أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
في المحاضــرة الماضيـــة، كان آخر ما تحدَّثنا عنه على ضوء الآيات القرآنية المباركة من (سورة القصص)، في قصة نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ": الحديث عمَّا حصل من مشكلة نتج عنها مقتل أحد المجرمين، أثناء اشتباكه واعتدائه على أحد المستضعفين، وكيف تدخَّل نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"- وهذا كان ما قبل البعثة بالرسالة- لإنقاذ ذلك المستضعف، فَوَكَز ذلك المستكبر الذي كان يعتدي عليه، {فَوَكَزَهُ}[القصص:15]، يعني: ضربه بكف يده، وهو يجمع قبضة كفه، نتج عن ذلك مقتل ذلك المجرم المستكبر، وهو لم يكن يقصد قتله، كان يقصد إنقاذ المستضعف منه.
ما نتج عن ذلك، ثم الوضعية التي أصبح فيها نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، في إطار مرحلة جديدة، حسَّاسة، ومرحلة مفاصلة تامَّة مع طغيان فرعون، والفراعنة الطغاة ومن معهم، كيف كان اعتزاز نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" بموقف الحق الذي هو فيه، وأنَّه لم يندم بالرغم مما سينتج عن ذلك، مِمَّا يتعلَّق بوضعه في التهديد لحياته، في الإضرار بمصالحه، حسب التعبير السائد... وغير ذلك، {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ}[القصص:17].
وقد تحدَّثنا ما قبل ذلك عن استغفاره، وعن حرصه على أن يكون أداؤه العملي سليماً من الأخطاء، حتَّى الأخطاء غير المقصودة، كيف استغفر الله، {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[القصص:16]، تحدَّثنا على ضوء هذه الآيات في المحاضرة الماضية، ونتحدَّث على ضوء الآيات التي بعدها.
قال تعالى: {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ}[القصص:18]؛ لأن تلك الحادثة، التي نتج عنها مقتل أحد أولئك المستكبرين المجرمين، ليست حادثة عادية في مثل تلك الظروف، وتجاه أولئك المستكبرين، وما يحسبونه من حسابات تتعلَّق بهذه الحادثة من جهة، وبنبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" من جهة؛ ولذلك هو يعي واقعه، وحساسية الموقف والظروف، وردَّة الفعل المتوقَّعة من جانب الفراعنة وجلاوزتهم؛ لذلك هو بقي في المدينة، لكنه كان خائفاً، ويتحرَّك بحذر، وانتباه، وتوقُّع للملاحقة والاستهداف، {خَائِفًا يَتَرَقَّبُ}[القصص:18].
من المؤكَّد انتشار خبر الحادثة مع صداها الكبير، هي في المدينة أولاً، والحوادث في المدن وفي شوارعها من الحوادث التي تنتشر أخبارها بسرعة، فهي في المدينة، والقتيل أيضاً هو من الفئة المستكبرة، والحادثة حسَّاسة جداً لديهم، في مقابل الوضع الذي كانوا قد صنعوه لاستعباد المستضعفين، إلى درجة ألَّا يجرؤ أحد إلى التحرُّك في أبسط مستوى من مستويات التحرك ضد طغيانهم، فحالة السيطرة، وحالة الخوف المترافق معها في أوساط المستضعفين، وحالة القهر، والإذلال، والاستعباد، كانت إلى درجة أنَّ أولئك المستضعفين حتَّى عندما يُذبِّح الطغاة أطفالهم الرُّضَّع، أبناءهم الذكور، لا يصدر منهم أي ردَّة فعل تجاه ذلك؛ من شدَّة الخوف، والاستضعاف، والقهر، والذل... وغير ذلك.
فالحالة التي كانوا قد صنعوها، حالة سيطرة مستحكمة تماماً، لا يجرؤ فيها أحدٌ من المستضعفين على أن يصدر منه أي موقف تجاه أفظع ما يمكن أن يرتكبه أولئك المجرمون، ووضعية المستضعفين كانت وضعية استباحة تامة، مع استسلام تام من جانبهم، هذا الوضع الذي كان قائماً، والفراعنة الطغاة، وجلاوزتهم، لا يريدون أن يتغيَّر ذلك الوضع، هم يريدونه أن يبقى، أن يستمر، هو الوضع الذي يحرصون عليه أن يكون سائداً، وقائماً، ومستمراً؛ فتكون وضعية أولئك المستضعفين في المجتمع وضعية أُمَّة مستباحة، مقهورة، مستذلة، البرنامج معها والسياسات المعتمدة تجاهها بالشكل الذي يتَّجه بهم إلى الفناء، يتَّجه بتلك الفئة المستضعفة إلى الفناء، وهي في وضعية لا يصدر منها أي رد فعل تجاه ما يحصل عليها.
فموسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" هو غيَّر المعادلة بكلها؛ ولهذا كان موقفه حسَّاساً جداً عندهم، يعني: من جهة استكبارهم، وأن يقتل منهم قتيل، في مقابل أنهم ينظرون إلى تلك الفئة أنها فئة لا ينبغي أن يصدر في مقابل أي شيء يحصل عليها أي رد فعل، أو أي انتقام، أو أي تصرف نهائياً، هي فئة مستضعفة، مستباحة.
وهذا هو الوضع الذي يريد أن يطبِّقه اليهود الصهاينة على أُمَّتنا الإسلامية، بمثل ما كان عليه حال أولئك المستضعفين، المستباحين، المقهورين في أيام فرعون، ويريدون نفس ما كان يريده فرعون: ألَّا يصدر أي رد فعل إطلاقاً تجاه أي شيء يحصل على أولئك المستضعفين.
فما فعله نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" كان اختراقاً لوضعٍ كامل قد أسَّسوه وفرضوه في واقع الناس، هذا من جهة، وحساسية الحادثة، مثلاً: في واقعنا المعاصر، نلحظ- مثلاً- فيما يتعلَّق بالمستضعفين، مثلاً: في فلسطين... في أيِّ بلدٍ إسلاميٍ في البلاد العربية وغيرها، والبلدان المستضعفة، عادةً ما تكون أخبار القتل أخباراً روتينية اعتيادية يومية: [قُتِل كذا، قُتِل فلان، قُتِل عدد كذا، قُتِل، قُتِل، قتل]، أخباراً يومية، وتصبح أخباراً روتينية في مسامع الناس، اعتاد الناس على سماعها، وحتَّى طريقة تقديمها، عادةً ما تكون بطريقة كأنها أخبار عادية، والناس اعتادوا على ذلك، أن يسمعوها كذلك، وأن يتعاملوا معها كأخبار عادية، من الأخبار المعتاد سماعها يومياً.
لكن- مثلاً- عندما يقتل جندي يهودي، صهيوني، ويقتل جندي أمريكي، كيف تكون طريقة حتَّى وسائل الإعلام في التعامل مع الخبر؟ يقدِّمون المسألة كخبر غير عادي، خبر مهم، خبر حسَّاس، خبر خطير، ويحيطونه بهالة، وتخويف، وإرجاف، وتهويل، وخبراً خطيراً ومزعجاً... وهكذا، هذا شيء واضح، يعني: عندما نلحظ في عصرنا وزماننا ما يحدث.
فالقصة كذلك، مثلاً: أن يقتل في يوم واحد المئات من الأطفال الرُّضَّع في تلك المرحلة، في ذلك الزمن، في أيام فرعون، يكون خبراً اعتيادياً، [ذبحوا في منطقة كذا عدداً كبيراً من الأطفال الرُّضَّع الذكور]، وخبر اعتادوا على سماعه وكأنه خبر عادي، ليس خبراً مزعجاً، ولا يبعث على الاستياء، والاستنفار، ويتطلَّب رد فعل... وغير ذلك. لكن لمَّا قُتِل شخص هو محسوب من الفئة المستكبرة المجرمة؛ تقوم الدنيا ولا تقعد، هذا هو الحال في نهج الطغاة، المجرمين، المستكبرين في كل زمن، في كل عصرٍ ومصر.
فالحادثة انتشرت مع صداها الكبير، مع حساسيتها لاختراق وضع وتغيير معادلة، وإضافةً إلى ذلك: اهتمام وقوَّة الجهاز الاستخباراتي الفرعوني، الذي يلاحق حتَّى الأطفال الذكور، ويعرف بهم ليقتلهم، فالحادثة انتشرت يعني في أرجاء المدينة، وانتشر معها دعايات إعلامية، وأصبحت حدثاً استثنائياً وغير عادي.
ولذلك موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" كان في حالة خوف، وهذا يدلُّ على التَّخفِّي في تلك المرحلة التي أمضاها، يعني: إلى اليوم الثاني، وكان في حالة حذر؛ لأنه يترقب، يعني: يتوقَّع رد الفعل المعادي من جهة الفراعنة، وهو يفكِّر في كيفية التعامل مع ذلك، وفيما هو يتحرَّك في المدينة في اليوم الثاني بحذر وخوف، فوجئ بمشكلةٍ جديدة، فذلك المستضعف الذي أنقذه بالأمس، دخل في مشكلة، ودخل نبي الله موسى بالأمس في مشكلة لأجله كبيرة، قد صار في مشكلة إضافية في اليوم الثاني، {فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ}[القصص:18]، في هذه المشكلة الجديدة: {يَسْتَصْرِخُهُ}[القصص:18]، في مشكلة الأمس: {فَاسْتَغَاثَهُ}[القصص:15]، يستصرخه فيها استغاثة، لكن استغاثة أشد من استغاثة الأمس، يبدو أنه كان في وضع أصعب، وكان الذي يعتدي عليه في اليوم الثاني- ربما- يضربه بعنف أشد؛ ففيها دلالة أبلغ على الاستغاثة بصراخ، فهو يستغيث نبي الله موسى ليبادر إلى إنقاذه.
نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" استغرب عندما وجده في مشكلة جديدة في اليوم الثاني، وأدرك أنَّه يتصرف بتهوُّر، وبطريقة غير صحيحة في تعامله مع الأمور في تلك الظروف نفسها، وتلك المرحلة الحسَّاسة؛ ولهـذا انتقده، قبل أن يتدخَّل لإنقاذه انتقده: {قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ}[القصص:18]، وبَّخه على تهوُّره، في التعامل مع الأمور بتلك الطريقة التي يفتح فيها مشكلة متكرِّرة، ويثير صراعاً، صراعاً فردياً في وقتٍ غير مناسب، وبما لا يخدم القضية العامَّة، والموقف الكبير، فهو لا يراعي الظروف العامَّة، ولا يراعي ما يخدم القضية العامَّة، يتعامل وفق حساباته الشخصية وقضاياه الجزئية بتهوُّر، وهذا التصرف تصرف خاطئ، من منطلق فردي، في إطار حسابات شخصية، ونظرة محدودة، وبما لا يخدم القضية العامَّة، ولا يخدم الموقف الحق؛ فتصرفه هو تصرف غواية، يعني: مخالفة للصواب، وبدون رشد؛ لأنه لا يخدم القضية العامَّة، وينطلق في إطار شخصي.
وهذا يحصل من البعض، من بعض الأتباع، يعني: في مسيرة الأنبياء "صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِم"، ومسيرة أولياء الله، في طريق الحق، عادةً ما يكون بعض الأشخاص من الأتباع، مثلما هنا: {مِنْ شِيعَتِهِ}[القصص:15]، من المتهوِّرين، والانفعاليين، والمتسرِّعين، الذين يتصرفون في إطار مزاجهم الشخصي، وحساباتهم الشخصية، ويدخلون في إشكالات على مستوى فردي، لكن بما لا يخدم القضية العامَّة، وليس في إطار التَّوَجُّه، مثلاً: التَّوَجُّه الذي كان على رأسه موسى، هو كان يعمل على إنقاذ المستضعفين، وخدمة قضاياهم، وله طريقته التي تناسب تلك الظروف بالتحديد، ولكن- مثلاً- هذا يتَّخذ قراراً بأن يدخل في اشتباك ومواجهة، ويقاتل في ظرف لا يتطلب ذلك، ولا يناسب فيه ذلك في تلك المرحلة، فهذا النوع من التصرفات التي ليست راشدَّة، ولا محسوبةً بما يخدم الموقف العام، عادةً ما ينطلق فيها البعض من المتهوِّرين، الانفعاليين، غير المنضبطين في إطار أُمَّة، في إطار قضية عامَّة، في إطار موقف كبير.
وهذه مسألة مهمة، وفيها درس كبير، ودرس مهم جداً، ولها أيضاً أمثلتها في تاريخ المسلمين، وتحدَّث عنها القرآن الكريم (في سورة النساء، وفي سورة البقرة)، عن البعض من المسلمين في عصر رسول الله "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، الذين كانوا متهوِّرين، لا يريدون الانضباط والالتزام بحسب أولويات المراحل، بحسب تحديد المواقف، وفي إطار التَّوَجُّه الذي يوجِّه إليه القرآن الكريم، ويتحرَّك فيه رسول الله "صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ"، بوحيٍ من الله، وهدايةٍ من الله، وتعليمٍ من الله، فيريدون أن يتصرفوا وفق انفعالهم الشخصي، وتجاه نظرتهم الشخصية، قضية شخصية، مع غريم على حطب، يريد أن يجعل منها قضية القرن الحادي والعشرين مثلاً، أو في ذلك الزمن بحسب القرن الذي هو فيه، لكن كمثال في عصرنا.
فالبعض- مثلاً- يجعل من مشكلته الشخصية قضية كبرى، يتصرف فيها بطريقة متهوِّرة، تؤثِّر على قضايا أهم، على توجُّهات أكبر، على خطط عملية حكيمة، تراعي الظروف، تراعي المرحلة، تراعي الأولويات، ومِمَّن هم أكثر اهتماماً منه، وأكثر حرصاً منه على الأمور المهمة، والقضايا الكبيرة، مثلاً: نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"- حتَّى في تلك المرحلة قبل البعثة بالرسالة- هو أكثر اهتماماً من ذلك المشاغب، الذي هو كل يوم في مشكلة، أكثر اهتماماً منه، وحرصاً منه في العمل على إنقاذ المستضعفين، في العمل على مواجهة طغيان فرعون وقوم فرعون، في العمل ضد ذلك الظلم، في مواجهة تلك الممارسات الإجرامية من جهة الفراعنة، موسى أكثر حرصاً، وأكثر اهتماماً، وأكثر مسؤوليةً، وأكثر جداً، ولكن آتاه الله حُكْماً وعلماً، ويتصرف بشكل صحيح، بما أعطاه الله من الحكم والعلم والمؤهِّلات الراقية، فهو حكيم، ويتصرف بطريقة صحيحة، وفعَّالة، ومجدية أكثر؛ بينما ذلك المشاغب يتصرف بتهوُّر، بعيداً عن نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، والمفترض أنه كان يعتمد على تعليماته، ويتحرَّك في إطاره؛ باعتباره من شيعته، {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ}[القصص:15]. فهذا الدرس مهم جداً.
نحن في عصر أيضاً نواجه فيه تحديات كبرى، طغاة أكثر طغياناً من طغيان فرعون، وينبغي أن يكون حرص كل إنسان يتَّجه في إطار الموقف الحق، والقضايا العادلة، والأُمَّة المؤمنة المجاهدة، أن تكون تصرفاته محسوبةً في إطار أُمَّة، في إطار أولويات، في إطار قضايا كبيرة، وأن يحذر من التصرفات المتهوِّرة، التي هي في نطاق شخصي، وحسابات شخصية، واهتمامات شخصية، وقضايا شخصية، فينطلق منها وفيها بما يؤثِّر على القضايا الكبرى، والخطط الحكيمة، والتَّوَجُّهات العامَّة، هذه الفئة التي تحدَّث عنها شهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ" في الملازم تحت عنوان (المتنططين): البعض من الناس الذين هم يتحرَّكون وفق اندفاعات من جانبهم، يعني: اندفاعيون، هم اندفاعيون، مستفزون، يتصرف وفق انفعاله، وفق الحالة الاندفاعية لديه، بدون رؤية صحيحة، ولا في إطار الموقف العام، هذا درس مهم جداً.
على كلٍّ، نبي الله موسى قال له: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ}[القصص:18]، يعني: بيِّن الغواية، تتصرف بطريقة مخالفة للصواب، وبطريقة غير راشدَّة.
{فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا}[القصص:19]، يعني: بالرغم من أنَّ نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ" هو وبَّخ صاحبه ذلك، وانتقده على تصرفاته المخالفة للصواب، في إثارة مشاكل متكرِّرة، والتعامل بتهوُّر مع الأمور، لكن سعى لإنقاذه؛ لأنه مظلوم، في واقع الحال هو مظلوم، وسعى لإنقاذه، واتَّجه ليبطش بالذي هو عدوٌ لهما، يعني: طريقة إنقاذ ذلك المظلوم المشاغب، وتخليصه من يد ذلك المستكبر، ستحتاج إلى تدخل بالعنف، اتَّجه ليبطش به، يعني: ليتصرف معه بعنف، ويخلِّص ذلك المستضعف منه.
في تلك الحالة، عندما اتِّجه لإنقاذه بذلك الشكل، مع توبيخه له على تصرفاته غير المنضبطة، تصرفاته المخالفة للصواب والمتهوِّرة، {قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ}[القصص:19]، القائل هو: ذلك المعتدي المستكبر، يعني: البعض من الناس يتصوَّر أن القائل هنا هو نفس ذلك المستضعف، وأنَّه هنا فضح موسى، القضية كانت قد انتشرت، وكان قد عُرِف خبر موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"؛ ولذلك في هذه الحادثة نفسها القائل هو ذلك المعتدي المستكبر، وهو قال هذا الكلام ليتخلَّص من موسى؛ لأنه خاف عندما اتَّجه موسى إليه، خاف أن يبطش به نبي الله موسى، وأن يحصل له وَكْزة مثل الذي قبله، وَكْزَة قاضية، فهو قال هذا الكلام لموسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"؛ ليتخلَّص من أن ينال ضربةً منه، أو أن يبطش به.
{أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ}[القصص:19]، هذا يفيد أن حادثة الأمس كانت قد انتشر خبرها كما شرحنا، وهو قال هذا الكلام؛ لأنه خاف من موسى أن يبطش به، وفي نفس الوقت ترك ذلك المستضعف، يعني: هو ترك ذلك المستضعف الذي استصرخ موسى، واستغاثه بشدَّة، وتوجَّه بهذا الكلام مع موسى، وقال له أيضاً: {إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ}[القصص:19].
في بداية هذه العناوين التي تحدَّث عنها ذلك المستكبر، وفي نفس الوقت موسى تركه أيضاً؛ لأن موسى كان هدفه أن ينقذ ذلك المستضعف الذي استصرخه واستغاثه بشدَّة لينقذه منه، فلما تركه؛ تركه موسى في نفس الوقت، لم يبطش به، وهو توجَّه بهذا الكلام إلى موسى: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ}[القصص:19]، يعني: يتحدَّث عن موسى كقاتل، وهو بالتأكيد يردِّد دعاية قد تمَّ نشرها مع انتشار خبر الحادثة بالأمس؛ بهدف تشويه موسى، مع أنها حادثة الأمس كانت حادثة لم يقصد فيها موسى أصلاً القتل؛ وبينما أولئك المجرمون يقتلون حتَّى الأطفال الرُّضَّع ذبحاً، وبأعداد كبيرة، فما بالك بغيرهم! كم يقتلون من المستضعفين لأتفه الأسباب، لأبسط الأسباب، في أشياء كثيرة! من المؤكَّد أنهم كانوا يقتلون أيضاً من الكبار، وليس فقط الأطفال الرُّضَّع، ولأتفه الأسباب، فنجد هنا- مثلاً- طريقة تحدُّثه وكلامه مع موسى، أنَّه يردِّد دعاية انتشرت بالتزامن مع انتشار خبر الحادثة نفسها بالأمس، فهم ماهرون، الطغاة ماهرون في أجهزتهم الدعائية الإعلامية، التي تسعى للتشويه لمن يقف أي موقف صحيح، وتستهدف حتَّى فئة المستضعفين بالدعايات نفسها، بالدعايات نفسها، فهو يتحدَّث هنا عن موسى كقاتل، ويتهمه بهذه التهمة: أنه مجرَّد شخص قاتل، يرتكب جرائم القتل؛ لتشويهه وتشويه موقفه.
ثانياً: عندما يقول هذا الكلام أيضاً: {إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ}[القصص:19]، هذا أيضاً جزءٌ من الدعاية التي رُوِّج لها، وانتشرت بالتزامن مع الحادثة؛ لأن الحادثة كانت مزعجةً جداً لفرعون وقومه، لأولئك الطغاة؛ باعتبارها- كما قلنا- تغيير معادلة، واختراق وضع قد صنعوه، فهم وجَّهوا حملة دعائية، تتزامن مع انتشار الخبر الذي كان مفاجئاً، وصادماً، واستثنائياً، وغير مألوف، أن يُقْتَل شخص من أولئك المستكبرين المجرمين؛ فلذلك هم حرَّكوا حملات دعائية لتشويه نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، ومن ذلك:
- التشكيك في توجُّهه، وما يريده، وما يسعى إليه.
- وأيضاً التشويه لما يقوم به من مساعٍ لإنقاذ المستضعفين، لمواجهة الطغيان والتَّجَبُّر.
فهم يتَّهمونه بما هو فيهم: {إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ}[القصص:19]، وهم هم الجبابرة، هم يتهمون موسى، ويروِّجون لهذه الدعاية في أوساط المجتمع بالتزامن مع انتشار خبر حادثة الأمس، وينشرون معها هذه الدعاية: أنه يمارس الجبروت، والعنف، ويثير المشاكل، ويسعى إلى فرض إملاءاته على الناس بالقوَّة؛ بينما هم من يمارسون الجبروت، والظلم، والطغيان بشكلٍ بشعٍ جداً، وعلى نطاقٍ واسع، وبشكلٍ يومي.
وكذلك في قولهم: {وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ}[القصص:19]، كذلك- يعني- استغلال تلك الحادثة غير المقصودة، مع أن الذي قُتِل فيها أصلاً هو مجرم، ولكن استغلال أبسط حادثة، أو أبسط خطأ، حتَّى ولو كان خطأً في الأسلوب، أو التكتيك؛ لتشويه التَّوَجُّه بكله، والموقف بكله، هذا أيضاً مِمَّا يعمل عليه المستكبرون الطغاة في كلِّ زمن، في كلِّ زمن، وفي عصرنا هذا يمتلكون إمكانات أكبر مِمَّا كان في عصر فرعون بكثير بكثير.
ففي حملتهم الدعائية ضد نبي الله موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، أنَّ ما يقوم به من أعمال تحت عنوان: أنه يريد أن يصلح، وأن يواجه حالة الفساد والطغيان، فهم يتهمونه، نفس ذلك الذي تكلم هو تكلم عن صدى لدعاية منتشرة على نطاقٍ واسع، يعني: هو يردِّد ما يقال عن حركة موسى وأعماله خلال تلك المرحلة، والدعايات تستهدف حتَّى بيئة المستضعفين؛ للتشويش عليهم، ولفصلهم عمَّن يسعى لإنقاذهم وخلاصهم.
في عصرنا هذا- مثلاً- نجد الكثير من المستضعفين فعلاً يتفاعلون مع دعايات المستكبرين، وينسون ما يفعلون، يعني: في عصرنا هذا، مثلاً: أمريكا وإسرائيل يقتلون الملايين من الناس، اليهود الصهاينة يرتكبون أبشع الجرائم، أمريكا قتلت الملايين من الناس، وفي نفس الوقت عندما تحصل أبسط حادثة، يصدرون تصنيفاً بأن هذا انتهاك لحقوق الإنسان، وأحياناً يوصِّفون المدافعين عن أنفسهم، عن قضاياهم، التي هي قضايا مشروعة، وحق واضح، مثلما هو الحال في توصيفهم للمجاهدين الفلسطينيين بالإرهابيين، وما يصدر منهم هم من أفظع الجرائم، يبرِّرونها، ويشرعنونها، ويتعاون معهم أبواقهم، حتَّى من أوساط المستضعفين؛ لكن من جانب المستضعفين كل شيء يوظَّف بأنه تصرف خاطئ، ويُسْتَغل كتشكيك في أصل التَّوَجُّه والموقف، وفي العمل على تدجين الناس، وإخضاعهم للمستكبرين، وابتعادهم عمَّن يسعى لخلاصهم وإنقاذهم.
ولهذا نجد الحملة ضد موسى لم تكن تستهدف حياته فقط يعني، بل سعى الطغاة الفراعنة لاستهدافه بالدعايات؛ لتشويهه، وتشويه اتِّجاهه، الذي هو إحسان، وإنقاذ للمستضعفين، وقد انتهت المشكلة مع ذلك المستكبر في تلك الحادثة، لكن بقي الموقف خطيراً بالنسبة لموسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ".
{وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ}[القصص:20]، من هنا ستأتي مرحلة جديدة في حياة نبي موسى "عَلَيْهِ السَّلَامُ"، يخرج فيها مهاجراً، خائفاً من مصر بكلها، ومن المناطق الخاضعة لسيطرة فرعون.
نتحدَّث عنها- إن شاء الله- في المحاضرة القادمة على ضوء الآيات القرآنية المباركة.
نَسْألُ اللَّهَ "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛






.jpg)
