هاشم عبدالجليل جحاف
في زمن التداعي والانهيار الأخلاقي، وحين تغدو الخارطة العربية صحيفة دم مفتوحة مستباحة بالبارود، تظل القضية الفلسطينية هي الأصل والمركز، والقلب النابض الذي بدون خفقانه تخمد أمة بأكملها.
إنها القضية الأُم، والجوهر العصي على المساومة، والمركزيّة الوجدانية التي لا تسقط بالتقادم ولا تتزحزح تحت وطأة الحديد والنار، وحتى لو قُطّعت الأجساد، وحتى لو أُحرقت المدن من غزة الصامدة إلى أقاصي المحافظات اليمنية والجغرافيا الثائرة، ستظل فلسطين هي العهد والوعد، والمبدأ الثابت الذي لا ينكسر
ما يشهده قطاع غزة اليوم من حرب استئصالية وتطهير عرقِي مكتمل الأركان، وما تكتوي به أراضي اليمن في مختلف محافظاته تحت حمم الغارات والقصف والحصار، ليس إلا أطرافاً لجسد واحد تجمعه وحدة المصير، غير أن فلسطين تبقى دائماً هي البوصلة والمحور؛ فكل جرح في اليمن، وكل صرخة في أرجاء الأمة، إنما هي امتداد ونزيف يتصل مباشرة بالقدس وغزة.
ليست فلسطين مجرد نزاع على حدود سياسية أو بقعة جغرافية، فهي الاختبار الحقيقي لكرامة الأمة وللضمير الإنساني أجمع، وهي الراية التي لا تُنكّس، والقيمة التي تُقاس بها أصالة الشعوب مهما عظمت التضحيات، فقد تُدمّر البنى التحتية، وتُمحى مربعات سكنية بأكملها فوق رؤوس ساكنيها في غزة وفي القرى والمدن اليمنية الصامدة، لكن الفكرة لا تُحرق بالبارود، والكرامة لا تُباد بالقصف، وكل قطرة دم تُسفك ترسم ميثاقاً قاطعاً، فلسطين خط أحمر يُفدى بالأرواح.
وعند تفكيك مشاهد الدمار والحصار، يتضح أن الآلة العسكرية المستبدة تستهدف كسر الإرادة العربية كلياً عبر محاولة تصفية القضية الفلسطينية وضرب كل يد تمتد لنصرتها.
ومن غزة المحاصرة التي يُحرم أطفالها من الماء والغذاء والدواء، إلى الحصار والمواجهات والقيود الخانقة التي تكتوي بها المحافظات اليمنية، تتجلى وحدة الأسلوب في محاولة استخدام الاحتياجات الإنسانية لسلب الإرادة، لكن هيهات لشعوب تعمدت بالدم أن ترضع الهوان.
لقد أسقطت دماء أطفال غزة واليمن زيف المنظومة الدولية، وكشفت عن ميزان أعوج تُجزّأ فيه حقوق الإنسان وتُصنف فيه الجرائم بناءً على الهوية والتحالفات، ليثبت للعالم أن القوانين الأممية مجرد حبر على ورق لا يوقف شلال الدم.
إن التلاحم الوجداني والميداني الذي تجسده غزة، ويتقاسم أثره أبناء الشعب اليمني في مختلف المحافظات، يؤكد أن الشعوب حسمت أمرها: لا تراجع، ولا خنوع، ولا مقاطعة للحق التاريخي.
فمن تحت الركام، ومن بين الخيام والبيوت المهدمة، ومن أزقة المدن المحاصرة، ينبعث صوت الشعوب الحرة هادراً، ولو حُوصرنا، لو جُوّعنا، ولو أُحرقنا بأعتى أسلحة الدمار.. ستبقى فلسطين هي القضية والقبلة الأولى.
إن التاريخ لا يرحم المتواطئين، والذاكرة الجمعية للشعوب تُسجل كل قطرة دم وكل موقف خاذل، وستظل دماء غزة واليمن شاهدة على ملحمة الوفاء للقضية الأُم، وستبقى إرادة الشعوب في التحرر والعيش بكرامة هي الحقيقة الوحيدة الصامدة؛ فهي القضية التي لن نتخلى عنها مطلقاً، ولو قُطعنا، ولو أُحرقنا، ولو تكالب علينا العالم أجمع.





.jpg)

