د/ عبدالرحمن المختار
تناقلت الماكينة الإعلامية الإجرامية ما سُمّي ببيان المدعو صالح الفوزان، كبير علماء السلطان ومفتي قرن الشيطان، وروّجت ماكينة الإجرام لذلك البيان بشكل واسع، ضامّةً إياه إلى موسوعتها التضليلية الإجرامية ضد الشعب اليمني، الممتدة لأكثر من عقد من الزمان.
ولا ينطبق بحق المدعو صالح الفوزان إلا مسمّى (الفاسد الخسران)، فما تتناقله وتعارفت عليه العرب أن لكل امرئ من اسمه نصيباً! فأين الصلاح من اسم هذا الضال المضل، المستحق لهذا الوصف، اكتفاءً بما تضمنه ذلك البيان، ودونما حاجة لاستقصاء سابق تضليله وفجوره! وأين الفوز من لقبه حتى مفرداً، ناهيك عن حيازته فوزان اثنان؟
وبكل جرأة على من لا ينطق عن الهوى، وصف الفاسد الخسران أبناء يمن الحكمة والإيمان بفساد العقيدة والمنهج، والانحراف والضلال، وتكفير الصحابة، واستباحة الدماء، وهدم وتدمير المساجد، وهذا الفاسد الخسران وأمثاله يستدعي أوهام الماضي لتضليل أجيال الحاضر، ولا يلتفت مطلقاً لحقائق الواقع الدامغة الفاضحة لكل منافق، فما حدث ويحدث في غزة تجاوز بمراحل أكذوبة السب والتكفير، ومزاعم الهدم والتدمير لدور الإثم والتكفير!
ما حدث ويحدث في غزة وعموم فلسطين لم يحرك مطلقاً الفاسد الخسران وولي أمره بن سلمان، حين اكتفوا بالمشاهدة فقط على الشاشات، ولم يروا فيما حدث ولا يزال يحدث حتى ما يستوجب الإدانة والشجب والنكران، سيراً على عادتهم، فلم يتحركوا وهم عن قرب ولو ببيان، حين تحرك عن بُعد شعب وقادة الإسبان، ولا يُحصى عدد من حركت غزة إنسانيتهم من الفرنجة والطليان، وغيرهم من حملة الصلبان.
ولا يتسع المقام حتى لإيجاز إنجازات تحرك من وصفهم الفاسد الخسران بالانحراف والضلال وفساد العقيدة والمنهج، وادعاء الإسلام! ويكفي القول هنا إن ولي أمر الفاسد الخسران تحرك بفاعلية لحماية مجرمي وقطعان الكيان من مفاعيل إسناد شعب الحكمة والإيمان.
ويزعم الفاسد الخسران في بيانه ادعاء شعب الحكمة والإيمان للإسلام! وأن الله قد فضحهم بجرأتهم على استهداف مكة المكرمة والمقدسات، مشبهاً رقة قلوبهم ولين أفئدتهم بطغيان من مضى من الطواغيت، وأنهم بدفاعهم عن أنفسهم وعن المستضعفين من أبناء أمتهم، إنما يسيرون على نهج الطواغيت، وأورد لذلك في بيانه أبرهة الحبشي مثالاً!
ولهذا الفاسد الخسران نقول: إذا كان أبناء الشعب اليمني يدعون الإسلام، وهم من نزل فيهم قوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ...)، وهم من شهد لهم نبي الرحمة بالحكمة والإيمان، فمن هم الذين وصفهم الله جل وعلا بأنهم أشد كفراً ونفاقاً؟
واستند هذا الفاجر في نفيه الإسلام عن شعب الحكمة والإيمان إلى أحدث أكذوبة لولي أمره، يعلم يقيناً كذبها، وهي استهداف مكة المكرمة والمقدسات!
ولم يسبق لمكة المكرمة ولمقدسات الأمة أن تعرضت لاستهداف أخطر من الاستهداف الذي تعرضت له مؤخراً في عهد آل سعود، وعلماء بلاطهم من أمثال صاحب البيان، الفاسد الخسران. والاستهداف ليس مادياً، بل أخطر من ذلك، استهداف طال القيم الدينية في وجدان الأمة الإسلامية، تلك القيم التي تعد أساساً متيناً، وعروة وثقى، تربط المسلمين بمقدساتهم، عمل آل سعود وعلماء بلاطهم على ضربها، لتصبح مجرد شكل من غير مضمون.
ففي أرض الحرمين الاختلاط والفسق والفجور ترفيه، وهذا ليس مجرد ادعاء، فالكثير من أبناء الأمة الإسلامية عرباً وعجماً شاهد ما يحدث بأم العين، والبعض شاهد عبر القنوات الفضائية، وعبر منصات التواصل الاجتماعي، ولم يقتصر الأمر على مشاهدة السلوك الفاضح، بل لعل الأغلب شاهد التبرير من علماء البلاط، فالسديس أجاز الفسق والفجور تحت عنوان الترفيه بقوله: (معاشر المسلمين كثر الحديث عن حفلات الترفيه ومشاهد الرقص، وينبغي أن نعلم أنها أنشطة ترفيهية، ولا يعيب المسلم أن يترفه بعد الصلاة والصيام والحج، فالترفيه ليس محرماً ولا ممنوعاً، فلا تلتفتوا إلى دعاة الفتنة الذين يحرمون ما أحله الله تعالى).
ويتردد الآن أنه تم السماح بتقديم الخمور في الأماكن السياحية، وليس في الأمر غرابة، فجلب الشواذ والعاهرات لإقامة حفلات الترفيه ليصبح إقبال شباب الأمة على أماكن تواجد العرايا المتبرجات أولى من الإقبال على المقدسات، وهذا هو التدمير الحقيقي للمقدسات، بتدمير نفسيات وعقول من يعمرها، وليس كذبة بن سلمان باستهدافها من شعب الحكمة والإيمان، وترديد ذلك البهتان على ألسنة علماء بلاطه.
وبفعلهم وتبريرهم تدنيس مقدسات الأمة تجاهلوا قول الله سبحانه وتعالى حين خاطب خليله إبراهيم عليه السلام بقوله جل وعلا: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ). فما أكثر الطائفين والقائمين والركع السجود في زماننا هذا، وتطهير بيت الله الحرام وفقاً للآية السابقة يقتضي تطهير محيطه الجغرافي الذي يمكن أن يمتد إلى ما بعد أرض نجد والحجاز، فالمسلمون في بلاد الإسلام يتوجهون في عبادتهم لله تعالى تجاه قبلتهم، بيته الحرام، والأصل أنه لا يجوز أن يفصل بينهم وبين توجههم لبيت الله الحرام فسق وفجور. فليس معنى تطهير بيت الله الحرام أن يكون ما سواه من بلاد المسلمين عكس ذلك، فالمسلمون عموماً مأمورون بغض البصر، وعدم النظر إلى المحرمات، ونساؤهم مأمورات بالحشمة وستر العورة، وعدم التبرج تبرج الجاهلية الأولى.
وهذا الخطر المحدق بمقدسات المسلمين في أرض نجد والحجاز سبق أن حذر منه السيد القائد الشهيد - رضوان الله عليه - قبل ما يقرب من ثلاثة عقود من الزمن، بأنه سيأتي الوقت الذي نصرخ فيه لأجل المسجد الحرام كما نصرخ لأجل المسجد الأقصى.
ولم يكتف الفاسد الخسران في بيانه بتضليل وتكفير شعب الحكمة والإيمان، بل ذهب في بيانه مذهباً متطرفاً أبعد من ذلك، حين شرعن القتل لأبناء الشعب اليمني، من خلال وصفه للعدوان بأنه أوجب الواجبات شرعاً! وإن ورد ذلك تحت عنوان مواجهة العدو الحوثي الذي أفسد - حسب زعمه - في البلاد، وفرّق العباد، وخرج على ولاة أمره!
وهذا الفاسد الخسران تجاهل أن ولي أمره هو من أجبر عفاش على الخروج من السلطة بما سمي بالمبادرة الخليجية، ليحل محله عميل آخر أكثر انصياعاً من سابقه، وأن ولي أمره هو من أخرج العميل الآخر ليحل محله ثمانية عملاء بوضعية واحدة هي وضعية الانبطاح!
وهذا المنطق هو تجسيد لانصياع هؤلاء المسوخ الموصوفين بأنهم علماء لأعداء الأمة، فهم يجرّمون الخروج على ولي الأمر إذا كان بدون رضا أمريكا، أما إذا كان الخروج حائزاً على الرضا الصهيوأمريكي، فهو جائز شرعاً، بل واجب عند هؤلاء، ومن أوجب الواجبات، كما هو الحال في سوريا، التي خرجت المجموعات الإرهابية بقيادة الجولاني بدعم مباشر من ولي أمر مصدر البيان الفاسد الخسران. أما الخروج استجابة لأمر الله في مقارعة الحكام المستبدين المفسدين الظالمين، فهو ممنوع حتى وإن أخذ المال وهتك العرض، وزنى و... مباشرة وعلى الهواء!
ولو لم يكن هؤلاء ضالين مضلين وكاذبين في مزاعمهم، فإن أولى من يؤخذ ويؤاخذ على ما يصفونه بالخروج على ولي الأمر الجنرال علي محسن وحزب الإصلاح، باعتبار أنهم كانوا ضمن أدوات الحاكم المستبد، وهم الذين حظوا ولا يزالون إلى اليوم يحظون بكامل الدعم من نظام آل سعود، وهو ما يعني أن خروج أولئك الحائزين على رضا آل سعود مسموح ومرحب به، طالما أنه سيؤدي إلى وضع عملاء جدد في قمة السلطة أكثر تبعية وانصياعاً وانبطاحاً، أما خروج غيرهم فممنوع طالما أنه سيؤدي إلى انتزاع سيادة واستقلال البلد.
وبغض النظر عن تضليل هؤلاء الضالين المضلين، فإن الحقيقة الواضحة التي لا لبس فيها ولا غموض، ويعرفها العالم بأسره، وإن حجبتها الوفرة المالية السعودية مؤقتاً، تلك الحقيقة هي أن الشعب اليمني هو من واجه ولا يزال يواجه تحالف العدوان الإجرامي لآل سعود، بقيادة السيد القائد عبد الملك - يحفظه الله -، ولن يفيد آل سعود ولا علماء بلاطهم اختزال الشعب اليمني في مكون أصيل من مكوناته، لتغطية ما اقترفوه من جرائم منذ أكثر من عقد من الزمان، ولا يزالون إلى اليوم بحق الشعب اليمني، الذي ذهب فاسدهم الخسران مؤخراً إلى تكفيره دون حياء من الله ورسوله، خصوصاً وهو يحمل رتبة عالم ومفتي!
ولو أنهم جادون وصادقون في تضليلهم وترويجهم أنهم حريصون على الشعب اليمني، لعملوا بمقتضى قوله تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، وقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
لكنهم، وبدلاً عن العمل بأمر الله سبحانه وتعالى، اتجهوا لتأجيج الصراع، بحشد عشرات الدول للعدوان على الشعب اليمني تحت عنوان تحالف دعم الشرعية، بهدف إضعاف البلد حتى يتمكنوا من السيطرة عليه وأداء دورهم الوظيفي خدمة لمشغليهم من قوى الاستكبار الاستعمارية الصهيوغربية. يحدث ذلك في ظل خنوع مطلق لشعب نجد والحجاز، ناتج عن تدجينه للحاكم من جانب علماء البلاط، الذي دجّنهم بدوره للأجنبي، كما تحدث عن ذلك تفصيلاً السيد القائد الشهيد رضوان الله عليه.
وأوغل في سفك دماء الشعب اليمني، وبشكل عميق، أولئك الموصوفون بأنهم علماء، خصوصاً من وصل منهم لمرتبة الإفتاء كما هو حال الفاسد الخسران، من خلال تحريضهم وتسويغهم وتبريرهم لجرائم نظام آل سعود وتحالفه الإجرامي. ولو كانوا علماء حقيقة لأدركوا مقتضى قول الله تعالى: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ). ولو أدركوا ذلك يقيناً، ما باعوا آخرتهم بظلم وفساد وفجور نظام آل سعود.
والله سبحانه وتعالى قد بيّن في كتابه العزيز حقيقة غاية في الأهمية، تكشف حال من يرتدون عباءة العلم ويوصفون بأنهم علماء. تلك الحقيقة هي شدة خشيتهم من الله سبحانه وتعالى، وأنهم لا يخافون لومة لائم، ولا يقبلون مطلقاً بالتورط فيما يغضب الله جل وعلا. فهم ينشدون رضا الله سبحانه وتعالى، ولا قيمة عندهم لرضا الحاكم إذا ترتب عليه ما يغضب الله، ومن لم يكن كذلك فليس بعالم، وليس من العلماء. قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ).
وقد قيل إنه كلما كانت المعرفة بالله أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر، فليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية لله. لكن صاحب البيان الفاسد الخسران وأمثاله اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، فصدوا عن سبيل الله، كما قال تعالى: (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
ولا يقتصر حكم هاتين الآيتين على اليهود فحسب، بل يشمل كل من فضّل دنياه على دينه، ففيها تحذير عام لكل من باع دينه وعلمه أو كتم الحق خوفاً من الحاكم لأجل مقابل مالي أو في سبيل الحصول على منصب أو أي متاع دنيوي. وللسيد القائد الشهيد تفصيل واسع ومطول في ذلك، منه قوله رضوان الله عليه:
(... ما أكثر الناس من المسلمين أنفسهم الذين يبيعون الدين بثمن قليل، الدين لا يعني أنك كفرت به بلسانك وصرحت بنبذه... ماذا يعني الاشتراء؟ إنه عندما يعرض الباطل بشكل مال، بشكل مصالح، بشكل مكانة، أو مقام معنوي ينطلقون فيه ويتركون الدين.
أوليست هذه حالة لدينا على نطاق واسع في أوساط المسلمين؟ بكل بساطة، وبدون اكتراث يدخل أحدنا في موقف باطل، يعمل على أن يحصل على مصلحة ولو من طريق باطلة غير مشروعة، ولا يبالي أن دينه يحرم عليه هذا، ولا يبالي أن دينه يهدده إذا ما دخل في هذا.. هذا هو البيع للدين ولو في موقف واحد، ولو في قضية واحدة.

.jpg)



.jpg)

