د. أحمد الرباعي
باتت المعارك في الحروب الحديثة غير المتماثلة، مرتبطة بسلاح فضاءات الوعي وتوجيه الرأي العام، والحرب النفسية، كما ترتبط بالنيران وازيز الطائرات، وفي العدوان على اليمن عام 2015م، ثم العدوان الاسرائيلي على غزة وتداعياته الإقليمية الأخيرة، وما أعقبه من تداعيات إقليمية شملت العدوان على اليمن بسبب اسناده ونصرته لأهل غزة، تبلورت ظاهرة إعلامية استثنائية، تستحق البحث والاستقصاء؛ تمثلت في "المتحدث العسكري الرسمي"، لتصبح بياناته بوصلة تترقبها أنظار الملايين في الداخل، وترصدها وكالات الأنباء العالمية وغرف العمليات الدولية في الخارج.
يفكك هذا التحقيق مسارات هذا الخطاب العسكري ويبحث في آليات هندسة "المصداقية والموثوقية" التي ميزت اطلالات العميد يحيى سريع، كما يقرأ دوافع التعرض الجماهيري المكثف لهذه البيانات، مسلطا الضوء على ارتداداتها السيكولوجية والمعنوية والسياسية العابرة للحدود.
التعرض المكثف وسيكولوجيا الترقب
تحول تلقي الأخبار العسكرية في اليمن، من متابعة اعتيادية لنشرة الأخبار، إلى نمط مدروس، بالاستراتيجية الإعلامية للإعلام الحربي اليمني، الذي يبدأ مسارها بسياسة "الإعلان عن الإعلان"، عبر التمهيد لصدور بيان عسكري مرتقب خلال الساعات القادمة، ثم التحديد الزمني، تشد الذهن للحضور والجهوزية لتلقي، ثم العرض، وهذا التكتيك يندرج ضمن "هندسة الانتظار"، الهادف الي تصعيد وتيرة الترقب الشديد.
محليا، ترصد المؤشرات وصول نسب المشاهدة ذروتها لحظة بث البيان، مع احتشاد الجماهير اليمنية أمام الشاشات في المنازل والساحات العامة والمقاهي.
وهذا التعرض الكثيف والمتعمد يضمن وصول الرسالة العسكرية بصورتها المباشرة -دون وسيط- إلى المتلقي، متجاوزة أي فلاتر أو تشويش أو معالجات قد تمارسه وسائل الإعلام المعادية، وهو ما يرفع من الروح المعنوية ويعزز من التفاف الجمهور حول القيادة.
خارجيا، يضع هذا الترقب المسبق وكالات الانباء الدولية ومراكز الرصد الاستخباراتي في حالة استنفار، لترجمة كل كلمة فور نطقها ورصد مضامينها وتفكيك دلالاتها، الامر الذي يكفل للبيان فور إلقائه تغطية عالمية وانتشار واسعا وحضورا اخباريا استثنائيا.
دوافع المشاهدة
أن هذا الالتفاف الجماهيري حول بيانات المتحدث العسكري اليمني ليس محض الصدفة، بل تقف خلفه محركات ودوافع عميقة يمكن تقسيمها وفق أدبيات الإعلام الاستقصائي إلى مسارين رئيسيين:
تبدأ بمسار الدوافع النفعية "المعرفية"، في ظل بيئة رقمية تعج فيها الأخبار الزائفة والشائعات المضللة، وهنا يسعى الجمهور بمختلف توجهاته "المؤيد، المعارض، والمراقب الدولي"، لاستقاء المعلومة الدقيقة من مصدرها الأول، ويترجم هذا الاندفاع في الرغبة الملحة لمعرفة حجم التصعيد، وتحديد بنك الأهداف "كالسفن أو القواعد العسكرية أو الطائرات المسقطة"، لاستشراف تداعياتها جيوسياسياً واقتصادياً.
يليها مسار الدوافع الانفعالية "النفسية"، التي تتجاوز متابعة بيانات العميد يحيى سريع لدى الجمهور المؤيد حاجة التلقي الاخباري، لتتحول الي طقس معنوي يلبي احتياجاته النفسية، اذ تمنحه شعوراً بالتمكين والنصر، والفخر الوطني، ويتجلى هذا الأثر بعد ارتباط هذه العمليات بقضية الأمة المركزية، وفي مقدمتها إسناد غزة، مما يضفي على المتابعة بعداً دينياً وتضامناً اسلاميا، وليس مجرد تلقي الخبر العابر.
توثيق الميدان
في عصر "حروب الجيل الرابع" وتفشي الأخبار المضللة، أيقن الإعلام الحربي في العاصمة صنعاء أن الكلمة وحدها تفقد تأثيرها وأن التصريحات الرنانة تتلاشى سريعاً إن لم تُدعم بالدليل.
لذا، بني جدار "الموثوقية" على قاعدة ذهبية تتمثل في المزاوجة الحتمية بين القول والفعل، وتوثيق الفعل بالصورة. وتجلت هذه الاستراتيجية بوضوح في نهج المتحدث العسكري للقوات المسلحة اليمنية، الذي دأب على إتباع البيانات والإعلانات العسكرية الكبرى بمقاطع فيديو توثيقية حاسمة بعد فترات زمنية قصيرة، ترصد تفاصيل العمليات، من الاستطلاع وحتى لحظة الاستهداف المباشر.
هذا التوثيق البصري المحكم قطع الطريق على العدو للنفي او الانكار، وفرض واقعا اعلاميا أجبر حتى القنوات الإعلامية المناهضة لصنعاء ومحور المقاومة، على عرض تلك المشاهد والتعاطي معها.
ويمثل الدليل البصري حجر الزاوية الذي شيد عليه المتحدث العسكري سريع، جدار الثقة مع جمهوره الواسع، لينتقل بذلك من خانة "الناطق الإعلامي" التقليدي إلى مرتبة "المصدر اليقيني" للخبر العسكري.
وبمرور الوقت، والمواظبة على هذه المنهجية التوثيقية، تجذرت قناعة تامة لدى الجمهورين، المؤيد والمعارض على حد سواء، بأن ما يعلنه هو "حقيقة واقعة"، وهكذا لم تعد الشاشات مجرد وسيط لنقل الاخبار، بل تحولت إلى أداة لترسيخ المصداقية العملياتية، وهو ما وجه ضربة قوية للآلة الإعلامية لدول العدوان، وجعل من الصعوبة بمكان تسويق روايتها أو تمرير سرديتها للجمهور بالسهولة التي كانت تعدها في السابق.
الكاريزما وبناء الهوية البصرية والصوتية
لا تنفصل قوة الرسالة وتأثيرها عن الكاريزما الشكلية واللغوية التي يمتلكها المتحدث العسكري المجاهد يحيى سريع، فقد أسهمت هيئته في رسم صورة ذهنية للمتلقي تعبر عن "الدولة القوية" وتجسد بوضوح معنى "انضباط المؤسسة العسكرية".
وتتجلى هذه الكاريزما الخطابية، أيضا، في الالتزام بالزي العسكري، ولغة الجسد التي تخلو من الانفعالات الزائدة، ونظرات العين الموجهة مباشرة نحو الكاميرا وكأنها تخاطب الخصم وجهاً لوجه.
والأهم من ذلك، ان العميد سريع يستخدم لغة عربية فصحى تخاطب وجدان الامة العربية والاسلامية، خالية من الأخطاء النحوية، مع نبرة صوت حازمة وهادئة في ان واحد، لكنها مشبعة بالرسائل المبطنة.
هذه العناصر مجتمعة تبني شخصية قيادية ذات موثوقية عالية، قادرة على فرض هيبتها عبر الشاشة، تبث رسائل للجمهور المحلي بالثبات والقوة، في حين تعكس للجمهور الخارجي صورة قوة منظمة تدير عملياتها العسكرية والإعلامية باحترافية عالية، بعيدا عن الصورة "الفوضوية" التي ظلت ابواق العدوان تروجها لسنوات.
التأثير المعنوي
نجحت هذه الهندسة الإعلامية الدقيقة في احداث تأثيراً معنوياً وسيكولوجياً مزدوجاً داخليا وخارجيا تمثل في تحصين الجبهة الداخلية، حيث يلعب الخطاب العسكري دوراً حاسماً في التعبئة والنفير العام.
فأصبحت البيانات بمثابة "جرعات معنوية" للمواطن اليمني المؤيد، ويعزز من التلاحم الشعبي حول القيادة، ويخلق حالة من الالتفاف حول المشروع السيادي الوطني لثورة 21 سبتمبر، ليصبح الصمود الشعبي انعكاساً للنجاحات الميدانية التي يقرأها المتحدث.
وعلى الضفة الأخرى تقفالحرب النفسية وقوة الردع الخارجية، حيث تحول المتحدث العسكري إلى مصدر رصد دائم لدى وكالات الأنباء العالمية مثل "رويترز، بلومبيرغ، والأسوشيتد برس"، بل ولدى شركات الشحن البحري وهيئات التجارة البحرية الدولية وحكومات الدول الكبرى.
وبذلك أصبح المتحدث العسكري أداة ردع نفسي وإرباك للعدو، فعندما يعلن العميد سريع عن أي تطور عسكري أو فرض معادلة اشتباك جديدة، أو يحذر من استهداف قطاعات معينة، لم يعد هذا الإعلان يُقابل بالتجاهل، بل بات يلقي بظلاله فوراً على أسواق التأمين البحري العالمي، ويجبر كبريات شركات الملاحة على تغيير مساراتها.
ويثبت هذا الخطاب قدرته على إحداث شلل أو ارتباك في دوائر صنع القرار لدى الدول المعادية، مما يعكس اعترافاً واقعياً بفاعلية هذه المنظومة الإعلامية.
وفي المحصلة الاستقصائية، يتضح أن الأداء الإعلامي للمتحدث العسكري، كسر القوالب التقليدية للتوجيه المعنوي، متحولا الي سلاح استراتيجي قائم بذاته، ورأس حربة في ادارة حرب نفسية وإعلامية ومعرفية شاملة.
وعبر هندسة دقيقة تجمع بين الخطاب الرصين، والدليل البصري القاطع، والتوظيف المدروس للتوقيت ولغة الجسد، نجحت القوات المسلحة اليمنية بالعاصمة صنعاء في احتكار السردية الإخبارية وفرضها.
وهكذا تحول المنبر العسكري الي قوة ناعمة شديدة التأثير، تضاهي في قوتها وتأثيرها قوة الصواريخ البالستية، مكرسة المتحدث الرسمي كمعطى استراتيجي وحجر زاوية لا يمكن تخطيه في أي مقاربة تخص معادلات المنطقة سياسيا وعسكريا.

.png)

.png)
.jpg)


