعتبر العفو العام من أهم الأمور السياسية والأخلاقية التي تتمتع بها أي سلطة تجاه خصومها داخل حدودها وشعبها، بعيداً عن تصفية الخصوم وملاحقتهم بقوة السلاح والسلطة.
ويأتي أحياناً بعد سيطرة أي جهة معارضة داخل الدولة على الأرض والمؤسسات؛ بينما البعض لا يفهم هذا المفهوم المهم، خاصة من يريد أن يحكم الجميع ولا يكونوا شركاء معه في السلطة والمؤسسات والتنفيذ على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، نورد تعريف العفو في اللغة، ثم في الاصطلاح الفقهي والقانوني، وصولاً إلى مفهومه السياسي والدولي.
فالعفو لغةً، أي العفو في لغة العرب يدور حول معاني المحو، والترك، والتجاوز؛ ففي الترك والتجاوز يُقال: «عَفَا عَنْ ذَنْبِهِ» أي سَقَطَ اللَّوْمُ وَالتَّثْرِيبُ عَنْهُ، وتَرَكَ عِقَابَهُ تجاوزاً عنه.
أما العفو اصطلاحاً في الفقه والقانون، هو التنازل عن الحق في العقاب مع القدرة عليه، أو إسقاط العقوبة المقررة على الجاني بشرط أو بغير شرط، وفي القانون الجنائي يُعتبر العفو العام "العفو الشامل، أو السيادي"، وقانوناً يصدر عن السلطة التشريعية أو السلطة الحاكمة، وهو يمحو الصفة الإجرامية عن الفعل ذاته ويُسقط جميع الآثار المترتبة عليه وكأن الفعل لم يكن.
و في الاصطلاح السياسي والدولي، يعرف العفو في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وخاصة العفو العام، بأنه "أداة سياسية وسيادية تُستخدم لإنهاء النزاعات المسلحة وتحقيق المصالحة الوطنية، تُصدرها السلطة الحاكمة لإسقاط الملاحقة القانونية أو الجنائية عن أطراف المعارضة أو المسلحين، بهدف إعادة دمجهم في الحياة المدنية واستعادة الاستقرار السياسي".
وهنا يمكن التوضيح أكثر من خلال معرفة أبرز خصائص العفو السياسي، والتي تتمثل بارتباطه بالسيطرة الميدانية، حيث لا يكون العفو السياسي فعّالاً إلا إذا كان صادراً عن سلطة أمر واقع، تملك القدرة التنفيذية على الأرض لمنح الأمان والضمانات للمشمولين به.
وهوغايته الاستراتيجية، لا تقتصر على كونه فعل إنساني، وتمتد إلى أنه مناورة وسياسة تُستخدم لتفكيك جبهة الخصوم، وتقليل تكلفة الصراع العسكري، وبناء وحدة سياسية على الأرض.
ومن الأمثلة على ذلك،قرار العفو العام الصادر من المجلس السياسي الأعلى في صنعاء هذا العام 2016م، أمام تحشيدات العدو السعودي في المخا وباب المندب وجبهة الساحل الغربي وتعز، وما سبقها من عفو عام منذ السنوات الأولى للعدوان على اليمن، أمام المغرر بهم والمخدعين للقتال في صف الغازي المحتل لليمن، العدو السعودي، وتسهيل عودتهم بالتواصل على الرقم "176" إلى مناطقهم التي تحت سيطرة حكومة التغيير والبناء، وقيادة المجلس السياسي الأعلى بصنعاء.
وهناك أمثلة عربية ودولية مشابهة، منهاالعفو العام في الجزائر ويعرف بـ "ميثاق السلم والمصالحة الوطنية 2005"، أصدرته الحكومة الجزائرية للسيطرة على الأزمة الميدانية بعد "العشرية السوداء"، وكان موجهاً إلى الجماعات المسلحة في الجبال لتسليم سلاحهم والاندماج في المجتمع مقابل إسقاط الملاحقات.
والعفو العام الحقيقي قانونياً وسياسياً يتطلب "سلطة أمر واقع" تملك المؤسسات الأمنية والأرض والحدود لتطبيق القرار، بحيث يستفيد منه الطرف الآخر فعلياً بقطع خطوط التماس والعودة الآمنة.
وفي سبيل المقارنة بين صنعاء وأما ما يقوم به ما يسمى برئيس المجلس القيادي العليمي من إصدار عفو عام وهو خارج اليمن، فهذا يُعتبر سقوطاً سياسياً وأخلاقياً يضحكون به على من تبقى من أتباعهم سواء في الداخل أو الخارج؛ فلا يصدر العفو إلا من سلطة على رأس مؤسسات الدولة وتسيطر على الواقع حدوداً وشعباً وجغرافيا، وليس من سلطة لا يوجد لها مقر تدير أمورها منه وتتواجد في فنادق الرياض، ووزير دفاعها يخطفه أبسط مواطن على قارعة الطريق.
فأي عفو من هؤلاء الذين هم أحوج إليه من الطرف الحاكم فعلياً على الأرض؟ وفي هذا، فسلطات صنعاء هي من يحق لها سياسياً وقانونياً أن تعفو عن العليمي ليعود إلى داره مواطناً صالحاً بعيداً عن بيع اليمن ورفع الإحداثيات للأعداء.
ولتأكيد والتوضيح أكثر فأن العفو يصدر من سلطة الأمر الواقع كما هو شأن قرار الرئيس المشاط الأخير، الذي أطلق العفو الرئاسي، بعد دحر تحشيدات العدو السعودي الغازي لليمن من مديريات الساحل الغربي وفي تعز؛ لأن العفو يتم تطبيقه مباشرة من السلطة الحاكمة على الأرض، والتي تملك القرار وتنفيذه، وليس مقره ومصدره حكومة الفنادق لدى العدو الغازي لشعب ليس شعبه وأرض ليست أرضه.



.png)
.jpg)


