مـرحبـا بكم في موقع دائرة الثقـافـة القـرآنيــة

بالمكتب التنفيذي لأنصار الله

د. أحمد الرباعي
في لحظة فاصلة فتحت ثورة 21 سبتمبر 2014م، مرحلة جديدة في النظام الإقليمي، وأعادت تعريف قواعد اللعبة السياسية في المنطقة، وتوزيع الفاعلين وموازين القوة داخل اليمن، بعد أن غيرت وجوه السلطة في صنعاء.

وبالعودة إلى عام 2011، تحرك اليمن ضمن ترتيب سياسي رعته دول مجلس التعاون الخليجي كانت السعودية صاحبة الدور الأبرز فيه، تحت مسمى المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية كإطار سياسي للمرحلة الانتقالية، ثم جاء مؤتمر الحوار الوطني ليشكل محاولة لإعادة بناء النظام السياسي والدستوري للدولة.

لكن هذا المسار واجه ازمات وإخفاقات متراكمة تمثلت في صراعات أجنحة السلطة الانتقالية، إخفاق حكومة الوفاق، والخلاف حول مشروع تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم الذي اعتُبر تهديداً للوحدة الوطنية، وإلى جانب الانفلات الأمني وانتشار التنظيمات الإرهابية المسلحة ووقوع عمليات اغتيال وتفجيرات استهدفت مؤسسات الدولة ومنشآتها الحيوية.

في هذا السياق، جاءت ثورة 21 سبتمبر تعبيرا عن رفض واقع سياسي اتسم بالإقصاء والفساد والارتهان للخارج، وأحدثت تحولاً جذرياً في توزيع القوى داخل الوطن، مع بروز أنصار الله كقوة ثورية وسياسية أكثر حضورا في البلد.

 ومن هنا مثل 21 سبتمبر نقطة انقطاع في المسار السياسي اليمني؛ اذ انتقل اليمن إلى مرحلة جديدة اختلفت فيها موازين القوى، ولم يعد ممكناً إعادة إنتاج الترتيبات السابقة بالصورة التي كانت عليها قبل هذا التاريخ.

فعلى المستوى الإقليمي، مسّ هذا التحول بصورة مباشرة منظومة النفوذ التي تشكلت في اليمن على مدى عقود، فقد تمتعت السعودية بنفوذ واسع في اليمن سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، على اعتباره "حديقتها الخلفية" التي يجب أن تُدار من الرياض، وفق ترتيبات تمنع قيام أي نظام سياسي مستقل.

وجاءت ثورة 21 سبتمبر لتطرح معادلة تقوم على رفض الوصاية الخارجية والمطالبة بقرار يمني مستقل، وهو ما جعل المشهد اليمني أقل قابلية للإدارة بالأدوات التقليدية للقوى الإقليمية، وفي مقدمتها السعودية.

هذا الرفض للوصاية هو ما فسّر، في جانب كبير منه، العدوان الذي شُنّ على اليمن في مارس 2015، بقيادة السعودية مع 17 دولة، وبدعم لوجستي أمريكي وغربي، بهدف ما سمي بـ"استعادة الشرعية" وإعادة اليمن إلى الحضيرة الخليجية.

 وهكذا انتقلت العلاقة بين اليمن والسعودية من مرحلة التأثير السياسي المباشر إلى مرحلة المواجهة العسكرية المفتوحة، الأمر الذي كشف حجم التحول الذي أحدثه 21 سبتمبر في المعادلة اليمنية والإقليمية.

غير أن هذا العدوان لم يتمكن من إعادة إنتاج الواقع الذي كان قائماً قبل الثورة، بل فشله في إخضاع اليمن ورسّخ معادلة جديدة أسهمت في دفع اليمن الي موقع أكثر حضورا وتأثيرا في المحيط الإقليمي والدولي خصوصا مع بروز التأثير المباشر للبحر الأحمر وباب المندب.

لم يتوقف أثر ثورة 21 سبتمبر عند إعادة توزيع القوى الداخلية، بل تطور تدريجياً إلى تغيير في طبيعة الدور اليمني إقليميا.

فبعد أن كان اليمن يتلقى نتائج التفاعلات والقرارات الإقليمية والدولية أكثر مما يؤثر في اتجاهاتها، بدأت السلطة في صنعاء تتبنى رؤية تقوم على تحويل اليمن من ساحة تتلقى الأحداث إلى طرف يسعى إلى صناعة الوقائع.

 وتكرس هذا التحول مع تطور القدرات العسكرية، خصوصاً الصاروخية والطائرات المسيّرة، وانتقال استخدامها من نطاق الداخل إلى نطاق التأثير في البيئة الإقليمية، وبلغ هذا التحول مرحلة أكثر وضوحاً مع اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة عقب عملية طوفان الأقصى في أكتوبر 2023م.

وامتدت المواجهة اليمنية من إسناد غزة، إلى مواجهة المشروع الأوسع الذي أنتجه الحرب على غزة في مسار ما يسمى بـ "صفقة القرن" التي أعلنتها إدارة الرئيس الأمريكي ترامب في يناير 2020، وموجة التطبيع العربي مع كيان العدو الإسرائيلي التي هرولت اليه دول عربية بدء بالإمارات والبحرين، ثم المغرب والسودان لاحقاً، في إطار ما سمي بـ"اتفاقيات أبراهام".

 وجوهر هذا المسار هو تحييد القضية الفلسطينية سياسياً، وتفكيك بعدها القومي والتحرري، وتحويلها من قضية مركزية في الوعي العربي والاسلامي إلى "ملف إنساني" يُدار عبر المساعدات والترتيبات الأمنية.

وعلى هذا الاساس، فإن القضية الفلسطينية لم تعد تُعامل باعتبارها القضية المركزية التي تحدد شكل العلاقات الإقليمية، وإنما يجري الاتجاه نحو بناء علاقات سياسية واقتصادية وأمنية جديدة بين كيان العدو الإسرائيلي ودول عربية، بما يفتح الطريق أمام إعادة تشكيل النظام الإقليمي.

صنعاء في مواجهة هذا المسار، اتخذت موقفاً مختلفاً في طبيعته عن باقي العواصم العربية، وهو موقفا رافضا للتطبيع و"صفقة القرن"، فتحول الى خطاب وممارسة سياسية وشعبية مستمرة، حيث شهدت صنعاء فعاليات جماهيرية شعبية واسعة رفضاً للصفقة والتطبيع، الذي يعتبر "خيانة للأمة"، وقدمت القضية الفلسطينية باعتبارها جزءاً أساسياً من الصراع على مستقبل المنطقة، وليس ملفاً منفصلاً يمكن عزله عن التحولات السياسية والأمنية فيها.

لكن الاختبار الأكبر الذي كشف عن التحول العميق الذي أحدثته ثورة 21 سبتمبر في اليمن، جاء بعد عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، اذ لم يقتصر الموقف اليمني على التأييد السياسي، بل أعلن استعداده للانخراط في المعركة دعماً للشعب الفلسطيني، حيث أعلن السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي – يحفظه الله، موقفاً واضحاً وصريحاً بالتأييد والمباركة، والجهوزية التامة لليمن شعباً وقيادةً للانخراط في المعركة بكل السبل والإمكانيات، موجهاً رسالته المشهورة إلى المقاومين في غزة: "أنتم لستم وحدكم، شعبنا إلى جانبكم، أحرار هذه الأمة إلى جانبكم". 

بعد أسابيع قليلة، من موقف السيد القائد، بدأت القوات المسلحة اليمنية بتنفيذ عملياتها العسكرية تحت مسمى "الفتح الموعود والجهاد المقدس" إسناداً لغزة والشعب الفلسطيني، شملت إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة واستهداف سفن كيان العدو الإسرائيلي في البحر الأحمر، وأعلنت صنعاء حينها أن عملياتها مرتبطة بإسناد أهلنا في غزة، وأن انهاء تلك العمليات مرتبط مباشرة بإنها العدوان والحصار على غزة.

 وبذلك أصبح اليمن طرفاً مباشراً، وفاعلاً رئيسياً يؤثر إيجاباً على أسوى أزمة إنسانية خلفها العدوان الصهيوأمريكي على الشعب الفلسطيني في غزة وارتكاب أشنع جرائم الحرب ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية، عرفها الإقليم وأصبحت القضية الفلسطينية مرتبطة بصورة عملية بممارسة اليمن صنعاء لدورها الإقليمي.

فكان الموقع الجغرافي لليمن عاملاً أساسياً في اتساع هذا الدور؛ فهو يشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

 ومع تصاعد العمليات أواخر 2023م، فرض حصار بحري فعلي على ملاحة كيان العدو الإسرائيلي في البحر الأحمر وباب المندب، أدى إلى توقف شبه كامل لميناء أم الرشراش المسمى صهيونياً بـ "إيلات"، وأربك سلاسل إمداد العدو، ورفع كلفة النقل والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ الفلسطينية المحتلة، وإطالة زمن الرحلات.

عسكرياً، كشفت العمليات اليمنية عن عجز التحالف البحري الدولي بقيادة أمريكا عن حماية الملاحة، مما دفع واشنطن ولندن إلى شن عدوان جوي على اليمن، فشل بدوره في وقف العمليات اليمنية.

 وسياسياً، أعادت العمليات تذكير العالم بأن القضية الفلسطينية ليست قضية معزولة، وأن هناك فاعلين في المنطقة مستعدون لتقديم تضحيات حقيقية في سبيلها، لا مجرد بيانات إدانة وتنديد، وبالفعل دفع اليمن في سبيل الاسناد ضريبة على الارض اليمنية، حيث قدّم تضحيات وشهداء، في مقدمتهم رئيس الحكومة وعدد من الوزراء الذين ارتقوا شهداء في استهداف صهيوني مباشر.

إلى جانب الموقع الجغرافي، أسهم تطور القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة في تغيير طبيعة الدور اليمني، حين أصبحت هذه القدرات أداة للتأثير في الحسابات الإقليمية، وارتبط استخدامها بمواجهة الحرب العدوانية السعودية والإمارات، على اليمن، ثم بالحرب المتصل بالكيان الصهيوني والبحر الأحمر.

وتكمن أهمية هذا التطور في أنه منح اليمن قدرة أكبر على التأثير في حسابات القوى الإقليمية والدولية، ورسخ انتقال اليمن من موقع المتلقي للأحداث إلى موقع الفاعل فيها.

وهنا ظهر أحد أبرز التحولات التي بدأت منذ 21 سبتمبر؛ إذ انتقل الموقف اليمني من رفض مسار التطبيع سياسياً إلى استخدام الموقع الجغرافي والقدرات العسكرية للتأثير في الأحداث الإقليمية.

واليمن الذي كان يُنظر إليه باعتباره دولة هامشية في النظام الإقليمي أصبح قادراً، من خلال موقعه الجغرافي وقدراته العسكرية، على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

اليوم، بعد أكثر من عقد على ثورة 21 سبتمبر 2014م، لم يعد ممكناً قراءة موقع اليمن في المنطقة بالطريقة التي كان يُقرأ بها قبل ذلك التاريخ. فقد أعادت الثورة تشكيل موازين القوى الداخلية، وكسرت، منظومة الوصاية والتبعية الخارجية، أنتجت واقعاً جديداً لا يمكن تجاوزه، وفتحت الطريق أمام بناء قرار يمني أكثر استقلالاً في مواجهة الوصاية والنفوذ الإقليمي.

وجاء الحرب ليكشف حدود القدرة على إعادة اليمن إلى المعادلة السابقة بالقوة، بينما أسهم تطور القدرات العسكرية والموقع الجغرافي في انتقال اليمن تدريجياً من ساحة للصراع إلى فاعل مؤثر في محيطه.

ومع اندلاع "طوفان الأقصى" والعدوان على غزة، دخل هذا التحول مرحلة جديدة؛ إذ انتقلت اليمن ممثلا بحكومة صنعاء من رفض التطبيع و"صفقة القرن" سياسياً إلى الانخراط المباشر في الصراع الإقليمي، وربطت موقفها من البحر الأحمر بالقضية الفلسطينية.

وبذلك أصبح من الصعب فصل القضية الفلسطينية عن ملفات الأمن الإقليمي والملاحة والاقتصاد والعلاقات الدولية في المنطقة.

وهنا تبرز أهمية التحول الذي بدأ منذ 21 سبتمبر؛ فما كان يمكن التعامل معه سابقاً باعتباره شأناً يمنياً، أصبح لاحقاً جزءاً من حسابات القوى الإقليمية والدولية.

وبعد أن كان اليمن في العقود الماضية طرفاً متلقياً للقرارات الإقليمية والدولية، أصبح اليوم فاعلاً يفرض وقائع على المنطقة.

ومن البحر الأحمر إلى عمق فلسطين المحتلة، أثبت اليمن أن التحولات الكبرى تُقاس بقدرة الإرادة على الفعل رغم كل الظروف، لا بعدد القنابل المدمرة، وأن هذه العملية نتاج مسار امتد لأكثر من عقد، تداخلت فيه الثورة والحرب وتطور القدرات العسكرية والتحولات الإقليمية والعدوان على غزة.

ومن هنا، فإن أثر 21 سبتمبر في مشروع إعادة هندسة المنطقة برمتها، يمتد من تغيير موازين القوة داخل اليمن، إلى إعادة تعريف موقع اليمن في المعادلة الإقليمية، ويؤكد إنه دولة تملك عناصر تأثير تجمع بين الموقع الجغرافي، والقدرة العسكرية، والقرار السياسي، والارتباط المباشر بالقضية الفلسطينية، لا دولة على هامش صراع الدول الكبرى ومطامعها.

 ولهذا فان أي مشروع لإعادة ترتيب المنطقة، لا يمكنه أن يتجاهل التحولات التي بدأت في اليمن منذ 21 سبتمبر 2014م ، ويواجه واقعاً إقليمياً مختلفاً عن ذلك الذي كان قائماً قبله؛ إذ أصبحت اليمن والبحر الأحمر والقضية الفلسطينية والتطبيع والأمن الإقليمي ملفات مترابطة ضمن صراع أوسع يؤثر على شكل المنطقة ومستقبلها.


  • نبذة عن المسيرة القرآنية

    المسيرة القرآنية : هي التسمية الشاملة لهذا المشروع القرآني, وهي التوصيف الذي يعرِّف به تعريفًا كامًلاً , فعندما نعبر عن طبيعة المشروع القرآني الذي نتحرك على أساسه نحن نقول: المسيرة القرآنية.. وهي تسمية من موقع المشروع الذي نتحرك على أساسه.

    فالمسيرة القرآنية توصيف مرتبط بالمشروع القرآني وهي التسمية الشاملة والأساسية لهذا المشروع

    وهذه المسيرة العظيمة تقوم على ....

    اقراء المزيد...
  • تابعنا على مواقع التواصل

    • تابعون على التيلجرام
    • تابعونا على تويتر
    • تابعون على اليوتيوب
    • تابعونا على الفيس بوك
تصميم وبرمجة : حميد محمد عبدالقادر