عبدالله علي هاشم الذارحي
في زمنٍ تتكاثر فيه أدوات الحرب وتتعدد أساليبها، لم يعد العدوّ يعتمد فقط على الجيوش والأسلحة، بل بات يُحسن استخدام الحرب الخفية التي تستهدف العقول قبل المواقع، والإنسان قبل الأرض.
في هذا السياق، أتى مساءَ أمس البيان الصادر عن الأجهزة الأمنية ليكشف جانبًا بالغ الخطورة من مخطّطات موساد العدوّ الصهيوني الرامية لاختراق الجبهة الداخلية اليمنية عبر التجنيد والتخابر.
لقد عرّى هذا البيان جملةً من الأساليب التي يعتمدها كيان العدوّ في استدراج الخونة، مؤكّـدًا أن المعركة لم تعد تقليدية، بل تحوّلت إلى معركة وعيٍ وإدراك، وهو ما يفسر فشل كثير من محاولات تجنيد العدوّ في مراحلها الأولى، نتيجة يقظة رجال الأمن ووعي أحرار اليمن بطبيعة كيان العدوّ وأدواته.
أساليب خبيثة بثوبٍ ناعم
ما كشفته الأجهزة الأمنية يُظهر أن العدوّ يعتمد على الإغراءات المالية كمدخل أولي، مستغلًا حاجة البعض وَطموحهم، عبر إعلانات ممولة ومنصات رقمية، بل وعبر الألعاب الإلكترونية وغيرها، في محاولة لإيهام المستهدفين بأن التعاون معه هو طريق النجاة والمستقبل الآمن.
كما يتسلل العدوّ عبر بوابة الوظائف الوهمية، مستهدفًا الباحثين عن فرص عمل، ليبدأ معهم رحلة تدريجية من الاختبارات والمقابلات، وُصُـولًا إلى طلب معلومات ذات طابع أمني، في عملية تجنيد ناعمة لا يشعر بها الضحية إلا بعد فوات الأوان.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتجه العدوّ إلى استغلال الحرب النفسية، عبر نشر أفكار منحرفة تسعى لفصل المجتمع عن هُويته الإيمانية، وتخذيله عن مواقفه تجاه قضايا الأُمَّــة، في محاولة لإضعاف جبهة الصمود الداخلي.
الابتزاز والسقوط الأخلاقي
من أخطر ما أشار إليه البيان هو اعتماد العدوّ على أُسلُـوب السقوط الأخلاقي، حَيثُ يتم استدراج الضحية إلى مواقف مشبوهة، ثم ابتزازه لاحقًا لتنفيذ أوامر استخباراتية، تحت تهديد الفضيحة.
وهو أُسلُـوب يكشف انحطاط الوسائل التي يلجأ إليها العدوّ لتحقيق أهدافه.
كما يستخدم العدوّ أُسلُـوب التخويف، عبر الإيحاء بمعرفته الدقيقة بتفاصيل حياة المستهدف، لإرباكه نفسيًّا ودفعه إلى التعاون تحت الضغط.
اختراق عبر العلاقات والتأثير الإعلامي
ومن بين الأساليب اللافتة، استخدام شخصيات وهمية أَو مؤثرين يتقنون اللهجة اليمنية، لبناء علاقات اجتماعية ظاهرها بريء، لكنها تتحول لاحقًا إلى قنوات لجمع معلومات حساسة، بل وصل الأمر إلى طلب تحديد مواقع قيادات وطنية مقابل المال، في سلوك يكشف خطورة الفضاء الرقمي كأدَاة اختراق.
كما يتم استغلال العلاقات الشخصية ومنصات التواصل، وحتى الدعوات للسفر إلى الخارج، كوسيلة لاستدراج الضحايا وتجنيدهم بشكل مباشر.
جمع المعلومات تحت أغطية متعددة
أما في جانب جمع المعلومات، فقد بيّن البيان أن العدوّ يستخدم الاستبيانات الإلكترونية والتطبيقات الربحية كوسيلة أولية لجمع بيانات تبدو بسيطة، لكنها تُبنى عليها قواعد معلومات خطيرة تمس الأمن القومي.
كما يلجأ إلى إجراء مقابلات تحت غطاء إعلامي أَو إنساني، لإيهام الضحية بأن مشاركته ستسهم في تحسين الأوضاع، بينما الهدف الحقيقي هو الحصول على معلومات تفصيلية عن البنية الاقتصادية والعسكرية والخدمية.
وعي الشعب.. خط الدفاع الأول
ورغم خطورة هذه الأساليب، إلا أن ما يبعث على الفخر هو فشل الكثير منها أمام وعي الشعب اليمني، الذي أثبت أنه شريك أَسَاسي في حماية الجبهة الداخلية، من خلال رفضه الانجرار خلف هذه المخطّطات، وإبلاغه عن أية محاولات مشبوهة.
وهنا تتجلى مصداقية قوله تعالى: "وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" حيث تنقلب تدابير العدوّ عليه، بفضل الوعي والإيمان والثبات.
كما يؤكّـد السيد القائد أن "المعركة اليوم هي معركة وعي بقدر ما هي معركة سلاح"
وهو ما يفرض على الجميع مسؤولية اليقظة والحذر، وعدم الاستهانة بأي تواصل مشبوه مهما بدا بسيطًا.
مما سبق وغيره يتبين
إن ما كشفته الأجهزة الأمنية ليس مُجَـرّد معلومات، بل هو جرس إنذار لكل فرد في المجتمع، بأن يكون حارسًا على نفسه ووطنه.
فالمعركة لم تعد على الحدود فقط، بل في الهواتف، وفي العلاقات، وفي كُـلّ مساحة يمكن أن ينفذ منها العدوّ.
لهذا يجب أن نتحلى بالوعي، وأن نكون
عونًا للأجهزة الأمنية في أداء مهامها.







