عبدالله علي هاشم الذارحي
الحمد والشكر لله على ما تحقق من تقدم ميداني للقوات المسلحة اليمنية في محافظة تعز، حيث لم تعد التطورات الأخيرة مجرد اشتباكات متفرقة على جبهة محدودة، وإنما تبدو من منظور عسكري جزءًا من تحول أوسع في خارطة السيطرة والتحشيد.
وفي محافظة تعز تحديدًا، حيث لا يمكن قراءة التطورات الأخيرة باعتبارها مجرد تحرك ميداني محدود، وإنما ينبغي النظر إليها من زاوية عسكرية أوسع، كونها تمس واحدة من أهم المناطق الجغرافية والإستراتيجية في اليمن.
إن تطهير مناطق التربة والشمايتين وسامع وجبل حبشي وحيفان وخدير والمواسط وغيرها من المديريات من تحشيدات العدو السعودي يضع المعركة أمام واقع جديد؛ فالتربة ليست مجرد مدينة، وإنما عقدة جغرافية تتحكم في أحد أهم الطرق الرابطة بين تعز وعدن عبر هيجة العبد، كما أن موقعها بين المرتفعات المطلة على باب المندب يمنحها أهمية كبيرة في حسابات السيطرة والتحرك والإمداد.
ولذلك فإن طرد تحشيدات العدو السعودي منها ومن محيطها يضغط على خطوط الإمداد والمناورة، ويفتح الطريق أمام تسارع العمليات باتجاه استكمال تحرير محافظة تعز.
وتزداد أهمية المشهد عندما نضع في الاعتبار أن التربة مدينة تاريخية، وكانت معقلًا للجبهة القومية وثوار أكتوبر، ما يجعل السيطرة عليها ذات أبعاد جغرافية وتاريخية وسياسية في آن واحد.
ومن منظور عسكري، فإن السيطرة على العقد والممرات، أهم من مجرد الاستحواذ على مساحة جغرافية؛ لأن من يسيطر على طرق الحركة يفرض إيقاع المعركة على العدو السعودي ومرتزقته، الذين انتصاراتهم في الإعلام المضلل ووسائل التواصل، ولا صحة لتقدّم القوات المدعومة من العدو السعودي في ذوباب المطلة على باب المندب.
وفي الخطوط الأمامية يظهر وزير الدفاع اللواء الركن محمد ناصر العاطفي، بما يعكس أن القيادة العسكرية اليمنية التي لا تدير المعركة من خلف المكاتب، وإنما تحضر في الميدان وتتابع تفاصيل المواجهة.
وسيكتب التاريخ عن هذه المرحلة أن المؤسسة العسكرية اليمنية استطاعت، رغم سنوات العدوان والحصار، أن تنتقل من الدفاع إلى فرض معادلات ميدانية جديدة جرى تثبيتها على الواقع.
ولا تقتصر المفارقة على الجانب العسكري؛ فمجاهدي القوات المسلحة تُختبر أخلاقيًا عندما يصبح مقاتل الطرف الآخر أسيرًا.
وقد أظهرت مشاهد من جبهات القتال أن التعامل مع الأسرى يمكن أن يكون قائمًا على حفظ الكرامة وشرح الإجراءات العسكرية لهم، ومنها مصادرة الهواتف خشية استخدامها في تحديد المواقع والاستهداف الجوي، بالمقابل يقوم المرتزقة بتعذيب الأسرى والتمثيل بجثث الشهداء، وهذا السلوك المجرم لا يمثل الإسلام ولا الأخلاق والقيم الإنسانية.
وهذه المقارنة ليست تفصيلًا هامشيًا، لكنها تكشف أن المعركة ليست صراعًا على الأرض وحدها، وإنما صراع على القيم والسلوك أيضًا.
أما تعز، عاصمة الثقافة والأدب والصناعة والتاريخ، فإن سقوط التحشيدات المعادية التي حولها وانتقال المعركة من محيطها إلى قلبها بات تحريرها بالكامل وشيكا، حينها لن يكون سقوط المواقع العسكرية لخونة الإصلاح مجرد خسارة ميدانية، وإنما انهيارًا لمنظومة كاملة من النفوذ والتحصينات والقيادات المرتبطة بها، بما فيها الرموز السياسية التي جعلت من تعز مركزًا لمشروعها الإجرامي.
ولهذا فإن ما يجري في تعز يستحق القراءة باعتباره تحولًا في ميزان المعركة؛ فحين تفقد قوات الرياض عقدها الجغرافية وخطوط إمدادها وتتعرض تحشيداتها للاستهداف والطرد، فإن المسألة لا تعود مرتبطة بالدفاع عن موقع هنا أو جبهة هناك، وإنما تصبح مقدمة لانهيار تدريجي لمنظومة الانتشار العسكري للعدو السعودي ومرتزقته بأكملها.
مما سبق وغيره يتبين أن تعز العز اليوم تعانق العزة والكرامة وتتنفس الحرية وهي مفاتيح في معركة أكبر؛ عنوانها أن السيطرة على الأرض تبدأ بكسر قدرة الخصم على التحشيد والإمداد والمناورة، وعندها يصبح الطريق إلى استكمال تحرير بقية المحافظات أقرب من أي وقت مضى، والعاقبة للمتقين.



.png)
.png)

.png)
.jpg)