يحيى صالح الحَمامي
الصلح الحقيقي والعدل بين الأطراف المتنازعة لا يكون إلا من خلال ردِّ الحق إلى أصحابه، وإلّا كان مُجَـرّد هدنة مع الظالم على حساب المظلوم.
ونحن نرى أن القيادة السعوديّة لا تحمل في طياتها نوايا حقيقية للخير والسلام مع الشعب اليمني؛ إذ لم تقدم حتى الآن أي موقف عملي يثبت حُسْنَ النية، وفي مقدمة ذلك رفع الحصار عن أبناء اليمن بحرًا وبرًّا وجوًّا.
ولا تزالُ القيادةُ السعوديّة تراوغُ وتتنصلُ من مسؤوليتها تجاهَ العدوان على اليمن، وتلقي بأمن اليمنيين وسلامهم وحقوقهم الإنسانية والمعيشية في ملعب القوى الدولية، وكأن أبناءَ الشعب اليمني لم يخلقهم الله أحرارًا في هذه الأرض.
أم أن من يتحكم بقرار المنطقة لا يزال هو العدوّ القديم المتجذر في سياسات الهيمنة الغربية، ممثلًا ببريطانيا، التي ظلت لعقود شريكًا في رسم سياسات النفوذ والسيطرة في الشرق الأوسط، بما يخدم مصالح القوى الكبرى وكِيان الاحتلال الغاصب.
إن الصلح الذي لا يميِّزُ بينَ الظالِمِ والمظلوم، ولا يعيد الحقوقَ إلى أصحابها، ليس سلامًا حقيقيًّا، بل مُجَـرّد هُدنة مؤقَّتة تُبقِي الجِرَاحَ مفتوحة.
فصمود الشعب اليمني وتضحياته لم تكن أمرًا عابرًا يمكن تجاوُزُه أَو التقليلُ من شأنه، بل كانت فاتورةً ثقيلةً دفعها اليمنيون دفاعًا عن حريتهم واستقلالهم وكرامتهم.
لقد باشرت السعوديّةُ الحربَ على اليمن، وأعلنت عدوانَها من واشنطن، وسعَت لتنفيذ سياسات ألحقت بالشعب اليمني أضرارًا كارثيةً، من بينها نقلُ البنك المركزي من صنعاءَ إلى عدن، رغم معرفتها بما يمثله ذلك من تأثير مباشر على حياة ملايين الموظفين اليمنيين وأسرهم.
وتم إيداعُ عائدات النفط والغاز في مناطقَ خاضعةٍ لسيطرتها، فيما حُرم مئاتُ الآلاف من الموظفين في صنعاءَ وبقيةِ المحافظات من مرتباتهم الأَسَاسية، في خطوة زادت من معاناة المواطنين وأثقلت كاهل الأسر اليمنية.
فإذا كانت الحربُ بين أطرافٍ سياسيةٍ وعسكرية، فما ذنبُ الموظف المدني الذي وجد نفسه محرومًا من أبسط حقوقه المعيشية؟ وكيف يمكن تبرير معاقبة الشعب في لقمة عيشه واحتياجاته الأَسَاسية؟
أما الأممُ المتحدة، فقد أثبتت التجارب أنها عاجزةٌ عن صناعة السلام الحقيقي أَو حماية الشعوب المستضعفة من ويلات الحروب والحصار؛ إذ غالبًا ما تكتفي بياناتها بالتعبير عن القلق والإدانة، دون خطوات عملية توقف المأساة أَو تنصف الضحايا.
وبات كثيرٌ من اليمنيين ينظرون إلى دورها؛ باعتبَاره أقربَ إلى إدارة الأزمة لا حلها، وإلى تدوينِ المعاناة بالأرقام والإحصاءات دون تغيير حقيقي على الأرض.
لقد عانى أبناءُ اليمن سنواتٍ طويلةً من الحصار والجوع والفقر، بينما كان المنتظر من دول الجوار أن تتعامَلَ بروح الجوار والإسلام والقيم الإنسانية.
لكن الواقع كشف حجم المعاناة التي فُرضت على الشعب اليمني، الذي ظل متمسكًا بصموده وإرادته رغم كُـلّ الظروف.
واليمن، كما يؤكّـد أبناؤه، يحملُ مشروعَه الوطني المرتبط بالتحرّر والاستقلال ورفض التبعية، ويرى كثيرون أن مشروع المسيرة القرآنية مثّل بالنسبة لهم حالة إنقاذ من الانقسام والارتهان، ومشروعًا يستند إلى الهُوية الإيمانية والثقافة القرآنية التي عرفها اليمنيون منذ قرون طويلة، لا كما يروّج البعض بأنها مشروع مستورد من الخارج.
ويؤكّـد اليمنيون تمسكهم بقيادتهم وخياراتهم الوطنية، وإيمانهم بأن الصبرَ والحكمةَ اللذين تحلّى بهما الشعبُ اليمنيُّ طوالَ سنوات الحرب لن يدوما إلى ما لا نهاية، وأن السلامَ الحقيقيَّ لا يمكنُ أن يتحقّقَ إلا بالعدل، وإنصاف المظلوم، واحترام سيادة اليمن وحقوق شعبه؛ لأنَّ العاقبةَ -في نظرهم- لن تكونَ إلا لمن تمسَّك بحقه وصبر على قضيته.



.png)

.png)
